فى الحياة نلتقي بأشخاص تتواصل معهم لأسباب مهنية أو شخصية أو اجتماعية ، و قليلاً ما يجمعكما تجانس أو توافق بلا تكلف أو مقدمات ، ومعرفتي بصاحبتنا تمت فى ظروف غريبة من خلال أطفالنا شريف وهشام ، فهما من طلاب مدرسة واحدة ، مدرسة ” سان جوزيف ” بمنطقة الزمالك . بدأت مع نهاية اليوم الدراسي ، وكلاً منا يصطحب ابنه فى رحلة العودة بعد انتهاء اليوم الدراسي ، وتعرفت عليه زوجتي أحبتها والتقت روحيهما فى ألفة ومحبة ، ليس لأنهما من بنات صعيد مصر ، بل لرسوخ انتماء صديقتنا عواطف عبد الرحمن الشديد للقيم الإنسانية ، والصدق والالتزام والوعي ، والأمانة فى القول والفعل والعطاء والإيمان بالأخر .
توطدت العلاقة ودعتنا فى شقتها السكنية المطلة على حديقة الأورمان ومديرية أمن الجيزة لنتعرف على زوجها ممدوح طه واحد من أعمدة الأهرام الذين أعطوا جهدهم ومواهبهم بأخلاص ، وشاركوا محمد حسنين هيكل فى بناء الصرح الكبير ، ورأس قسم الاخبار وهو المنصب التالي في الأهمية بعد رئيس التحرير ، ومركز الثقل فى الصحيفة ، وصانع انتصاراتها وتفوقها على غيرها من الصحف . عرفنا الصغير هشام ممدوح طه على اخوته من زوجة والده الأولى التى كانت قد توفت .
أشرف الأخ الأكبر الذي اصبح فيما بعد ضابط شرطة وأخوته البنات ايناس وأمنية اللذان انضما بعد تخرجهما لجريدة الأهرام ، كما اصبح هشام من أفضل المترجمين ومحررا بالقسم الخارجي وبوابة الأهرام .
لكن الأمور لم تسر بينهما كما كنا نتوقع ، ليس لفارق السن بل لخلاف حول قضايا محورية في السياسة العامة وحول النضال من أجل العدالة الاجتماعية والتفاوت بين الأثرياء والمحرومين إلى جانب انشغالها بعملها الأكاديمي ، وممدوح طه مهموماً بعمله كرئيس لقسم الاخبار ، وانتهت حياتهما الزوجية بالطلاق بعد أن التقي بها بثمان سنوات ، عندما تخرجت فى الدفعة الثالثة من قسم صحافة عام 1960 ، وعملت بقسم الاخبار .
***
عواطف ابنة عمدة قرية الزرابي بمركز ابوتيج محافظة أسيوط ، نابغة منذ الصغر ، فقد حصلت على المركز الأول على مستوي الجمهورية في التعليم الابتدائي ، ثمن انتقلت للتعليم الإعدادي بمدينة أسيوط فتحصل ايضا على المركز الأول على الجمهورية ، ولعدم توفر تعليم ثانوي فى وقتها بالصعيد ، انتقلت للقاهرة للدراسة لتحصد بعدها على المركز الأول على مستوى القاهرة ، مما أهلها للدراسة بقسم الصحافة بكلية الآداب لتتخرج بتفوق عام 1960 ليرشحها أستاذها خليل صابات للعمل كصحفية فى القسم السياسي بجريدة الأهرام ، فتفوقت وأجرت اكثر من مائة وخمسين حواراً مع العديد من السفراء والسياسيين ، وحصلت على الماجستير فى رسالة عن صحافة الثورة الجزائرية ، لتحصل بعدها على الدكتوراة عام 1975 .
جابت عواطف الدول الأفريقية ، منه زيمبابوي وجنوب إفريقيا لأيمانها بأن فى قارة أفريقيا العديد من الحضارات المستمرة ، وتعتبرها قارة المستقبل .
نجحت في إنتاج عشرات الكتب العلمية ، فقفز رصيدها 37 كتاباً ، مما أهّلها للحصول على جائزة مانديلا في التحررالوطني وجائزة العويس للعلوم الاجتماعية والمستقبلية ، وجائزة البحرين للمرأة والطفل ، وجائزة الدولة للتفوق العلمي عام 1999،
***
كانت عواطف عبد الرحمن منذ كانت طالبةً بالجامعة مهتمة بالقضايا السياسية والنضال من من أجل حياة كريمة وعادلة للفقراء ، وطنية حتى النخاع ، واشتهرت بمواقفها السياسية المعارضة للحكومة ، في عهد السادات ، واعتقلت ضمن أحداث سبتمبر ” أيلول ” 1981 فى عهد الرئيس السادات مع د. لطيفة الزيات وأمينة رشيد،و صافيناز كاظم ضمن مجموعة شملت 1536 بسبب اعتراضها على معاهدة الصلح مع إسرائيل ، وكتاباتها المهاجمة لاتفاقية السلام مع إسرائيل ، ومكثوا فى السجن مائة يوم إلى أن أغتيل السادات ، ورفضت استلام جائزة كالوتنيا الدولية بأسبانيا بسبب اقتسامها مع عالم اسرائيلي . كرست حياتها للدفاع عن حقوق الفلسطينيين في أقامة دولتهم ، والأفارقة في الحرية والاستقلال ، إلى جانب الدفاع عن حقوق المرأة وأهل الصعيد .. وهي تتنبأ بتفكك الولايات المتحدة الأمريكي ، وانهيار المشروع الصهيوني وقيام الدولة الفلسطينية عام 2025 .
***
فى عصر الرئيس مبارك منعت من السفر لمدة خمسة أعوام ، وحرمت من المشاركة في المؤتمر الدولي للإعلام ، ومن الحصول على منصب العمادة بكلية الإعلام لمعارضة أجهزة الآمن ، عوضها عن هذا علاقتها بطلابها ، وهى كاستاذة علام محبوبة ، تلعب دور الأم الحنونة مع تلاميذها ، فتتواصل معهم بعد تخرجهم ، وتلتقي بهم في مناسبات مختلفة وتفرح وتسعد بما حققوه فى العمل الصحافي والإعلامي . ورغم أنها فى الخامسة والثمانون من العمر فهى مازالت معطاءة وتشارك فى المجال الأعلامي و الهيئات ومراكز البحوث ، تلاميذها اوفياء ومدنين لها بالكثير ، إنسانيا وعلمياً ، فقد تعلموا منها المبادئ الكريمة في حب الوطن والانتماء اليه ، والقيم الإنسانيّة النبيلة في دعم ومشاركة الآخر في المجتمع الذي يعيش فيه ، وطلابها يشعرون بالاعتزاز والفخر والأمتنان لهذة المعلمة الجليلة والأم الحنونة .
مجلة 24 ساعة