من أقوال العرب المتعارفة وصلنا أنَّ “ كل فتاة بأبيها معجبة “، فهو لها مصدر الأمان، والقوة.
و”البنت سر أبيها” فهن يُستأنسُ بهن، للطف حديثهن، ولين عريكتهن،وهن الغاليات في القدر،والتقدير، والمنزلة
وإذا كانت الأمم “رمز الحنان”، فالأب الوحيد الذي يستطيع حمايتها من مخاطر الحياة.
فتاتان مَرَّتا في حياتي، كانتا رمز الوفاء، والتقدير، وفعلاً سر أبيهما.
في لندن، إلتقيت صفية مصطفى أمين، أتت بصحبة والدتها، الى عاصمة الضباب، لتكمل دراستها العليا، في إحدى الجامعات البريطانية المعروفة. كان والدها مرمياً في غياهب السجن ظلماً.
وصفية ، التي سميت تيمناً بأم المصريين صفية زغلول، دفعها أعجابها ، واعتزازها بأبيها، وبعمها علي أمين،الى إقتفاء خطاهما في عالم الحرف والحبروالورق و… المتاعب.
أخبرتني، أنها عندما فاتحت والدها برغبتها في العمل الصحافي، بادرها بحسم:
” لأنك إبنتي، تبدأين من أول السلم، عاملة مصعد ، ثم تتدرجين“.
وكما الأب فعلت البنت، هو اشتهر بعاموده اليومي “فكرة ” ، وليوم صفية مصطفى امين، تمتعنا بعامودها الاسبوعي “فكرتي” في “اخبار اليوم” .
اما الثانية، فكانت الدكتورة دينا أبوزيد ، ابنة الدتور فاروق أبو زيد، الذي سار ذكره كل مسير،وذهب سِمْعَهُ في الناس كواحد من أبرز اساتذة الصحافة في العالم العربي، سفح عمراً في الكتابة، وتدريس أصول مهنة الصحافة، وفن الكتابة، وكيفية التعامل مع المصادر ، وتدبر المعلومة، بالفهم، والتقصي، والتعليل، والتحليل،قبل تقديمها للقارىء، والمواظبة اليومية على قراءة الصحف بما فيها الصحف المعارضة، وعَلَّمَ تلاميذه، ومريديه، على أن ويكونوا منفتحين على كل الآراء،وقبول الفكرالآخر، المتعارض مع تفكيرهم.
فى عام 2004 دعاني أنس الفقي، رئيس مجلس إدارة “المجموعة الثقافية المصرية”، للمشاركة في إصدار موسوعة الاعلام في مصر. كان الدكتور فاروق أبوزيد ، يرأس تحرير تلك الموسوعة،تعاونهالدكتورة ليلى عبد المجيد ، ومثل وزارة الإعلام فى جلسات العمل الدكتور مصطفى حجاج مستشار وزير الإعلام .
وتعددت لقاءاتي بالدكتور أبو زيد، وهب الله له لساناً طلقاً، حلو الحديث، لا يستبد برأي ولا يستقل بخطة، يشاور، ويتشاور، كلامه ينزل دائماً في صواب الأمور وسدادها.
اما دينا فاروق أبو زيد، فكانت معرفتي بها، يوم ترأست في “جامعة عين شمس”، لجنة مناقشةرسالة دكتوراة قدمتها ابنتي شيرين، وكان موضوعها ، صورة المرأة في إعلانات القنوات التلفزیونیة المصریة وانعكاسھا على صورة الذات لطالبات الجامعة.
سارت الدكتورة دينا على خطي أبيها، من مذيعة بالتليفزيون المصري، إلى مدير المركز الإعلامي في“جامعة عين شمس “، إلى رئيساً لمجلس قسم علوم الاتصال والإعلام في كلية آداب “عين شمس“ فالعمل خبيرا في منظمة اليونسكو العالمية , ثم منصب وكيل كلية الإعلام بالجامعة ثم عميد كلية الإعلام في “جامعة 6 أكتوبر“ .
***
يعتبر الدكتور فاروق ابو زيد من الجيل الأول، الذي درس أصول مهنة الصحافة،وأبلى بها،وتفوق،لسرعة حفظه وثبات حافظته، قبل تأسيس كلية الإعلام في “جامعة القاهرة. جمع وهو في ريعان الشباب بين العمل الصحفى، والدراسة الأكاديمية. وحدث أن تم اختياره ، ضمن مجموعة الأوائل فى قسم الصحافة، للتدريب في المهنة، فتنقل بين الجرائد والمجلات القومية، سديدة كانت ريشته، جريء في كتاباته، طبقة نثره لا تجد في الصحافة من يبلغها بسهولة. بعد تخرجه عمل فى مجلة ، “الإذاعة والتليفزيون“، وكان يعشقها كثيرًا فعمل فيها فترة طويلة، ولم يكتف بالمجال الفنى، فحسب، إنما كتب فى السياسة. وتخصص علميا فى حقل تاريخ الصحافة المصرية، الذييعد أحد أقدم حقول البحث العلمى فى مجال الصحافة، إذ حصل على درجة الماجستير فى أوائل السبعينيات من القرن العشرين من كلية الآداب “جامعة القاهرة “عن موضوع عنوانه “الفكر الليبرالى فى الصحافة المصرية 1828 ـ 1881“، ثم استكمل الموضوع نفسه في رسالة الدكتوراه عام 1975 من كلية الإعلام عن موضوع عنوانه “الفكر الليبرالى فى الصحافة المصرية 1882 ـ 1924“.
إنكب الدكتور فاروق أبو زيد على الكتابة، شق قلمه المشي في عدد كبير من المقالات، الأبحاث،والمؤلفات التى أثرت المكتبتين المصرية والعربية.
إنتاجه العلمى اتسع ليشمل جوانب متعددة فى مجال الصحافة والإعلام، كما أنه أشرف على كثيرين من الطلاب فى مرحلتى الماجستير والدكتوراه، وناقش عشرات الرسائل العلمية.
ذكرت الدكتورة دينا، أن والدها عندما كان يشعر، بالقيود، تفرض على الصحافة، وتكم الأفواه،وتقمع الحريات،كان يتجه إلى العمل البحثى، حيث لا قيود، ولا تضييقو… قمع.
وتخبر الدكتورة دينا عن أبيها:
“فى عام ١٩٦٤ تحدث عن رواتب خريجى الجامعات وقارنها برواتب فئات أخرى بالدولة، وكاد يسجن بسبب ذلك، فقضى تلك الفترة فى المنزل، ولم يحب أن يضيع وقته هدرًا، لذا التحق بالماجستير ثم حصل على الدكتوراه، وقام بأبحاث كثيرة ودراسات علمية.
وهذا أفاده كثيرًا حينما قرر الاتجاه إلى العمل الأكاديمى الذى شعر فيه بحرية كبيرة، وعوضه عن كل ما تعرض له بسبب من كتاباته السياسية، ثم تم تعيينه فى جامعة القاهرة، ورغم أنه كان عضوًا فى نقابة الصحفيين لم يحاول الرجوع للعمل الصحفى، لأنه وجد ذاته فى العمل الأكاديمى.
إلا أن ولعه القديم بالصحافة، منعه عن الابتعاد، فعمل فى جريدة “صوت الجامعة“، التى تصدرها كلية الإعلام في “جامعة القاهرة“، وكانت الموضوعات تنشر فى الفترة التى تقلد فيها رئاسة قسم الصحافة ومنصب عميد الجامعة جادة ومميزة، ولم يقل مستوى الصحيفة وقتها عن الصحف التى تصدر فى الأسواق، بل كانت تجذب انتباه القراء، وفى خارج الجامعة كان يطلب منى البعض نسخًا لقراءتها. فقد كانت الموضوعات تهم كل قارئ، وكان والدى يقدمها بشكل احترافى“.
ترك الدكتور فاروق أبو زيد على أرفف المكتبات 25 كتاباً ، ومن أشهرها:
“ الصحافة وقضايا الفكر الحر فى مصر“، “أزمة الديمقراطية فى الصحافة المصرية“، “أزمة الفكر القومى فى الصحافة المصرية“، “عصر التنوير الصحفي“، “فن الخبر الصحفي“،“ فن الكتابة الصحفية“، “الصحافة العربية المهاجرة“، “الصحافة المتخصصة“، “مدخل إلى علم الصحافة“، “النظم الصحفية فى الوطن العربي“، “انهيار النظام الإعلامى الدولي“، “الفكر الليبرالى فى الصحافة المصرية“،“ الكتابة للجريدة والمجلة“ ..
في كتاب “الإعلام والسلطة“، قال فيه إن مصر تمزج بين جميع الأنظمة، حيث أخذت من النظام الاشتراكى، والشيوعى، والرأسمالى، والنظام التابع للمسؤولية الاجتماعية، وتحدث فيه عن العلاقة بين الإعلام والرئيس والنظام السياسى، وبعض نماذج وسائل الإعلام .
تولي رئاسة قسم الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، ثم عمادة الكلية لمدة ست سنوات خلال الفترة الممتدة بين 1994 وم، افتتح خلالها المبنى الجديد لكلية الإعلام، كما شهدت الكلية خلال تلك السنوات العديد من الأنشطة الطلابية والفعاليات العلمية التى شارك فيها نخبة من الرموز المصرية والعربية والأجنبية، واختير عضوا فى المجلس الأعلى للصحافة لسنوات عديدة، أشرف خلالها على إعداد تقارير الممارسة الصحفية والتى كانت تصدر دوريا بمشاركة مجموعة من تلاميذه خلال الفترة من 1998 إلى ، كما اختير عضوا بالمجلس القومى للمرأة والمجالس القومية المتخصصة.
***
كان فاروق أبو زيد يؤمن جدا بالشباب ويشجعهم، وكان يؤمن بهم وبقدراتهم ، ويشاركهم فى أبحاث علمية ،على الرغم من فارق السن والخبرة ، فقد شارك مجموعة منهم فى مشروع ضخم نتج عنه “الإعلاميون والانتخابات.. مدونة مهنية وأخلاقية”، نشرته مؤسسة الأهرام بالتعاون مع المكتب الإقليمى لمؤسسة“ فريدريش ناومان من أجل الحري“ة. وصدر الدليل الإرشادى للصحفيين والإعلاميين عن “مؤسسة الأهرام“ بالتعاون مع“ مؤسسة فريدريش ناومان” أيضاً.
كان مدمنا على العمل، عاشقاً للصحافة ، فى أيامه الأخيرة ، كان يجلس الى طاولة مكتبه ساعات طوال منكباً، على البحث، والتنقيب، والتقميش ، حول إعلام ما قبل ثورة 2011 ،موضوع كتاب كان يود نشره، فداهمه الألم ، واشتد المرض عليه، ولم يمهله الموت، فلم يكتمل الكتاب.
فاروق أبو زيد كان مفخرة من مفاخر أساتذة الإعلام عندنا.
مجلة 24 ساعة