
باحث وكاتب
وهكذا، إذ يدرس برنارد شو على هذا النحو، وفي القسم الأول من كتابه هذا، الاشتراكية، محدداً ضرورتها محللاً نواقصها، وعلاقتها بالتربية وبشتى ضروب النشاطات الاجتماعية، ينتقل في القسم التالي إلى الرأسمالية، وإلى الآثار التي تخلفها في البشرية، مركزاً – في تحليل شديد العمق – على مساوئها، من دون أن تفوته حسناتها، التي يفيدنا على أية حال بأنها قليلة جداً. وإذ ينكب شو هنا على تحليل الرأسمالية هذه، بشتى أنواعها ونزعاتها، نراه يركز حديثه على بعض أبرز سيئات هذا النظام الاجتماعي، الذي يراه مخلوقاً ضد الطبيعة ولمصلحة عدد محدود من الناس: إن الرأسمالية بالنسبة إلى كاتبنا نظام غاياته فردية، إذاً، وهو يسير ضد المصلحة العامة، إضافة إلى أنه – انطلاقاً من هذا – يقسم المجتمع إلى طبقتين رئيستين: طبقة تعمل وتنتج، وطبقة ثانية لا تعمل، لكنها تتمتع بكل الخيرات التي ينتجها عمل الطبقة الأولى التي بالكاد تنال ثواباً مادياً، أو حتى معنوياً، إزاء كل ما تنتجه.
دور المرأة
وفي معرض هذا التحليل، الذي لم يكتبه شو أصلاً للخبراء والاختصاصيين، بل للناس العاديين، يركز الكاتب في فصل شديد الذكاء والوضوح على دور المرأة في هذا كله، وعلى وضعيتها تجاه المجتمع والعمل – وهو التحليل الذي يبرر كون شو أصلاً قد جعل كتابه “دليلاً برسم المرأة الذكية”، غير أنه في الوقت نفسه، وإذ يتجاوز هذه المسألة من بعيد، نراه يدنو من بعض المشكلات والأمور التي كانت شديدة الراهنية في زمنه، مثل المضاربات العقارية والمالية، وقضية تأميم البنوك وشركات التأميم والصناعات الكبيرة. والحال أن قضية التأميم هذه، سرعان ما تعيد شو، بعد دراسته المفصلة للرأسمالية، إلى الاشتراكية حيث يدرس هذه المرة العلاقة بين هذه الأخيرة وبين الحق الخاص. وفي هذا الإطار يوضح لنا شو كيف أن الأوهام اليوتوبية لا يمكن أن تخامره في شأن حقيقة الصعوبات التي تقف في وجه تطبيق الاشتراكية في صورة بناء. ونراه هنا يفيدنا بأن الصعوبة الأساسية تتأتى خصوصاً من النيات السيئة للأفراد، الذين لا شك تتمسك بهم مصالحهم الخاصة، إضافة إلى ضروب التردد التي تبديها الحكومات من دون فرض رقابة شاملة على مدخول كل فرد من الأفراد. وهكذا إذ يصل شو مرة أخرى، إلى موضعة نصه في بعده الأخلاقي والسياسي، يكشف هذا الكاتب كم أنه كان ذا وعي بالمشكلات الحقيقية التي تجابه تطبيق النظريات التي كان – هو، على أية حال – أول الداعين إليها. فالوضوح الذي يغمر نصه، في جزءيه، لا يضعنا في نهاية الأمر أمام استحالة ما، في تطبيق ما يدعو إليه، بل أمام صعوبات لا بد من تذليلها قبل الوصول إلى التطبيق المثالي. ومعظم هذه الصعوبات، كما رأينا، يرتبط بالتربية والأخلاق. ومن هنا تصبح المسألة، بالنسبة إلى شو، قضية متكاملة، تبدأ من المدرسة والعائلة والكنيسة لتصل إلى المجتمع ككل.
ولم يكن غريباً على جورج برنارد شو 1856 – 1950، أن يهتم بالعلاقة بين الأخلاق والسياسة والاقتصاد، هو الذي دنا من كل الفنون الكتابية، وكان منذ شبابه المبكر يعلن أنه معني بقضية الإنسان ومكانته في المجتمع أكثر مما هو معني بأي أمر آخر. وما مسرحيات شو ورواياته ونصوصه الأخرى، سوى دوران شيق حول هذه المواضيع نفسها. ومن هنا ما قاله كثر من أن هذا الكتاب إنما هو وصيته، أي إنه اختصر فيه، وكان حين وضعه في الـ74 من عمره، كل الأفكار الاجتماعية والأخلاقية وحتى السياسية التي كانت حملتها أعماله الأدبية الكبرى، سواء كانت مسرحية أو روائية أو مجرد نصوص فكرية أو حتى طرائف، مثل “أندرولكس والأسد” و”قيصر وكليوباترا” و”القومندان بربارا” و”العودة إلى ميتوشالح” أو “الأسلحة والإنسان” أو “رجل الأقدار” وغيرها من أعمال لم يفت جورج برنارد شو في عدد كبير منها أن يعلن عداءه للسياسة البريطانية، والاستعمارية والرأسمالية منها خصوصاً، مما جعله أحد كبار الوجوه الفكرية في القرن الـ20.
Independent News
مجلة 24 ساعة