مَثَل شائع كثيراً ما نسمعه ونُرَددِّه
:”- تِعرَف فُلان؟
– أعرفه. – عاشِرته؟
– لأ.
– يبقى ماتعرفوش!”
ومدلول هذا المثل مفهوم، فهو يتكلم عن أن العلاقات تنمو بالشركة والعِشرة، ولا تكفي مجرد المعرفة السطحية لكي تعرف أحدهم حقًّا.
لم أكن أعرف عن روبرت ماكسويل الكثير، رغم أني كدت أدخل معه فى شراكة ملغومة بالغموض، ظهرت وإختفت فجأة، مقامرة خطرة. حاول أحد أطراف اللعبة النأى بها عن قواعدها، ويذهب بها بإتجاه “المباراة الصفرية” لأحقق خسارة أضرت بي أكثر ما نفعت، وأفرزت تراجع فى مسيرتي بدلا من التقدم، كنت أسعي فيها للإنطلاق، في وقت كان التقرب من هذا الرجل حلم لكل من يعمل فى حقل الصحافة والإعلام، لرجل عصامي لا أعلم عنه غير أنه ولد فى تشيكوسلوفاكيا وكان إسمه الحقيقي بان لودفيج هوخ، وأنضم للجيش التشيكي عام ١٩٣٩، ثم رحل الى بريطانيا مع الإحتلال النازي، فانضم الى صفوف الجيش البريطاني، وحاز ميدالية الصليب العسكرية عام ١٩٤٥. وقد بدل إسمه عدة مرات إلى أن استقر فى العام نفسه على الإسم الاسكتلندي الحالي إيان روبرت ماكسويل، وعمل حينها مع الإستخبارات البريطانية، وترأس القسم الصحفي للقوات البريطانية المتمركزة فى المانيا على مدي عامين، وخلال فترة إقامته بالمانيا إلتقي بناشر ألماني كان تحت يده عدد ضخم من الوثائق والنشرات العلمية التى خلفها الحكم النازي. ولاحت أمام ماكسويل فرصة ذهبية للعمل فى مجال النشر العلمي فأسس عام ١٩٤٩ شركة برجامون برس، ونجح فى جعلها من أكبر دور النشر المتخصصة فى المطبوعات العلمية فكانت الشركة اللبنة الأساسية فى إمبراطوريته الصحفية والإعلامية التى ضمت عددًا كبيرا من الشركات القابضة والمؤسسات العائلية التي توزعت فى بريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا الشرقية وجبل طارق، وإمتلك حصصًا متفاوتة فى عدد كبير من الصحف فى ثلاث عشر دولة، وكان ماكسويل قد فشل مرتين أمام روبرت ميردوخ في السيطرة على الصحف المحلية حيث نجح الأخير في السيطرة على الصن ونيوز أوف ذي وورلد. وأخيرا حصل ماكسويل على فرصته ونجح في شراء مجموعة ميرور عام ١٩٨٤. ثم قام بشراء مجموعة ماكميلان الأمريكية ولكن ذلك أوقعه في دوامة الديون أكثر فأكثر. وفى السنوات الأخيرة من حياته، ومع المزيد من الإصدارات فى الصين والولايات المتحدة، ومع إهتماماته بأوروبا الشرقية وعلاقاته مع عدد من روؤساء الكتلة الشرقية أسس عام ١٩٩٠ بالتعاون مع مؤسسة ميريل لينش شركة للإستثمار فى أوروبا الشرقية برأسمال ٢٥٠ مليون دولار، وكان قد أسس قبلها بسنوات شركة إستثمار فى الصين بالشراكة مع وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر توقفت بعد أحداث ١٩٨٩. وضعت هذه الممتلكات الجديدة عبئًا كبيرًا من الديون على كاهل ماكسويل تجاوزت ثلاث مليارات جنيه إسترليني، مما دفعه لبيع بعض ممتلكاته.
****
بعد موقف “النذالة” من روبرت ماكسويل، وإختفاءه المفاجئ، وهم يروغ روغان الثعالب، وبعد أن قدمت الجهد وخبرة السنين هدية لمريدها، أصبحت أتفحص الوجوه لعلى أكتشف الحقيقة قبل أن يسقط القناع لوجوه من ورق تهوي بها الريح وتسقط الأقنعة وتتعرى الوجوه لذئاب مسعورة، وبدأت الأوراق تتساقط، وسقط معها الرجل ومعه هالته، فقد وقاره وهيبته وكرامته، وفقد خائب الرجاء قدرته على إصطياد فرائسه، اللهمَّ لا شماتة، ولا إبتهاج للموت فى إنسان أضر بي وأساء لي، وهو يسقط فى شر أعماله، وينال عقاب السماء، وحمدت الله إني أحنيت رأسي قليلًا كي لا أصاب بشظايا التآمر والمؤمرات التى صوبت نحوي، نحو هامة شجرة أثمرت فى بلاد الغربة.
****
لم أكن أستطيع عمل أى خطوة قانونية، أو التقدم بشكوي لأي جهة لما لحق بي من ضرر، الرجل أحجم الكثيرون عن إنتقاده حيث كان مستعدا لأخذ من يقدم على ذلك للمحاكم بسبب جيش المحامين الذي كانوا في خدمته. منذ أن كان نائبا عماليا أحيطت شكوك بمدى أمانته. الا أنه عام ١٩٩١ أعلن عن وضع مجموعته تحت الرقابة القانونية بعد أن شارفت على الإفلاس وبلغت ديونها ملياري جنيه إسترليني. ونجح فى إخفاء الكثير من الحقائق. لم يكن من الواضح مدى يأسه حتى كُشِّف النقاب عن إستيلائه على أموال معاشات موظفي المجموعة التي قدرت بنحو ٤٦٠ مليون جنيه إسترليني.
فى نفس الوقت الذى بدأت شركات ماكسويل تفقد بريقها التجاري والإعلامي وتتراجع أرباحها بشكل كبير وديونه تزداد، مما إضطره الى تفكيك الكثير من شركاته وبيع أصولها وإزداد وضعه المالى تدهورا وضاق عليه الخناق وأخذ يشعر أن إمبراطوريته على وشك الإنهيار، ولم يترك طريقا لإنقاذ نفسه إلا سلكها، لم يبق أمامه من طريق سوى اللجوء الى الموساد طلبا للمساعدة.. وهنا سقطت الأقنعة وإنكشف المستور. سقطت الأقنعة عن الوجوه الغادرة، وتأكدت إنه “ليس كل ما يلمع ذهبًا”، وعلمت أنه يعمل تحت غطاء إستخباري، فهو واحد ممن يعملون بجهد إستخباري مزيف تحت عنوان إقتصادي أو ثقافي أو علمي أو منظمات إنسانية أو إعلام وصحافة، أو بإنشاء مؤسسات إعلامية، أو منظمات مجتمع مدني أو ملتقيات فكرية ومراكز دراسات من أجل التأثير على الرأي العام المحلي، أو بهدف التحريض على النظام الحاكم وإضعاف سلطته ونظامه، أو بهدف رفع دراسات مجتمعية وسياسية بغرض إعداد تقدير موقف يرصد نبض الشارع المحلي تجاه قضايا محددة.
بلغت علاقة ماكسويل بالموساد ذروتها في فترة الثمانينات من القرن الماضى. قال عنه إسحاق شامير ”إن ما قدمه ماكسويل لإسرائيل يفوق ما قدمه أى إنسان آخر على وجه الأرض”. إستطاع ماكسويل ان يحشّد قوى غربية عديدة من أجل دولة الإحتلال الصهيونى التى يقدمها عبر ما يمتلكه من وسائل إعلام كبيرة ومتعددة على أنها واحة الديمقراطية وسط صحراء الشرق الأوسط الواسعة، وتستحق كل الدعم والمساندة.. ومن أهم وأعقد الخدمات التى قدمها، تسويق برنامج يُسمى “بروميس” التى حصلت عليه اسرائيل من شركة أوسلو الأمريكية التى أنتجته وطورّته بزرع شريحة متناهية الصغر فى البرنامج. ويستطيع ضابط الموساد إقتفاء أثر أى معلومات والتنصت على أى مكان فى العالم وهو جالس على مكتبه، بخبراته التجارية وعلاقاته العالمية المتشعبة. كما أن أجهزة مخابرات عديدة فى أوروبا وأمريكا اللاتينية مثل تشيلى وبلغاريا والأرجنتين قامت بشراء برنامج “بروميس” من ماكسويل وكذلك الصين التى دفعت ٩ ملايين دولار قبضها ماكسويل الذى إستطاع إقناع المسؤولين الصينيين بأهميته. وهكذا إستطاع الموساد الإسرائيلى إختراق أكثر النظم السياسية والعسكرية سرية فى العالم. وإشترته إحدى الدول العربية ب ١٥ مليون جنيه إسترلينى وهو نفس البرنامج الذى إشترته الصين ب ٩ ملايين دولار بعد أن أقنع ماكسويل المسؤولين فى هذه الدولة أن البرنامج يتكيف مع اللغة العربية.. وتبعتها الكثير من الدول العربية من باب تطوير العمل فى مؤسساتها. وهكذا كانت كل المعلومات الخاصة بمؤسسات وأجهزة مخابرات الدول العربية مكشوفة لدى ضباط الموساد الإسرائيلى.
قدم ماكسويل الكثير من الخدمات لإسرائيل ومن أهمها هجرة اليهود السوفييت الى إسرائيل، حيث إستطاع إقناع قادة الكرملين بفتح الأبواب أمام مئات الآلاف من اليهود السوفييت للهجرة إلى إسرائيل… وهو ما تم بالفعل بعد ذلك بوقت قصير. وقد تمت العملية كما خطط لها ماكسويل بالرغم من وجود إعتراضات عربية وتدخل الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات أكثر من مرة محاولا منع أو الحد من هذه الهجرة موضحا لقادة الكرملين أن إسرائيل تقوم بتوطين اليهود السوفييت المهاجرين اليها فى الأراضى الفلسطينية المحتلة مما يخلق حقائق ديموغرافية جديدة. قام بدور الوسيط الذى إستعانت به الموساد فى دفع البيت الأبيض للتورط فى صفقات الأسلحة الى إيران مقابل إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين المحتجزين فى لبنان والتى عُرفت بعد ذلك باسم “إيران جيت”. هكذا قدم ماكسويل لإسرائيل ما لم يقدمه أى شخص آخر على وجه الأرض، قدم كل شئ حتى شعرت إسرائيل أنه لم يعد لديه شئ آخر يمكن أن يقدمه، فقررت أن تقتله لأنه أصبح عبئا على جهاز الموساد الإسرائيلي بما يعرفه من أسرار عمل هذا الجهاز وعلاقاته بالخارج.
لم يستطع ماكسويل إخفاء دوره كجاسوس إسرائيلي عندما ضاقت الدنيا، وأراد أن يضع حد لمشاكله، فقد كان ماكسويل يدخر أصدقاءه الإسرائيليين لمثل هذا اليوم. ديونه تتراكم والأزمة المالية تطبق على أنفاسه. زعماء إسرائيل شامير وبيريز وأولمرت وهيرتزوغ، كلهم يتهربون منه. وإتصل برئيس القسم المالى للموساد بعد أن تجاهله شبتاى شافيت رئيس الموساد ولم يرد على التليفون … فأخذ يستنجد بهم ويذكرهم بالخدمات التى قدمها للموساد، ويطلب منهم أن يساعدوه فى الخروج من أزماته المالية، والرد دائما “إن الموساد لا يستطيع ان يفعل ذلك” الأمر الذى أثار غضبه وحنقه ودفعه للتهديد بالإنتقام بإفشاء كل الأسرار …ليس فقط الخدمات التى أداها بل كانت لديه معلومات حول صفقات إسرائيل وتعاملاتها السرية مع الدول. لذلك عندما بدأ التهديد بالإنتقام كانت اسرائيل فى الوقت نفسه قد قررت التخلص منه. وقد إختلفت الآراء حول موته إن كان حادثا عرضيا وقع له وهو على يخته فى جزر الكنارى أو إنه إنتحر نتيجة إفلاسه وتخلى اسرائيل عنه، أو قتله الموساد وهذا ما ذهب إليه ورجحه كل من جوردون توماس ومارتن ديلون فى كتابهما (روبرت ماكسويل.. جاسوس اسرائيل الكبير) اللذان أكدا من خلال مقابلات مع ضباط سابقين بالموساد ورؤساء منهم ديفيد كيمحى وضباط مخابرات بريطانيين وأمريكيين وبلغار أن ماكسويل قتله ضباط للموساد تسللوا الى يخته تحت جنح الظلام وحقنوا عنقه بحقنة مليئة بمركّب أعصاب مميت ثم ألقوا بجثته في البحر…
يذكر الكتاب أيضا إن ماكسويل لم ينتبه الى الخطر حيث إتصل به الموساد فى تلك الليلة واعداً إياه أن يتسلم طردا صغيرا فيه شيك بالمبلغ الذى يحتاجه بشكل سري على اليخت قبيل الفجر في تلك الليلة من شهر نوفمبر “تشرين ثان” ١٩٩١… ويذكر مؤلفا الكتاب أن علاقته مع اسرائيل ساءت عندما لم تجد طلباته المتكررة للموساد باستخدام نفوذهم مع البنوك الإسرائيلية لترتيب قروض لتلبية طلبات دائنيه آذانا صاغية… هذه نهاية إمبراطور المال والإعلام اليهودى الصهيونى الذى خدم الموساد حتى آخر لحظة من حياته … وأمثاله كثيرون من الجواسيس الذين خدموا الكيان وتُركوا لمصيرهم أو قَتَلهم الموساد أو ساعد فى التخلص منهم … والأحمق من لم يتعظ بغيره.!!
لم يختفى الرجل فقط من المشروع الذي داعبني به بل إختفي تماما من الحياة..
مجلة 24 ساعة