الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (23)
إبن«حَلَوَنْجي» هَززَّ العرب!   (2/3)
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (23)
إبن«حَلَوَنْجي» هَززَّ العرب!   (2/3)

فتح رشاد البيبي، مدير قسم الأحاديث بإذاعة الشرق الأدني، الأوراق و ركز نظره فيها وانغمس في قراءتها بتأنٍ ظاهر, ولم يرفع عينيه إلا عندما أتى على الأوراق الثلاث, ترك إبتسامة الرضا تتمدد على شفتيه, وقال بنبرة نشوانة:

” إنها قصة ممتازة, فكرتها جديدة, العبارة فيها في مكانها الصحيح, واللغة سليمة”.

وبذكاء حاد, رد سليم اللوزي, بعدما أدرك أنه إستمال البيبي, وأصبح بين يديه:

“يا أستاذ رشاد… ليس المهم القصة, بل الشخص الذي يتذوق فكرتها, وكل حرف فيها”.

وعرف رشاد البيبي أنه ليس أمام شاب سهل, فرد المجاملة بأحلى منها, فقال موجهاً كلامه الى عبد الرحمن العمري:

“صاحبك يا سيدي… “كلمنجي” نمرة واحد”.

و”الكلمنجي”, في لغة ذلك العصر, هو الرجل الحاضر البديهة. فرقعت ضحكة عبدالرحمن العمري, إهتز لها المقهى.

إقترح رشاد البيبي على سليم اللوزي أن يمر عليه في مكتبه في مبنى “إذاعة الشرق الأدنى”, فهو يريد أن يقدمه الى محمد الغصين, مدير القسم العربي في الإذاعة, ويعرّفه على المدير الإنجليزي مارسيل شمس الدين, الذي كان أشهر إسلامه.

كان ذلك في أول أيام سنة 1944.

***

كانت “إذاعة الشرق الأدنى” تابعة لوزارة الخارجية البريطانية, وكان مقرها “جنين” حيث القيادة البريطانية, فنقلت الى “يافا” سنة 1941, وظلت تبث منها حتى سنة 1957.

في البدء, كان الهدف من تلك الإذاعة هو التصدي والرد على “البروباجندا” النازية, التي كان يقف خلفها بول جوزف جوبلز وزير الدعاية, المقرب من الفوهرر أدولف هتلر, فأصبحت من أهم الإذاعات المسموعة في الشرق الأدنى والخليج العربي.

عندما دخل سليم اللوزي مبنى الإذاعة, لم يكن يعرف ما أعد له رشاد البيبي ودبَّرَ, إلا أنه صمم على أن يقبل أي عمل قد يعرض عليه.

ما أن دخل المكتب, حتى إنتصب رشاد البيبي واقفاً, رفع أوراقاً مطبوعة على الآلة الكاتبة, وطلب من سليم مرافقته الى مكتب محمد الغصين. وعرف سليم أن تلك الأوراق كانت قصته القصيرة التي أبدى له الغصين إعجابه بها, لدرجة أنه وافق على بثها. ثم أبلغه أنه يرغب في تعيينه عضواً في “لجنة الأحاديث”, ولم يدر في خلد سليم, أن “زيارة التعارف”, كما سماها رشاد البيبي, ستنتهي بتوظيفه في الإذاعة.

لم يكتفِ سليم اللوزي بكتابة الأحاديث ومراجعتها ومراقبتها قبل البث, بل أخذ ينمي موهبته في كتابة التمثيليات الإذاعية التي أعجب بها صبحي أبو لغد, مدير البرامج” في الإذاعة, وبدأ بث العديد مما كان سليم يكتبه, وفي أولها ونهايتها يذاع إسم كاتبها: سليم اللوزي.

ما كان يهم سليم, هو أن يسمع والده “الحِلْوَنْجي” إسمه, فيتشاوف به ويفتخر أمام الناس. فما ينفع أن يسمع إسمه ملايين العرب, في طول وعرض المنفسح العربي, الذين يواظبون على الإستماع الى الإذاعة, إذا لم يسمعه والده ووالدته ثم رفاقه في قهوة “التل العليا” في طرابلس, فيدركون أن إبن “الحلونجي” أصبح نجماً, ومن أقوى الشخصيات في “إذاعة الشرق الأدنى”.

وكان سليم اللوزي وهو يعمل في الإذاعة يراسل مجلة “روز اليوسف”, وأول رسالة له الى شيخة المجلات العربية كانت من القدس سنة 1946, وكانت حملت العنوان الآتي: “طفل فلسطين بين الهرب والأسر”.

وتتابعت الرسائل والتحقيقات والمقابلات, وكانت كلها تنشر وينوه بها.

وأخذ سليم اللوزي يشعر بأن “الصحافة”، وليس “الميكروفون”، هي ما يرتاح إليه ويرغب به ويريده. فعاوده الشعور بأن الإذاعة, على أهميتها وأنها السبب في إنتشار إسمه, باتت تقيِّدُ موهبته, وتضيق به وبطموحه. فقدّم إستقالته بعد ثلاث سنوات, وركب أول باخرة مُبحرة من “يافا” الى “بور سعيد”, قاصداً المحروسة.

***

في المحروسة, لم يكن يعرف إلا “روز اليوسف”, فكان ما كان بينه وبين الست روز, أتينا عليه في ما سبق.

ظل سليم اللوزي ملازماً الست, ومحط ثقتها وتقديرها, سكرتيراً للتحرير سنوات خمس. فما كان يؤلمه وينغص عليه, أن إسمه لم يكتب مرة في قائمة الأسماء في المجلة, على الرغم من أنه كان “دينامو” المجلة, كما سمته الست روز نفسها, وكما كتب إبنها إحسان عبد القدوس في مذكراته, والسبب في ذلك الاجحاف, أنها كانت تحب أن ينسب هذا الجهد الصحفي المضني الى إبنها, وإبنها فقط, حتى لو كانت غير مقتنعة.

هكذا شاءت الست روز وأرادت, ومتى أرادت الست شيئاً كان.

وفي منزل الست روز, تعرف على عطيات محمد إبراهيم, صديقة آمال إبنة الست روز من زواجها الثاني من الممثل والمخرج والناقد زكي طليمات, وبعد اللقاء حب وزواج وبنت سماها “اسما”, ثم طلاق بعد سنة واحدة من الزواج.

بين الكثيرين الذين عرفهم سليم اللوزي, خلال عمله في روز اليوسف”, كان الضابط أنور السادات, الذي كان يزوّد إحسان عبد القدوس بالمعلومات عن أوضاع الجيش المصري, ويكشف له كل خبيئة في الثكن والدواوين.

ولما فرّ أنور السادات من السجن العسكري, إختبأ في غرفة سليم على سطوح بناية تقع في “شارع محمد توفيق” في “باب اللوق” و على مقربة من “شارع عدلي” ومقهى “جروبي” المعروف ملتقى الأدباء والمفكرين.

ظل أنور السادات مختبئاً عنده فترة طويلة. في الليالي كان سليم اللوزي ينسج الكلام بينه وبين الضابط الفار, وتنزل قضايا السياسة ومشاكل البلاد بين القصر والحكومة, والأحزاب والبرلمان,  و… الضباط الذين باتوا يراقبون على مضض ما يجري ويدور.

كان الحس الصحفي يلّح على سليم, فيروح بما أوتي من حنكة وتدبر, يجرّ أنور  السادات للبوح أكثر حول المؤسسة العسكرية, وشؤونها وشجونها, وعرف منه، في ذات ليلة, مسألة “الأسلحة الفاسدة”.

فما كان من سليم اللوزي, إلا أن أسرَّ بتلك المعلومات الى إحسان عبدالقدوس, وأبلغه أنه سيبدأ بكتابة سلسلة من المقالات حول هذه القضية الخطيرة, وباشر بالفعل الكتابة.

إستشعر إحسان عبدالقدوس أهمية وخطورة ما أبلغه به سليم, وأن كاتبه سيحقق سبقاً صحفياً سيبقى على مر الزمان, وسيُذكر كل مرة كان فيها كلام عن فساد الملكية…

في اليوم التالي, إستدعى سليم, وأبلغه أنه هو الذي سيكتب عن قضية “الأسلحة الفاسدة”, وسأله رأيه.

ولم يجب سليم عن السؤال, وفهم إحسان الجواب.

ويصدر العدد 1142  في مايو (أيار) 1950, وفيه مقال  عنوانه:” نوم العوافي” وقّعه سليم اللوزي, وهاجم فيه مصطفى النحاس باشا, هاهنا بضع ما كتبه:

“(…) وتحس المدينة ان النحاس باشا لا يريد ان يصحو من النوم, وأن الحوادث, كلما شدّت من فوقه اللحاف وأزاحت الناموسية, عاد ورفعه ومدّ اللحاف على جسمه, واسدل الناموسية, وأحكم إغلاق الشيش.

وقد لا يكون النحاس باشا نائماً تماماً, ولكنه يخشى ان يصحو, وعندما يصحو النحاس باشا, سيجد ان المشروع الوحيد الذي حققته وزارته هو إعادة الاستثناء, وصرف الفروقات, وفتح البورصة للمضاربين بين الوفديين.

أما القضية الوطنية فلم تُبَهْدَل, مثلما بُهْدِلت هذه الايام.

أما الغلاء, فلا يزال متمتعاً بالصحة والعافية.

أما المشاريع العامة فلا شيء.

وبعد ذلك, من الأفضل للنحاس باشا أن يظل نائماً”.

أقام هذا المقال الدنيا في المحروسة, ولم يقعدها. وكان له من الدوي, إهتز له “الوفد” ومعه الحكومة, وإنهالت الإتصالات على المجلة من وجوه القوم, والمقامات السياسية.

في اليوم التالي أصدر فؤاد سراج الدين, وكان وزيراً للداخلية, بإيعاز من مصطفى النحاس باشا, قراراً بترحيل سليم اللوزي من القاهرة خلال 48 ساعة. فاللوزي, لبناني الجنسية, وبالتالي لا يحق له التعرض وتوجيه إنتقاد الى رئيس حكومة مصر.

وودّع مصر التي أحب, وغار عليها وعلى ناسها, وأعطاهم كل ذاته. وما كان مقاله الأخير في المجلة, التي أعطته الكثير وأعطاها أكثر من جهده, وحبر قلمه, إلا الشاهد على مشاعره تجاه مصر وناسها.

و… عاد الى بيروت.

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

اللَّتّ والعجن الإعلامي !

  فجأة..وبعد فترة هدوء، واستراحة إعلامية..أثير مرة أخرى، موضوع قضايا التمييز ضد المرأة ، فنشطت …