الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الأولى (3)
ثرثرة فوق أرصفة بيروت!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الأولى (3)
ثرثرة فوق أرصفة بيروت!

 تركت أم عدنان طبَّارة على شفتيها الدقيقتين إبتسامة متكلفة, وجدت أنَّها ضرورية عند إستقبالها الضيوف.

قصيرة ُالقامةِ, ترامَى بِها العُمْرُ, و لمَّ تَزَلْ تَتَحرَّشُ بالكمال, جسد نحيف, مسكوبٌ سبكاً , عينان سوداوان واسعتان, مستعصيتانِ عن الوصفِ, يَندَلِقُ منهما نورٌ غريبٌ, يرسمهما كِحْلٌ أسود, يدور فوق الجفنين, وراءهما معنى إمرأة منعَّمة, حاجبان كأنَّهما خُطَّا بقلم فحم, تلفُّ شعرها, الذي تطلُّ منهُ خصلات بيضاء, جدائل تجمعها في قرص رأسها, في فمها يدور لسانٌ يُبَيِّنُ منه عقل وافرٌ و جواب حاضر.

أومأت, جلست, مدّت بَصَرها تملأ عينيها من وجهي, و تُرسلان الأسئلة القصيرة, أرضيت فضولها, و أبديتُ إعجابي بالشقة الوسيعة في بنايتها المعروضة للإيجار, و كانت تتألف من  غرفتي نوم و ردهة إستقبال, و غرفة طعام,      و مطبخ حديث, و مستلزمات أخرى, ثم رغبتي بالسكن فيها مع عائلتي طوال مدة بقائي في لبنان. كان فنجان القهوة, يرقص رقصاً بين أصابع أم عدنان الرفيعة, و هي توافق, و تسحب من ملف أمامها “عقد الإيجار”.

و بناية أم عدنان طبَّارة, في شارع “مدام كوري” في منطقة “قريطم”. المنطقة التى عُرفت منذ زمن انها مسكناً للأجانب, فقد أسست فيها “بعثة الثقافة الفرنسية” La Mission Culturelle Française  “ليسيه لاييك” ( أي العلمانية), و أقامت شريحة كبيرة من الجالية الفرنسية في لبنان في الأبنية المحيطة بالمدرسة…  و سكنها من الجالية الأمريكية مؤسسو ” الكلية الأمريكية للبنات” التى عرفت بإسم “كلية بيروت الجامعية”, ليتغير إسمها مرة ثالثة الى  “الجامعة اللبنانية الأميركية “, كما وقع في هواها عدد من الأدباء, و الكتاب, و السياسيين.

وموقع ” قريطم ” الجغرافى بديع , فهي تطل على “شارع الحمرا” من ناحية و “الروشة , و” رأس بيروت الفوقا ” و هى  المنطقة العليا من رأس بيروت الغربية.

و بناية طبارة, الى ذلك كله, على رمية حجر من قصر نجيب صالحة, رجل الأعمال, و النائب في البرلمان اللبناني عن دائرة المتن الجنوبي, قضاء بعبدا, و وزير التصميم في حكومة حسين العويني سنة 1964,جمع ثروته في السعودية, حيث كان نائباً لوزير الاشغال العامة و المال, فأجرى العديد من الصفقات و الإتفاقات البترولية بين المملكة السعودية, و شركات البترول العالمية, و لما أقيل من عمله, في ظروف غامضة, عاد الى لبنان, فأدار مشاريع صناعية و تجارية و سياحية عدة, منها شركة الفنادق الكبرى “فينيسيا” , “فاندوم”…

عندما “دُفِعَ”  رفيق الحريري, من الرياض و دمشق, للإنخراط في العمل السياسي, أدرك ان منطقة “رأس بيروت”, هي بطاقة إنتسابه  الى عالم السياسة اللبنانية, فتلك المحلة من بيروت, هي المدرسة, والجامعة, و النادي, و علب الليل و السهر, و كل لغات الأرض, و كل التقليعات, و الزواريب, و التظاهرات التي هللت يوماً لثورة جمال عبد الناصر, و ثوار فلسطين, و هي التي نقمت عليهم عندما تتطاولوا عليها, و إنتهكوا حُرمتها,  فضاقت بهم ذرعاً بعدما  كانت حملتهم على الراحات, و… هي “مطعم فيصل” و مقاهي الأرصفة, “هورس شو”, كافيه دو باري”, “مودكا, “ويمبي”, “ستراند”, “إكسبرس”, و الجامعة الأميركية.

“رأس بيروت”, كما “الرملة البيضاء”, هي  محطة الإرتقاء, بالمعنى الإجتماعي, و الثقافي, و الفكري, و السياسي, مع المحيط البيروتي الغني و المتنوع إجتماعياً, و ثقافياً, و فكرياً و… سياسياً. لذلك, إشترى رفيق الحريري قصر صالحة في “قريطم” ليقيم فيه, و منه  يحكم, و يتحكم بالقرار السني.

لم يترك القصر كما إشتراه, تولت شركة “اوجيه”, التي يملكها إدخال تعديلات على القصر، و أضاف عليه  مبان جديدة غلب عليها الطابع العمودي و لكن مع مراعاة البناء الاصلي الأفقي. و تدريجياً تصالح قصر الحريري الجديد مع محيطه النخبوي و الشعبي,  و أصبح علامة مميزة, أعطى المكان صفة جديدة, صار قاصد المنطقة بسيارة الأجرة أو “تاكسي” لا يؤشر فقط الى جامعة “إل أيه يو”LAU (الجامعة اللبنانية الأمريكية), بل “قصر قريطم”.

***

كانت أم عدنان تحرص على التواجد دائما في البناية, تتابع شؤونها و شؤون المستأجرين و طلباتهم, و الأهم من ذلك مراقبة إبنها  الثاني حسن, العاطل عن العمل, الذي كان يحاول أن يُظهر أمامنا, نحن المستأجرين, أنه المالك,      و الآمر الناهي, و له الشورى و المشورة, فأم عدنان كانت تعرف جيداً,  أن إبنها المدعي, ليس “القبضاي” مفتول السواعد, الذي يخدم الناس و يحابي, و يجير مستجير, إنما مجرد “بلطجي”, كما نصف, في مصر, الذي يريد شراً بالناس و يقتات خبزه من التسلط عليهم.

” شارع مدام كوري” يستفيق باكراً, عندما  تضج الشمس بالضوء, فيمد يده على كل المطارح, تدب الحركة في أوصال الشارع, و السيارات المركونة على جانبي الشارع تبدأ بالإختفاء, يسارع ا إليها الذاهبون الى أعمالهم , ليزدحم الشارع بباصات المدارس, يلملم التلاميذ من أمام البنايات, ليعيدهم عند إنتهاء اليوم الدراسي.

من نافذة الشقة الغربية , تطلّ صخرة “الروشة”, يغسل الموج قدميها مُداعِباً و لا يتعب, يسرح نظرك معه, و معها,    و مع الأفق الأزرق. و من شرفة أخرى تمتد أمامك منطقة “ساقية الجنزير”, حيث فندق “بريستول” العريق و الفخم.

و ذات يوم, و في لفتة عين من الشرفة, و على “فراندا” الطابق العلوي من بناية قبالتنا في أول “ساقية الجنزير”, لمحت جورجينا رزق,  ملكة جمال الكون, كانت مع ضيوف عندها, و صرت أراها باستمرار, و قد ألفت جيرتها.    و تلك الشقة, أصبحت فيما بعد”عش الزوجية”, بعد زواجها الذي فاجأ الناس, من “الأمير” الفلسطيني “الأحمر” علي حسن سلامة سنة 1978 و إستمر سنة, و إنتهى بإغتياله.

 

كنتُ غالباً أتندر في المكتب, متشاوفاً على إسلام شلبي, فأقول بإعتداد:

” جارتي جورجينا… جورجينا ملكة جمال الكون“!

بعدها تصهلل ضحكة إسلام … من المزاح.

و إن أنت  خرجت الى “فراندا” الشقة , تنتصب أمامك العمارة المواجهة, و ترى جاراتك:

واحدة تركز على أرنبة أنفها نظارتين طبيتين, تفتح جريدة Daily Star اللبنانية التي تحكي عواميدها اللغة الإنجليزية, و لاتزيح وجهها عن الجريدة, إلاَّ لإحتساء فنجان القهوة. و أخرى, في “فراندا” ملاصقة, تجلس على كرسٍي هزَّاز,    و كانت تلك الكراسي موضة زمانها, لا يخلو بيت منها, و على حجرها قطة “سيامية” منفوشة الوبر.  و ثالثة تفرك الهواء بيديها, و هي تتحدث الى إمرأة يبدو عليها الإهتمام بالحديث, و فنجان االشاي بيدها في رحلة  رتيبة من الطاولة الى شفتيها.

و يمكنك أن تضبط ساعتك على التاسعة, عندما ترى الجار الأنيق مع زوجته, يتناولان الإفطار في “الفراندا”, هو يقرأ جريدة “النهار”, بينما هي تفر بأناملها صفحات جريدة L’ Orient-LE jour ، يبدو لك أن حركة الجارة المتأنية و هي ترفع فجان الشاي المزخرف, على مهل الى شفتيها. تلهيهما القراءة عن الكلام, و لكنها لا تلهيهما عن تناول “كرواسان” مع المربى.

قبالة بناية أم عدنان، الأنيقة في هندستها, يعاند مسجد صغير أثري الدهر, و يظل رابضاً, كان بناه, في القرن التاسع عشر, الحاج مِصباح قريطم, لا تتعدى مساحته 300 متر, على مدخله ثُبِّتَ “حاكٍ” و Phonograph تدور فيه إسطوانتين, تحملان صوت مؤذن يدعو للصلاة, كلما وجبت… و لهذا المسجد حكاية, ليس ها هنا مكان الكلام عنها, سيأتي أوانها فيما سيلحق.

و في الحي دكان, يبيع كل ما تشتهيه و تحتاجه من مأكولات, و مشروبات, و خضراوات, و لا تغيب عنه الأصناف, منها مصنوع في لبنان, و منها المستورد من كل بقاع الدنيا، إن أنت طلبت ما لم  يتوفر للحال عنده, توّصيه, فيحضره لك في الغداة.

***

كانت المرة الثانية, التي أختار فيها بيتاً, بعدما تركت بيت أبي, الذي إحتميت فيه من الوحشة, و الوحدة, و خيالات الطفولة.

المرة ألأولى كان “بيت الزوجية”, الذي إخترت أثاثه, و وقفت على أدنى التفاصيل فيه, من أجل الألفة, و الأنس,    و الراحة النفسانية.

و في بناية طبَّارة, إخترتُ الشقة التي تحضن أحلامي و طموحاتي, و تمنحني جدرانها السكينة, و الأمان, و الحماية في الغربة.

“الجار قبل الدار”, قالت لي أم عدنان, “و جيرانك”, تابعت بثقة العارف, “من أحلى الناس”.

إلاَّ أنني لم أتعرَّفُ على “الجيران”, إلاَّ بعدما جاءت عائلتي الصغيرة من  القاهرة, خلال العطلة المدرسية, فتفاجأنا, لما عرفتا بوصولهم, بالجارتين, نوال و أفروديت, تدخلان علينا و معهما أولادهما داني و روني , و كانوا في سن أولادي, شريف و شيرين, للتعرف بهم, و تقديم المساعدة, و تلك تقاليد “الشهامة و النشامى”, حسب أقوال العرف المتعارفة.

و لا أذكر مَنْ مِنْ الكتاب اللبنانيين, و لعله أمين نخلة, هو الذي قال:” أجمل ما في الغربة, أنها تجعل الغرباء أصدقاء”.

و جيراننا, أصبحوا أصدقاء, فكانت ألفة, و ومودة, و تحاب, و عِشرة, و تزاور, فلم تشعر زوجتي بالغربة, و وجد كل من شريف وشيرين, من يؤنس بعادهما عن القاهرة, و يخفف من شعورهما بالإغترابِ.

و كما زوجتي, كذلك, الأولاد إفتتنوا ببيروت, بالبحر, و السهل, و الجبل, و عشقوا البلاد, فاتخذوا قرار العودة        و العيش في بلاد الأرز.

***

الشمس تقف في قرص السماء عارية في الصيف, سوى من خيط غيم رفيع على خصرها. و تروح تخون المطارح, تتسول الهواء, و النهار يولد من بين أصابعها ولهاناً.

ساعة ينسكب الضوء في الغرفة, يغسلُ وجهي, يبدأُ يومي. و أحلى أيامي: الآحاد, نهاية أسبوع من التعب و الإرهاق, و الإجتماعات التي تتواصل و لا تنتهي, لترتيب العمل في الهيئة, ضمن جدول زمني وضعه إسلام شلبي.

و كنتُ أيام الآحاد, أحب أن أسلم نفسي لبيروت, أدعها تأخذ بيدي الى مطارحها الحميمة, و كانت نشوتي, المشي على “كورنيش المنارة” وصولا الى “الروشة”, و كان عندي “كورنيش السعادة”.

و غالباً ما كان تطوافي يسحبني الى “الزيتونة”, التي ينسكب فيها الجمال, يحتويها, طبيعياً, ساحراً, مرسوماً بألوان    و لا أحلى, و يبهرك كل ما تراه فيها:

البحر يهدر, يلتاع, ثم تترنح أمواجه, تغسل قدميها. بيوتها تتغطى, و تستر رأسها بالقرميد الأحمر, كأنها تلبس عمامات حمراء.

و تمد بصرك, تملأ عينيك, بروعة هندسة “فندق سان جورج” العريق, تتراقص في مرساه اليخوت, و القوارب الشراعية الصغيرة. و يحلو لك أن تتفرج على “التزلج على الماء” SKI nautique ، فنادي “سان جورج للتزلج على الماء”, هو الأول, و البادىْ, في إدخال تلك الرياضة الى العالم العربي, و كان أسسه وترأسه, سيرج نادر,  كما ترأس “الإتحاد اللبناني للتزلج على الماء”, و هو بعدما إشتعل الإحتراب الداخلي في لبنان سنة 1975, حمل تلك  الرياضة الى الخليج, و أدخلها الى “الإمارات العربية المتحدة”.

و تتلهف الى “صحن فول مدمس”, و”ترويقة” على الطريقة اللبنانية, و أنت جالس فوق الماء, يروح الموج يعربد, تحت قدميك, و يُسمِعك ثرثرته الرتيبة. و تدخل “مقهى الحاج داود”, العَتيقُ والمُعَتَّقُ, عِتْقَ الخمر في الدنن, كما قال مرة شاعر جوّال.

و”مقهى الحاج داود”, لمن لا يعرف, هو معلم أساسي من نبض مدينة بيروت, و نقطة إستشعار لحركة الناس. فيه تمت اللقاءات الأدبية, و فيه نَظَم الشعراء شعرهم, و على كراسيه  جلس مفكرون, قضاة, سياسيون, و نقابيون, تداولوا, خططوا, و قرروا…

و هو إن حكى, يخبرك, أول ما يخبرك, عن صاحبه, الحاج داود عبد الكريم حسن الخطاب, كانت عائلته واحدة من خمس عائلات بيروتية, تملك “منزولا”, و المنزول هو بيت ضيافة, يكون في العادة مستقلاً عن المنزل, له مدخله الخاص, و غُرَفه, و منتفعاته.

كان الحاج داود, يخبرونك, يسهر مع أصدقاء له خُلَّص, في “عرزال”, وسط منطقة الأوزاعي, لتدخين “الأركيلة” (الشيشة), و حدث ذات يوم، أن دبَّ  الخلاف مع صاحب العرزال و أدى الخُلافُ ذاك, بالحاج داود, الى التفكير بأن يكون له و لأصدقائه, عرزالهم الخاص, فطفق يفتش عن مكان, فأعجب بأرض قرب ما كان يعرف, بإسم “مقبرة السمطية”. فقصد “ناظر البحرية” (رئيس الميناء), طالبا مساعدته لإستثمار قطعة الأرض, التي كانت من أملاك الدولة, فأعطي الحاج داود عشرة أذرع. و تلك “المحلة” التي إختارها الحاج داود كانت تدعى “الزيتونة”, فكبرت, و إتسعت, و توسع فيها العمران, و تحولت الى مطاعم, وملاهٍ, و علب ليل, لا تنام و لا تشبع من السهر.

عند فقش الموج مباشرة, و على إمتداد صخري يعلو سطح البحر بثلاثة أمتار, تشكل خليجاً صغيراً, طوله 500 متر, شيَّدَ الحاج داود”عرزاله” على الصخور شنة 1870, و تدريجياً , أخذ العرزال يجذب الناس, و أصبح الحاج يقدم القهوة, و الأركيلة, و الشاي.

و إقترحوا عليه أن يحول “العرزال” الى “مقهى”, و للتغلب علي صغر مساحة الأرض(6 أمتار مربعة), إستخدم الحاج لبناه مقهاهُ’ أعمدة طويلة من خشب “قطراني” صلب, إستورده خصيصاً ,من “الأناضول” (تركيا), و هذا الخشب مقاوم للماء و الحشرات, و لا ينخره السوس الذي يعشق الخشب, و يبقى على الدهر مُعانِداً, فتم غرس تلك الأعمدة عميقاً في البحر, و عليها تمددت أرض المقهى, فكنت و أنت جالس, ترى سطح الماء, من الفواصل بين ألواح الخشب التي تتشكل منها أرضية المقهى. و جيء له بكراسٍ مصنوعة من الخيزران, و طاولات خشبية مختلفة الأحجام.

و في تطور آخر, غطى الحاج داود رأس مقهاه بالقرميد الأحمر, و ثبّت على جدرانه نوافذ زجاجية, تداعبها أمواج البحر, و تسيل عليها بغنج, في الصيف, و في الشتاء تضرب الأمواج رأسها بالزجاج بحنق, و تلك ميزة “مقهى الحاج داود”: صوت الموج, و إنتشار رذاذه.

ينفصل المقهى عن الشارع العام بزاروب (زقاق), و له مدخلان و سلم (درج), يركن الزبائن سياراتهم في الزاروب.

أمامه “خليج الزيتونة”  و فندق” سان جورج” بقواربه و يخوته، خلفه الكورنيش و فندق “نورماندي ” ثم ” فينسيا “.

يخبر البيارتة, أن المفوض كولومباني,  مدير الأمن العام الفرنسي أيام الانتداب على لبنان و سوريا, ظل يلتقي “القبضايات” فيه, و كان المفوض الفرنسي صديقاً لدرويش بيضون (أبو علي) من قبضايات بيروت المرهوب الجانب. و مع تمادي السنوات أصبح أبو علي, شريك المفوض في الأعمال التجارية!

ذات يوم دخل أبو علي, على عادة منه مقهى الحاج داود, فوجد ضابطا فرنسياً يجلس وااضعا ساقاً على ساق, فإغتاظ, و طلب من الضابط الفرنسي أن يسوي من جلسته, فأبى, فما كان من درويش بيضون إلا أن أمسك الضابط من كرسيه و قذف بهما في البحر! و كالعادة أزال كولومباني ذيول الحادثة.

من زبائن “مقهى الحاج داود” الدائمين, أمين نخلة, الشاعر و الكاتب و النائب السابق, و كان يلتقيه الرسام التشكيلي مصطفى فروخ, و يدور حديث الأدب والشعر و الرسم, وي دخل الشاعر و المحامي و نقيب المحامين ميشال عقل, حلبة الكلام, و خلال عمله في السلك القضائي, كان سامي الصلح , (أو “البابا سامي” , كما يسميه اللبنانيون تحبباً, عندما ترك القضاء الى السياسة و الى رئاسة الحكومة مرات, زمن رئاسة كميل شمعون للجمهورية اللبنانية), يداوم على الحضور, و معه و ينزل كلام على السياسة و يحتد مع جبران تويني (والد غسان تويني), أيام جريدة “الأحرار”  و بعدها “النهار”. و من زوار المقهى الدائمين النائب و الوزير السوري عبد السلام العجيلي, الذي كان يأنس بلقاء السياسيين اللبنانيين, و يستلذ بأحاديث الأدب والشعر و الفنون.

و في “مقهى الحاج داود” دارت إجتماعات “حركة القوميين العرب”, التي كان على رأسها المحامي عمر زين, الأمين العام السابق للمحامين العرب. فمناخ الحرية التي عاشته بيروت, سمح للحركات السياسية و النقابية, أن يتسع مداها و نطاقها.

و قد يكون الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي, الشخصية المميزة بين رواد المقهى, الذي كان مقره الدائم, منذ ترك السكنى في دمشق مفضلا عليها بيروت, التي وجد فيها حرية إفتقدها في العاصمة السورية, و كان النجفي يلتقي في المقهى أصدقاءه الأدباء و الشعراء, منهم ميخائيل نعيمة, (الذي يأتيه من “الشخروب”, و مارون عبود, الذي ينزل بيروت من “عين كفاف” ضيعته,  و رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي).

و قد شاهدت أحمد الصافي النجفي, مراراً في “مقهى الحاج داود”, و من عاداته الغريبة, أنه كان يجلس على كرسٍي منحني الظهر,  و يمد يرجليه أو يتكىء على ثان, و يضع كوفيته و عقاله على ثالث, و مجموعة الجرائد على كرسي رابع, و بين الفينة و الأخرى, تسمع صرير قلمه على طرف جريدة, أو علبة سكائر, يسجل خاطرة باله, أو مطلع قصيدة, و في الليل في غرفته العارية إلا من سرير و طاولة خشب نخرها السوس, كان يعيد صياغتها.

 

خلال الإحتراب الداخلي الدامي و المدمر, كان النجفي ماراً على رصيف المقابل لمقهى “الحاج داود”, قاصداً أحد الأفران ليبتاع خبزاً, فأصيب برصاصات خمس أطلقها احد القناصين,  و بعد إسعافه في بيروت, قامت الحكومة العراقية بنقله الى الى بغداد لمعالجته, و كان أُذيَ في بصره و ما عاد يرى,  فإرتجل هذا البيت, و هو في الطائرة, بعدما قيل له أنها تحوم فوق بغداد:

 

يا عودةً للدَّارِ ما أَقْسَاها

أسمعُ بغدادَ و لا أراها

 

و تجلس الى طاولة شرشفها مربعات حمراء و بيضاء, ناصعة نظيفة,  يقترب منك نادل, ينحني أمامك بتهذيب, تطلب ترويقة فول, لتوضع أمامك مجموعة من الصحون, صحن للفول المدمس, و آخر للبندورة البلدية, مقطعة شرائح, و ثالث للنعناع و الفجل و البصل الأخضر, و رابع للزيتون, و منه الأخضر المسبح, و الأسود المرصوص و المغمس بالزيت و الحامض, و خامس للخبز الساخن , و قنينة صغيرة من زيت الزيتون الصافي. و”فول” الحاج داود يُغسل , و ينقع بالماء, ثم يترك الليل بطوله يغلي على الحطب, قبل تتبيله, و تقديمه, طبق و لا أشهى.

و “تحبس”, كما نقول في مصر, إما بالشاي, أو القهوة, المغلية على”فحم الدقة” (فحم مطحون).

الأركيلة في مقهى الحاج داود من التنباك العجمي, و يسمح للزبون أن يحضر تنباكه معه, فيتولى “الأركلجي” (الذي يهتم بالأراكيل) في تحضيرها, لقاء 50  قرشاً, أما أركيل التنباك العجمي فسعرها ليرة واحدة, مع خدمة “الأركلجي”, الذي يدور  يتفقد الأراكيل و يزيدها جمراً.

كان ثمن صحن الفول مع  رغيفين و”سرفيس” كامل 75 قرشاً, و إن قررت تناول الغداء, فصحن الخضار المطبوخة, خمسة أصناف, و قرص كبة مشوية و رغيفين 150 قرشاً, و إن ملت للحم المشوي, فأوقية منه مع رغيفين و”سرفيس” كامل ثلاث ليرات, و السمك المشوي أو المقلي مع لوازمه: حمص, أو طرطور, أو سلاطة, أو كبيس    و مخللات أربع ليرات.

و كان المقهى يقدم “فروتو”, (كلمة أصلها إيطالي, يستخدمها اللبنانيون للفاكهة بعد الطعام), هي عند الحاج داود موسمية.

و مقهى “الحاج داود ”  يفتح ذراعيه لزبائنه الساعة الخامسة فجراً حتى السادسة مساء, حين تروح المنطقة تزدحم برواد الملاهي الليلية و الخمارات. و من المفارقات, أن زبائن  الفجر هم رواد الليل و السهر و علب الليل, في الزيتونة, “كيت كات”, “منصور”, “فونتانا”, Coq d’or  …

على  بعد خطوات و مقابل السفارة الأمريكية, (قبل أن تنتقل الي ” عوكر ” في أعقاب الإحتراب الداخلي), يلتقي صيادو المنطقة عند قهوة ” الديك “, و قبضايات “عين المريسة” يجتمعون في زوايا المقهى الذي يعكس الحياة البسيطة لهولاء فيلتقون على فنجان قهوة أو نَفَس أركيلة، و تعرج على The Green و تخال نفسك في لندن, فهو خمارة لندنيةPub  قيل لي, و لم أكن أعرف الخمارات اللندنية, و عندما إغتربت و عشت في مملكة إليزابيث الثانية,

أدركت إلى أي مدى إفتتان اللبناني بالغرب, فإن راقَ  له ما يراه في أوروبا,  أو أعجب به, أحضره أو قلّده في بيروت.

في مقهي و مطعم ” الغلاييني “، كان سامى الصلح يدير إجتماعاته مع زعماء الأحياء لمناقشة الأوضاع العامة فى غرفة خاصة خُصصت له.

و المقهى و المطعم جزء من 8000 متر (حوالى  فدانين ) يملكهما محمد و أحمد الغلاييني، و بعد وفاتهما لم يستطع الورثة إدارة المكان، و لعدم قدرتهم على تحمل نفقاته، باعوه لعبدالله الضاهر، فبدأ بناء منتجع “ماريلاند” ، إلاّ  أن الإحتراب الداخلي تسبب في تراكم الديون, فباعه الضاهر للأمير السعودي – اللبناني الوليد بن طلال (والدته إبنة رياض الصلح), الذي أعاد هندسته و توسيعه و سماه “موفنبيك”.

و كان مقهى و مطعم “دبيبو, ينافس “الغلاييني”, أما “العجمي” فله تُرفع القبعات, لتقوم في الروشة, مطاعم, تحوط “كازينو فريد الأطرش”: “يلدزلار”, “شانغريللا”, Chez Paul التي كانت تملكه شركة سويسرية, و لا أحلى من Diplomat تنهي فيه تجوالك.

و أتوقف, في  مقهى ” الروضة “( أو شاتيلا كما يسميها البيارته ), و هو يطل  على ” الحمام العسكري “, الذي يحب اللبنانيون إسمه بالفرنسية  Le Bain Militaire لأتناول فنجان القهوة ، فهو شرفة مدينة بيروت يحافظ علي أشجاره و العصافير تعشش  بين الأغصان, مازال يحتفظ بطيف بيروت القديمة، شهرته تعادل أهمية “شارع الحمرا “، شهد عِزُه في السبعينيات لا سيما مع المثقفين الذين ينتمون الى مختلف الأنماط الفنية ، و يشهد المقهى صباح كل يوم كتّاب صحافيين و عشاق يستهلون نهارهم بفنجان قهوة أو كوب شاي منهم الشاعر شوقى يزبع ، و زاهي وهبى   و الموسيقى أحمد قعبور, و بلال شرارة ، الممثل و الكاتب رفيق على أحمد يعيش فيه ساعات طويلة فهو يعتبره مكتبه الخاص فيه يكتب مسرحياته.  شهد هذا المقهي قصص الحب و الصداقات .

***

مقاهي بيروت, لم تكن للترفيه, و لعب طاولة النرد, أو “الدامة” أو “دومينو, و في الغالب “ورق الشدة”, و تدخين الأراكيل, إنما كانت جزءاً حيوياً من معالم بيروت, و كانت متنديات للقاءات الأدبية, و الفكرية, و مقراً للحركات السياسية و النقابية, و مركز تجمع لتحريك الرأي العام, و التظاهرات, و تنظيم الإحتجاجات,  و الإنتفاضات المطلبية و الشعبية حتى بات بعضها معلماً أساسياً من حركة بيروت. و قد كتب في المقاهى آلاف الشعراء على إمتداد الوطن

العربي الهاربين من بلدانهم الى بلد أكثر أمناً و حرية في التعبير، و كان الشاعر  السوري محمد الماغوط خصب السرد في الكتابة عن مقاهي بيروت فكتب قصيدته ” مقهي في بيروت “, التي تتحدث عن البعد عن الأهل و النفي الإختياري أو الإجباري ، و عن المدن التى تبتلع الضائعين فيها و عاشقيها على السواء.

و قد كان لرواد مقاهي الأرصفة في “شارع الحمراء” دورهم البارز في إطلاق الكثير من الحركات التحررية العربية, بالإضافة الى البصمات الواضحة في حركة التحديث في الشعر, و الأدب, و المسرح, و الفنون التشكيلية و النحت.

جاء إنتشار هذه المقاهي في لحظة وفد الى بيروت نخبة من مثقفي و شعراء تلك المرحلة الذين إفترشوا أوراقهم على طاولاتها على الأخص مقهى « الهورس شو»: يوسف الخال و قد أسس  مع أنسي الحاج “مجلة شعر”،  نزار قباني, الذي كان لبيروت الفضل في إطلاقه, ففيها طبع ديوانه الأول “طفولة نهد”,  أدونيس، محمد الماغوط، نذير العظمة  و فؤاد رفقه، و بدر شاكر السياب و عبد الوهاب البياتي, و بلند الحيدري , و محمود درويش و عصام محفوظ, صاحب مسرحية “الزنزلخت” الذي كانت شكواه الدائمة لأن بيته بعيد عن”مودكا” و يتمنى لو كان بيته في المبنى نفسه لينزل إليه “بالبيجاما”,  “هورس شو”, أول مقاهي الأرصفة في “شارع الحمرا”, و الأكثر سماعاً لثرثرات المثقفين       و السياسيين…  يبقى الأكثر تألقاً. ساعده قربه من مكاتب” جريدة النهار” في رأس الشارع (إنتقلت “النهار” الى مبناها الجديد في ساحة الشهداء قبيل إغتيال جبران التويني), في زواياه إلتقى رسامون و إعلاميون و روائيون و مسرحيون. من هنا مرّ أنسي الحاج، الياس الديري، و غادة السمان و سونيا بيروتي بشعرها القصير، روجيه عساف، أنطوان كرباج, ميشال نبعة”، رضا كبريت, موريس معلوف, رائد  مسرح الإيماء Mimique  في العالم العربي, الذي إعتبره مارسيل مارسو من أهم الممثلين الإيمائيين في العالم, ريمون جبارة، سعدالله ونوس، بول جيرجوسيان , الإخوة بصبوص الذين ينحتون الحجر و الخشب, و غيرهم من ذاك الزمن الجميل.

***

من أشهر هذه المقاهي التي إحتضنت أصحاب الرأي في بيروت, مقهى” لا دولتشي فيتا”   La Dolce Vitaو تعنى     ” الحياة الحلوة ” والإسم مأخوذ من فيلم المخرج الإيطالى فيلليني الذي أخرجه عام 1960، و صور فيه مشهدا من مقهي فرنسي كان مقصداً لأساطير عالم السينما و الفن و الأدب ، و ينهل منه الفنان التشكيلى و السينمائي إبداعاته من خلال جلساته و حواراته، و بالمثل إحتضن المقهيين عدداً من السياسين و شلّة من المنفيين العرب, أبرزهم الثلاثي السوري, ميشال عفلق, صلاح الدين البيطار, و أكرم الحوراني,  الأمر الذي دفع جمال عبد الناصر الى مهاجمة مقاهي بيروت في إحدي خطبه العصماء, و على  رأسها ” لا دولتشي فيتا ” و ” هورس شو ” لأنهما تُصدران المعارضين و الإنقلابيين الذين يستغلون مناخ الحرية في بيروت, للتخطيط و تصدير الإنقلابات الى دول العالم العربي!

و تبقى أشهر حادثة شهدها “شارع الحمرا”, وقعت  امام مقهى “هورس شو” سنة 1969, فقد إقتحم رجال الأمن “مسرح بيكادللي” , حيث كانت تعرض مسرحية “مجدلون”, و منعوا الجمهور من الدخول.

فما كان من أعضاء «محترف بيروت للمسرح»، الى أن أصرّوا على مواصلة تقديم المسرحية, التي كانت تتناول العمل الفدائي في مواجهة العدوّ الإسرائيلي, و عن تخاذل الأنظمة العربيّة، إنطلاقاً من قرية في الجنوب اللبناني.

توجّه الممثلون،  بتحريض من كاتب العمل هنري حاماتي, يتقدّمهم روجيه عسّاف و نضال الأشقر إلى مقهى “هورس شو”, القريب من المسرح, فقاموا بأدوارهم في الشارع, أمام جمهور موزّع بين الدهشة و الحماسة, و تحت نظر قوى الأمن التي حرست المكان,  لم تتدخل.

تعللت السلطات بأن “محترف بيروت” لم ينل إجازة لعرض المسرحية, بينما كانت الحقيقة أن السلطات توجست شراً من تقديم عناصر من الأحزاب اليمينية المعادية للوجود الفلسطيني, الذي كان بدأ يُعيد كَرّة ما جرى في الأردن قبل أيلول الأسود, و خصوصاً على أثر “إتفاق القاهرة” الذي رعاه عبد الناصر لفض الإشكال بين السلطة اللبنانية و المقاومة الفلسطينية, و ها هنا ليس مجال التوسع في تلك  قضية, كان لها ما لها على الساحة اللبنانية, و عايشت مضائها خلال وجودي في بيروت,  و كانت أحد أهم عوامل الإحتراب  الداخلي المؤلم (1975-1990), فطُعنت بيروت, و ذُبحت من الوريد الى الوريد, و العرب يتفرجون.

مودي حكيم 

شاهد أيضاً

اللَّتّ والعجن الإعلامي !

  فجأة..وبعد فترة هدوء، واستراحة إعلامية..أثير مرة أخرى، موضوع قضايا التمييز ضد المرأة ، فنشطت …