الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الأولى (2)
«الحمراء» عاصمة بيروت!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الأولى (2)
«الحمراء» عاصمة بيروت!

ما يكاد “شارع الحمراء” أن ينفض عنه الليل, الذي يمضي في طريقه من دون تعَّثُّرٍ, و تَنْدَسُّ في مفاصله أشعة شمس محمرة العينين, حتى تدب الحركة فيه من جديد. و مع أنَّهُ يسهر الليل و آخره مع الساهرين في مقاهي الأرصفة, و المطاعم، و دور العرض السينمائية و المسرحية, إلاَّ أنَّ حركة الصباح في ذلك الشارع, لها لون آخر, فهو لا يختصر بيروت وحدها, إنَّما هو أنموذج للبنان كله, تبرز فيه الشخصية اللبنانية بملامحها و تكوينها, المتعددة الثقافات و الأفكار و الإتجاهات.

و إن أنت جلست الى فنجان قهوة في مقهى من مقاهي الأرصفة, تسمع كل لغات الأرض, يداعب أذنيك, من يمزج العربية بالفرنسية, في لغة Franco–Arab  فريدة من نوعها, أو من يحكي Anglo-Arab  مع كل كلمة عربية  يُمرر ثلاث كلمات إنجليزية, بلكنة واضحة جلية, و يروح يستشهد بقول, أو يغوص في أعماق نظرية سياسية أو فكرية, و يجادل و يجدل الكلام, متنقلا بين الكتب و الكتاب, يلملم الإستشهادات.

و في المكتبات, و أحلاها عندي  في “شارع الحمراء”, “مكتبة أنطوان” العريقة بالقدم, تُفتَرَش أمامك الصحف و المجلات العربية, و الفرنسية, و الإنجليزية, و الأسبانية, و الإيطالية… لا تغيب مجلة أو جريدة, عن الأرفف, و لا تُمنع واحدة, أو تُصادر أخرى, أو تُراقب ثالثة… و لا يصدر كتابا في الأدب, و الشعر, و الرواية, و الفلسفة,  و الفكر السياسي, أو في العلوم شتى, إلا و تجده معروضاً, تنادي عليه الإعلانات, و الصور, و تعليقات النقاد.

و في “شارع الحمراء”, تجد اللبناني المتأنق, المفتون بالموضة و الأناقة الأوروبية, و العاشق لكل جديد في العالم, فيستحضره, بتشاوف, الى عاصمته.

فلبنان, شرطه الإنفتاح, يعيش في تمازج تاريخي و فكري, يتلاقى فيه الشرق و الغرب تلاقيا حيّاً وحَيَوَّياً, فماضيه و حاضره ملتئمان بوجهتي الشرق و الغرب  لذلك, فهو أكثر بلدان العرب تجاوباً و تفاعلاً مع الحضارة الغربيةو لهذا يبقى لبنان مهدداً من الداخل و الخارج.

على تعاقب العهود, كانت ثوابت الحكم تقوم على التعاون الودي مع الدول العربية, و الحفاظ على الروابط و الأواصر, و العلاقات الثقافية و الإجتماعية مع الغرب.

إن ما جعل لبنان على ما هو عليه, و بيروت المتألقة قلبه النابض بالحيوية, هو المحافظة على النظام الديموقراطي الحر, في وقتٍ كانت تظهرُ فيه الى جواره أنظمة عسكرية, فبقيت حرية الرأي مُصانة, و إستتب الامن, و ساد الإستقرار, فجذبت بيروت المميزة و المتفردة بين عواصم العرب رؤوس الأموال من الخارج, سواء من البلدان العربية, أو غيرها… فعم الإزدهار الإقتصادي من 1952 الى 1975, سنة بدء الإحتراب الداخلي المدمر, و أصبح لبنان مصرف العرب, بسبب من  قانون سرية المصارف, على النهج السويسري, و خزانة أناقتهم, و مدارسهم, و جامعاتهم, و مستشفياتهم, و سياحتهم, و إصطيافهم… و تحولت العاصمة اللبنانية, كما كان إسلام شلبي, الذي عاش و درس و تخرج و عمل فيها, يردد دائما أمامي, كلما كان حديث عنها: “بيروت هايد بارك العرب, و المتنفس الطبيعي لآرائهم, و أفكارهم, و معتقداتهم, و تطلعاتهم, و حتى صراخهم ضد الأنظمة, لذا لجأ  إليها الشعراء, فنشرت لهم دواوينهم و أطلقتهم, و الأدباء , فرعتهم و أفسحت لهم المجالات, و المفكرين على إختلاف مللهم و نحلهم, تكلموا فيها بحرية, فإحتجوا, و عارضوا, صرخوا , و طرحوا أفكارهم على المنابر, و ما كان أكثرها في لبنان, و الندوات و الكتب و الصحف”.

و حرية الرأي, جعلت من تلك الصحف, التي تتعدد ميولها, و يتلون حبرها بألوان من توالي, تصبح ميداناً للصراع الفكري و الإيديولوجي و الثقافي, ليس بين اللبنانيين وحدهم, بل بين العرب جميعاً.

يتداول اللبنانيون الواقعة التي جرت في القصر الجمهوري في بعبدا، فقد زار عدد من رؤساء تحرير الصحف اللبنانية, رئيس الجمهورية شارل حلو, و هو كان الى جانب ممارسته المحاماة, صحافياً  كتب باللغة الفرنسية في جريدة

L’Eclair du Nord و Le Jour  كما كتب أيضاً في L’information.

فكان الرئيس حلو كلما صافح واحداً منهم, سأله عن عائلته, و أولاده, ثم يتبع ذلك بالسؤال عن رئيس الدولة التي يواليها, و تمول جريدته:

“أهلاً يا فلان… كيف جلالة الملك؟”

“اهلاً يا فلان… كيف سمو الأمير؟”

“أوه… أهلا بك يا فلان… كيف فخامة الرئيس؟”

ثم وقف في وسطهم, مرَّرَ على وجوههم نظرة متخابثة, و ختم قائلاً:

“أيها السادة , أهلاً بكم ببلدكم الثاني لبنان”!

*** 

ميزة “شارع الحمراء” أنه لا يبقى على حاله, يتغير, يتجدد بإستمرار, و يزداد ألقاً و تألقاً, و سحراً. جئته أول مرة في أول زيارة لي للبنان, و قد سبقتني إليه سُمعته, جذبني بكل شيء فيه: مقاهي أرصفته: “الإكسبريس” الذي يعلوه فندق “إتوال”, “هورس شو”, “كافيه دو باري”, “مودكا”…  مطاعمه التي تقدم مأكولات من مطابخ العالم… و صالات السينما: “ستراند”, “سارولا”, “الحمرا”, “إلدورادو” و “بيكادللي”, التي على مسرحها قدم الرحابنة أجمل مسرحياتهم الغنائية: “المحطة”, “هالة      و الملك”, يعيش.. يعيش”, “الشخص”…. فإذا كانت بيروت عاصمة لبنان, فإن هذا الشارع الذي طوله 1300 متر, و عرضه 8 أمتار, هو عاصمة بيروت, هو كل لبنان.

 

 

سنتذاك, حمل إليّ الزميل الشاعر محمد حمزة, دعوة من الأمير خالد بن سعود, للسفر الى لبنان, فقد كنت صممت ديوان الأمير الشعري “من أنت؟”, و كان يريد إصداره و تقديمه في العاصمة اللبنانية.

لم يتوقف بليغ حمدي عن الكلام, يميل عليّ, و من حكاية الى أخرى, و من دندنة لحن, أو كلمات أغنية, شعرت أنه يريد أن يقتل الوقت و المسافة, فقد كان الأمير خالد يأمل أن يوافق بليغ على تلحين إحدى قصائد  الديوان,  ليغنيها عبد الحليم حافظ, الذي كان غادر القاهرة الى بيروت, قبل إقلاعنا بساعات معدودات, و معه نادية لطفي و المخرج حسين كمال, لتصوير مشاهد من فيلم “أبي تحت الشجرة”… و ما دار بين الأمير و بليغ و عبد الحليم, ليس ها هنا مكانه, و سيأتي الكلام عنه فيما سيلحق.

أقمنا, بليغ حمدي و محمد حمزة و أنا, في فندق “ستراند” في “شارع الحمراء”, بينما نزل عبدالحليم حافظ و نادية لطفي, و طاقم العمل في الفيلم في فندق ” كارلتون” في “الروشة”.

 

في مجمع “ستراند”, و الى جانب الفندق, مبنى مقسم الى مكاتب تأوي عدداً من الشركات و المؤسسات الإعلامية, منها مكتب مجلة “الكاميرا”, التي كان ينشرها إبراهيم البرجاوي, و يمولها و ينفق عليها, محمد علي الصباح, صاحب “الشركة اللبنانية للتجارة و السينما”, (و فيما بعد “الشركة اللبنانية – المصرية للانتاج السينمائي و التوزيع”), و كان دافع الصباح في تمويل “الكاميرا”’ منافسة “الشبكة” (دار الصياد), و”الموعد” (بديع سربيه و دار “كل شيء”), و “السينما والعجائب “(حبيب مجاعص)…

أصر بليغ حمدي, بعد تناولنا الغداء في مطعم الفندق, أن أرافقه لزيارة مكاتب مجلة “الكاميرا”, فتكون مناسبة لتقديم ديوان الأمير المطبوع. و راح بمستطيل الكلام, يحكي لي عن صديقه إبراهيم البرجاوي و عن دائرة علاقاته الواسعة بنجوم السينما المصرية, فهو صديق كمال الشناوي الحميم, و من شلة رشدي أباظة و رفيق سهره و عربدته, قرَّبَهُ منهُ عمر الشريف,     و كان صديقاً ودوداً  لكل من أحمد رمزي, حسن الإمام, و محمد سلمان… أما صباح, فعندها “برهوم بالدني”, و سميرة توفيق, لا يصدر عدد من “الكاميرا” إلاَّ و صورها تطرز صفحاتها و أخبارها أول بأول.

 

لما دخلنا غرفة مكتبه الأنيق, إنتصب من خلف طاولة المكتب, طويل القامة, تحت أنفه شاربين, يجهد النفس في تقليم شعيراتهما, و بين حين و آخر, يتمشطهما بإبهامه و سبابته. عينان كبيرتان, تدوران في وجه متناسق القسمات وسيمها, على أناقة ظاهرة. إنبسطت اساريره, لما رآنا, فتح ذراعيه, ضمّ بليغ حمدي في عناق المشتاق.

 

“الأستاذ مودي حكيم”.

تأنى بليغ حمدي في لفظ إسمي, توقفت عينا إبراهيم البرجاوي على وجهي, تملاني, مدَّ يدَهُ مُصافحاَ:

“يا هلا… تشرفنا”.

و دار الكلام, و طالت الجلسة. أول ما يلفتك في إبراهيم البرجاوي, خفة ظلّه, و ميله الشديد الى المفاكهة و المداعبة,      و كلما إمتد الحديث, تتكشف لك روحه العذبة. إبن ليل, و ليل بيروت لا أحلى و لا أجمل منه, عند الذين يعرفون معنى السهر. سخي, مسرف. لا يبخل في إنفاق ما يجنيه من قلمه على اصدقائه. يومها لم يدعنا, بليغ حمدي و أنا, نفلت منه, فدعانا بعد تناول العشاء في مطعم “يلدزلار” في “الروشة”, للسهر في إحدى العلب الليلية, حتى مطلع الفجر.

في جريدة “الحياة”, تدرب إبراهيم البرجاوي على الكتابة, فتلك الجريدة, التي نشرها و ترأس تحريرها كامل مروة, كانت في خواتيم خمسينات القرن الماضي, مدرسة مرّ فيها, و تخرج عليها, من صار لهم شأنا و مكانة في المهنة, و”الحياة”, في ذياك الوقت, كانت تنافس جريدة “الجريدة”, (التي نشرها جورج نقاش الى جانب جريدة  L’Orientالناطقة بالفرنسية), على الرفعة و المكانة, بينما كانت “النهار”, وقتذاك, تصدر من مبنى في آخر “سوق الطويلة”, في المرتبة الثالثة.

بدأ إبراهيم البرجاوي مراسلا برلمانيا, و متابعا أخبار السراي الحكومي, بعد “الحياة” حمل قلمه و راح يتنقل بين الجرائد, فكتب في “الهدف”, و”البيرق”, ثم استساغ العمل في وكالات الأنباء, فكانت له إسهامات في “وكالة أخبار اليوم”, “أنباء الشرق الأوسط”, “الأنباء الصحافية”, الى أن إستقر له المقام في “الوكالة الوطنية للأنباء” الرسمية.

إستهواه الفن, فترك قلمه يسبح فيه. و عندما قرر ملحم كرم, إعادة إصدار مجلة “الف ليلة و ليلة”, إستحضر لها حاتم خوري, الذي كان مخبراً قضائياً في جريدة “النهار”, فترأس تحريرها, يعاونه صديقه و توأم روحه سامي غميقة, فإنضم إبراهيم البرجاوي إليهما… ثم أنه وجد في العرض المغري الذي قدّمه له محمد علي الصباح, فرصة سانحة لأن يكون له مطبوعة يستقل بها, و هو طموح مشروع لكل صحافي خَبَر و إختبر المهنة.

إلاَّ أنَّهُ على الرغم من الجهد الذي بذله في “الكاميرا”, طالبا الرفعة و المكانة بين المجلات الفنية, إلاَّ أنَّهُ لم يتمكن بمجلته من زحزحة “الشبكة” من مكانتها, و صدارتها بين المجلات الفنية, ليس في لبنان و حسب, إنما في العالم العربي,          و خصوصاً مصر, التي ما أن رمت “دار الصياد”, “الشبكة” في المحروسة, حتى علقت فيها قلوب المصريين, و توّدد لها النجوم, يمنون النفس أن يحتلوا غلافها, فأصبحت الأكثر رواجا في مصر, بعدها “الموعد”. و مع تدني أرقام التوزيع, و شُح البيع, أوقف محمد علي الصباح التمويل, فإحتجبت “الكاميرا”, و عاد إبراهيم البرجاوي الى كنف ملحم كرم و الى… “البيرق” و “ألف ليلة و ليلة”.

و لم يدم وفاقه مع ملحم كرم, المتطلب و الصعب المزاج, إضافة الى تقطيره, فترك الفن و عاد الى السياسة. و عندما إشتد أوار الإحتراب الداخلي, غادر بيروت الى القاهرة, ردحاً, ليصبح مراسل “الوكالة الوطنية للأنباء” في لندن, و بمسعى من صديقه ريمون عطاالله, مدير تحرير “الحوادث”, المغتربة الى العاصمة البريطانية, إنضم إبراهيم البرجاوي الى جهاز تحريرها, و ظل مواظباً على مراسلة وكالة الأنباء  اللبنانية الرسمية, و غالبا ما كان يسجل رسالته الصباحية, و هو في مكتبه في “الحوادث”.

في مطلع الثمانينات, ما أن إستتب الوضع في لبنان, حتى جمع إبراهيم البرجاوي حقائب السفر, و عاد الى بيروت التي أحب, ليصبح مديراً لمكتب مجلة “التضامن”, التي نشرها  و ترأس تحريرها فؤاد مطر في لندن (لي عودة للحديث عن “التضامن” و صاحبها فيما سيلحق).

ثم طلب منه فؤاد مطر, تسلم مكتب “التضامن” في بغداد, ليعود بعدها الى لندن مجددا, فيتسلم إدارة تحرير “التضامن”, في ظروف عانت فيها المجلة و صاحبها, ليس ها هنا مجال ذكرها. لملمت “التضامن” أوراقها, و إحتجبت. فغادر إبراهيم البرجاوي العاصمة البريطانية الى العاصمة المصرية, في وقت كان وليد أبو ظهر قد نقل “الوطن العربي” من باريس الى القاهرة, فإنضم إبراهيم البرجاوي الى أسرتها, و ترأس مطبوعات صدرت عنها: “دنيا الفن”, “الهانم”, “الباشا”, “كلام الناس”.

و إشتدت عليه العلة, و وهن قلبه, ففارق الحياة في القاهرة, و وُري الثرى فيها في 30 سبتمبر 2013.

 ***

في مقهى “الإكسبريس” أول “شارع الحمراء”,  الذي إعتاد إبراهيم البرجاوي أن يرتاده, إذا ما وجد في مقهى “هورس شو”, “عجقة”, كما كان يقول, ضرب لي موعداً. كان يجلس الى الطاولة معه, شاب, ينفث دخان سيجار “مونت كريستو”, في فضاء المقهى, عرفني عليه:  “صديق العمر و المهنة سامي غميقة”.

كل شيء يجذبك إليه, عينان لا تهدئان, تدوران على الوجوه و المكان, يلمع فيهما بريق جاذب, في وجه فيه مسحات خجل, على أدب جم, و لياقة في التصرف, و حضور طاغٍ, حلو الحديث, يعرف كيف ينتقي كلماته و مفرداته, “قريب للقلب”, كما يقول اللبنانيون في وصف من يدخل قلبك من أول وهلة, عُجن من طينة الذين في اللحظة التي يتوجدون فيها في مكان, يحققون المكانة… و سامي غميقة, الذي كان درس علم السياسة, تركه للحبر والقلم و…مهنة المتاعب, يخزن في ذهنه ضروب المعارف, يتقن الفرنسية, و “يطرطش” الإنجليزية, كما كان يتندر… مبسوط اليد الى أقصى درجات الكرم, ينفق,   و لا يحسب حساب الغد, فللغد عنده تصاريفه, يفيء على أصحابه بكرمه, إن  مال الى شخص أخلص له و إرتبط به     و حاول مساعدته .

في الكتابة, آسر, له أسلوب خاص و سلس, تشعر انه يعيش على قلق في الكتابة, دقيق الملاحظة, وصّافٌ متمكن من اللغة المبسطة, عاشق للجمال في كل شيء : في المرأة, في الحرف, في الصورة, التي هي عنده عنصر اساسي , في أي مجلة, فكيف الحال في المجلات الفنية التي تعتمد على النجوم, فكان سامي غميقة  يختار الصورة بدقة, و يبحث عن اللقطات المميزة وغير المألوفة،  و لأنه” لا يعجبه العجب و لا الصيام في رجب”, على قول العوام في مصر, فإنه  يشرف بنفسه على جلسة التصوير ” فوتو سيشن ” …

كان يبحث عن كل ماهو غريب و مثير ليقدمه في المطبوعة التي يتولاها أو يعمل فيها,  و كان يسميه “الصدمة  البريئة” , غير المؤذية,  فقد قدم يوماً راقصة أجنبية تعمل في إحدى علب ” الزيتونة ” الليل, و قد كانت على جمال أخاذ و فتنة صارخة و مثيرة , فقام بتصويرها في لقطات  متعددة, إختار واحدة منها و فردها على غلاف “الف ليلة و ليلة”, و عقد حولها تحقيقاً مستفيضاً, أعمل فيه الخيال, و أصبح على مدى أسابيع, و في أعداد متتالية, ينشر أخبار تلك الراقصة الجميلة , و بعد سبع  أعداد, فاجأ قراء “ألف ليلة و ليلة” بأن تلك الراقصة الفاتنة, ولدت ذكراً, و بعملية جراحية تحول الى أنثى!

و كانت الصدمة, التي كانت لها رجع صدى في الصحافة اللبنانية و العربية, فلأول مرة يتداول على العلن مثل تلك المسائل و القضايا,  التي كانت في حينها مستغربة, و غير مألوفة, و لا معروفة بنطاق واسع, بينما في أيامنا باتت من الأمور التي لا تفتح لها الأفواه تعجباً.

و كان سامي غميقة يبث العيون البصباصة في جميع الأماكن التي يتردد عليها نجوم المجتمع و نجوم الفن، و لا يُفرق بين  ناطور البناية, أو الحارس الشخصي, و لا حتى الساقي في “بار” أو “علبة ليلية”,  يتهافت عليه المصورون  Paparazzi  الذين يدورون في الليل بين الملاهي, و علب الليل, و الحفلات الخاصة, و”الكوكتيلات”, التي كانت رائجة  في بيروت,   يلملمون بعدساتهم النجوم و المشاهير…و ليالي بيروت مليئة  بالمستور و المكشوف, و المستتر و المفضوح .

بدأ  سامي غميقة  مشواره مع الصحافة في جريدة “النضال” التي كان يرأس تحريرها مصطفى المقدم,  إنتقل بعدها الى مجلة “المجالس المصورة” ، ثم جريدة ” الحياة “، لينضم الى حاتم خوري  في مجلة “الف ليلة و ليلة” , و يطل بقلمه على جريدة “البيرق”, بطلب من ملحم كرم, ناشر المجلة و الجريدة.

و حدث أن إختلف كل من حاتم خوري و سامي غميقة مع ملحم كرم حول العديد من الأمور, فتركا “ألف ليلة و ليلة”, و “البيرق”, و كل ما كان يصدره نقيب المحررين ملحم كرم, الى “دار الصياد”, فكتبا في “الأنوار”, و مجلة “الصياد”, ”  و مجلة “الشبكة”, و تركا بصماتهما على الكثير من “الخبطات” الصحافية  و “الصدمات الجميلة”,  حسب سامي غميقة.

لم يدُم  تعاون حاتم خوري و سامي غميقة مع “دار الصياد” طويلاً, فتركاها كل الى مشروعه الخاص, فأصدر سامي مجلة “المنبر”, بتمويل من زوجة الشيخ فادي الجميل, و كانت مكاتبها في  “ساحة الدباس”, و حاتم خوري إنصرف بكليته الى مجلة “السنارة”, التي كانت تصدرها علياء الدالاتي, و الى إصدار الروايات, أبرزها “شارع الضباب”, و العنوان مأخوذ من زاوية تحمل العنوان نفسه, كان يكتبها في “الشبكة”, و أحياناً , عندما يكون “معكر المزاج”, يكتبها عنه سامي…

و هذه الرواية نشرها حاتم إحدى عشرة مرة, و في كل مرة يغير العنوان و الغلاف, و يبقي النص على حاله, و العهدة في هذا على الراوي, و الراوي صديق رافق سامي و حاتم.

و إذا كانت “السنارة” إستمرت سنوات, الى  أن إحتجبت, فإن “المنبر”لملمت أوراقها في العدد العاشر.  و إتكل سامي غميقة على الله و على مساعي ريمون عطاالله و نبيل خوري, فإنضم الى “الحوادث”, و خلال عمله فيها, طلب منه سليم اللوزي أن يتولى مساعدة بسام حيدر, في رئاسة تحرير مجلة “الموتور”, التي كان اللوزي شريكا فيها. و كالعادة طلع سامي غميقة بنظرية “أنسنة الآلة”, فصدرت “الموتور”, (و كانت مجلة جادة تعنى بكل ما يحركه محرك, و خصوصاً السيارات, أطرزة    و تقنية, , و سباقات “فورمولا واحد” و “الراليات”)..  و على غلافها فتاة جميلة تجلس بإغراء على مقدمة سيارة… و طار صواب بسام حيدر, الذي إعتبر أن رصانة المجلة التي يملك نصفها و يترأس تحريرها, قد إنتهكت, و سُوي الإشكال بتخلي سامي عن بسام حيدر و “موتوره”.

و ظل سامي في “الحوادث” الى أن قرر سليم اللوزي الإغتراب الى بريطانيا, (و تلك قصة سيأتي الكلام عنها و حولها فيما سيلحق).

راسل سامي مجلة ” المجلة ” و ” هي” , و في آواخر ايامه تولى إدارة مكتب  جريدة “الشرق الاوسط” في  بيروت. و كان قدّم و أعد برامج عدة, لحساب “المؤسسة اللبنانية للإرسال” “LBC و تليفزيون لبنان”, كما قدم برنامج ” يالله ” خلال سنوات الإحتراب الداخلي , و واظب على إعداد البرنامج الإذاعي اليومي ” الجريدة ” الذي كان يبث عبر إذاعة “صوت لبنان”  و شاركته فيه مذيعة الأخبار صاحبة الصوت الجميل ” يولا سليمان ” .

في لقائي الاول به , أصر سامي غميقة, أن يصحبني الى شقته فى  بناية “يعقوبيان” في منطقة” الروشة”، و تحديدا “كاراكس” Caracas , القريبة أيضاً من “رأس بيروت”, بسيارته  طراز Pontiac GTO  الفارهة, فهو يفضل السيارات الأمريكية الفارهة على ما عداها, و يعشق سياقتها على الرغم من أنه تعرض لسبع حوادث سير نجا منها بأعجوبة .

(و بناية يعقوبيان البيروتية لا تمت بصلة للبناية المصرية, و من المصادفات أن يملكهما ثريان من الملّة الأرمنية يتشابهان بالأسماء, الأرمني اللبناني هو يعقوب يعقوبيان).

و”بناية يعقوبيان”, كانت سكنى عدد من المشاهير, فمنهم: فايزة أحمد, عبد السلام النابلسي… النادي الليلي “فينوس” Venus   في الطوابق الأرضية, سبب آخر لشهرتها.

شقة سامى غميقة ” صرعة “, على ما يقول اللبنانيون,  أي ” تجنن ” أو ” تهبل”, بالعامية المصرية. و لابد أن يصيبك الذهول و أنت  تعاين ما فيها, ففى السبعينيات لم يكن ” ميكانيزم” أو نظام التشغيل الإلكتروني” للستائر قد عُرف, أو راج,  و لم نعرفه في مصر إلا لاحقاً, غير أن اللبناني “عاشق كل جديد, و دائماً يجتهد للحصول عليه و إستحواذه “, كما كان محمد عبد الوهاب العاشق للبنان يردد دائماً.

ستائر الشقة تغلق و تفتح بكبسة زر في ” ريموت كنترول “مبرمج لأداء هذا الغرض, أينما كنت في الشقة. في الصدارة مكتبة ضخمة و متخمة بالكتب باللغتين الفرنسية و العربية بعرض الحائط، تتحكم في مصراع أبوابها شبكة إلكترونية. أثاث الشقة مستورد من فاخر ما أنُتج في باريس. أما اللوحات الزيتية, فحدث عنها ولا حرج.

كان  سامي غميقة يعيش عيشة “بلاي بوي”, عاشقاته كثيرات, و عشقه كان لواحدة فقط, قدمها لي ذات مرة, لا ظروفه سمحت له بالرباط المقدس معها, و لم تستطع هي الإرتباط, و السبب باق للزمان, فالبوح به غير مباح.

ذات صباح, من صباحات شهر آب سنة 1999، كان سامي يقود سيارته على طريق “برمانا” باتجاه بيروت, غدره قلبه, فأصيب بذبحة  فقد معها سيطرته على السيارة, فانحرفت عن الطريق الى كعب وادي “جورة البلوط”, و فارق الحياة.

***

لا يمكنك التعرف على سامي غميقة, من دون التعرف على توأمه الروحي حاتم خوري, العاشق الأبدي لليل و الكأس,      و السهر, مع كل توابعه و متطلباته, لا ينام إلا مع الفجر. و هو الصحافي الذي يقنعك أن الأسود أبيض و الأبيض أسود, و هو على إستعداد لأن يخترع قصة صحافية, و ينشرها, ثم يصدقها, و يجعلك تصدقه و تصدقها, و تبصم بأصابعك  العشر و تبدأ  منسحراً بما قرأت, تتندر بها.

و لسامي غميقة و حاتم خوري حكايات لا تنسى, لظرفها. واحدة تحضرني, و تلح عليَّ:

حدث أن توفي فعلاً, رجل إسمه توفيق يوسف عواد, و كان مختاراً لإحدى القرى. أوردت “الوكالة الوطنية للأنباء”, و هي وكالة رسمية, ما تبلغته من وزارة الداخلية, فهرول محرر “المحليات” في جريدة “الأنوار” الى مكتب سعيد فريحة, و قال له بلهجة موشاة بالحزن:

“يا أستاذ سعيد… عندي خبر مؤسف, مات صديقك توفيق يوسف عواد”.

بعدما ترحم الأستاذ سعيد على صديقه, طلب من المحرر نشر نبأ الوفاة, مع صورة, و نبذة عن حياة الفقيد, في صفحة المحليات (الصفحة الرابعة من الجريدة), و نفّذ المحرر, و صدر عدد “الأنوار” حاملاً الخبر و الصورة.

في الساعة السابعة من صباح اليوم التالي, بينما كان الأستاذ سعيد يحلق ذقنه, رن جرس الهاتف, أجابت السيدة حسيبة, زوجة الأستاذ سعيد.

كان على الطرف الآخر من الخط, الصحافي و السفير, و القصاص الروائي (غير المتوفي) توفيق يوسف عواد.

فهمت الست حسيبة, خطأ, أن المتكلم هو شقيق المتوفي توفيق يوسف عواد, فنادت على الأستاذ:

“سعيد… خيو للمرحوم توفيق… بدو يشكرك”.

تناول سعيد فريحة سماعة الهاتف و أخذ يندب, و يعدد الفقيد, و قد بدأت عيناه تغرورقان بالدموع:

“الله يرحمك يا توفيق… يا ضيعانك يا توفيق”.

سمع الأستاذ صوتاً على الهاتف يصرخ:

” و لو… و لو يا سعيد, أنا توفيق”

فعاد الأستاذ الى الندب:

“كلنا توفيق عواد… يا ضيعانك يا توفيق, الله يصبرنا على فقدانك…”

و كلما إزداد الأستاذ بكاء، إزداد توفيق يوسف عواد صراخاً… الى أن إنجلى الموقف, و سعيد فريحة في حال ذهول, سمع توفيق يقول له:

” و لو… و لو… أنا بموت و تنشر الخبر على الصفحة الرابعة, مع صورة  نصف عمود؟!”

رد سعيد فريحة مُلَمْلِماً ذهوله:

” ما تواخذني… ما تواخذني دخيلك يا توفيق”.

رد عليه توفيق مصراً على العتاب و المعاتبة:

“شو… شو ما آخذك, على الأقل على الصفحة الأولى, مع صورة على عمودين!”.

و بين الضحك و البكاء, وعد الأستاذ بأن يفعل ذلك عندما يتوفى فعلاً.

و كالعادة, سهر سامي غميقة مع صاحبه حاتم خوري, حتى الفجر, ومن الطبيعي أن يفوتهما إجتماع التحرير الصحافي لجريدة “الأنوار” الذي يحرص الأستاذ سعيد على ترأسه, على الرغم من أن إبنه عصام هو رئيس التحرير.

كانت مشكلة سعيد فريحة الدائمة مع حاتم و سامي, أنهما لا يحترما الدوام, و كل يوما يفبركان الحجج الواهية لسبب تأخرهما, مرّة, أن سامي كان في مهمة صحافية, و رافقه فيها حاتم, و مرّة أن سامي مرّ على حاتم لإصطحابه بسيارته الى الجريدة, فتعطلت بهما السيارة…

في اليوم التالي لنشر خبر وفاة توفيق يوسف عواد, دخل حاتم خوري قاعة الإجتماعات متأخراً , لحق  به سامي مهرولاً , فصرخ  الأستاذ سعيد بهما:

” شو وين كنت يا إستاذ حاتم مع الأستاذ سامي”.

فرد حاتم خوري من دون تردد:

“وين كنا… كنا في جنازة المرحوم توفيق يوسف عواد…”.

مسح الأستاذ سعيد إبتسامة عن شفتيه:

” برافو… برافو, كيف كانت الجنازة؟”

فرد سامي بمنتهى الجدية:

” و لا جنازة ملك…”

و إلتقط حاتم الكلام, مسترسلاً :

“لو تقرأ خطاب وزير الخارجية فيليب تقلا, في رثاء سفيره … بتبكي, و الله بتبكي يا إستاذ سعيد…”.

رد الأستاذ سعيد:

“الله يعطيكما العافية, أنت يا سامي إكتب وصفاً كاملاً للجنازة, مع أسماء كل الذين حضروا و شاركوا, و إنت يا حاتم لا تنسى كلمة فيليب تقلا, إكتب موجزاً عنها”.

بعد ساعة, عاد سامي وحاتم الى مكتب الأستاذ سعيد, يحمل كل واحد منهم ما طلبه الأستاذ, سامي كتب وصفاً دقيقاً للجنازة, و حاتم أهم ما جاء في  رثاء الوزير فيليب تقلا.

صراخ الأستاذ سعيد فريحة, سُمع يومها, في كل أرجاء منطقة “الحازمية”, (حيث مبنى “دار الصياد”العملاق).

***

إستحوذ علي الشوق, في الأسبوع الأول لوصولي بيروت, أن أتواصل مع أصدقاء المهنة, و في الوقت نفسه, البحث عن سكن مستقل, فما إعتدت على  مشاركة السكن مع أحد, على الرغم من أن لإقتسام النفقات مع “شريك” المسكن فوائد إقتصادية.

في مقاهي الأرصفة في “شارع الحمراء”, كنت ألتقي سامي غميقة, و إبراهيم البرجاوي, و نبيل خوري, و إلياس الديري,     و إبراهيم سلامة…  الجلسات تطول, و يطول معها أحيانا الليل, في ملاهي “الزيتونة”, و”عين المريسة”, و علب الليل في محيط “فينيسيا”.

في دفتر صغير, كنت أسجل فيه ملاحظات, عثرت على إسم صابر كامل, الشاب الإسكندراني, الذي جاءني مكتبي في “روز اليوسف”, و أخبرني أنه في القاهرة لقضاء إجازة الصيف, فهو يدرس في “جامعة بيروت العربية” (كانت تلك الجامعة الوحيدة في لبنان التي تقبل حملة الثانوية العامة “التوجيهية”, المصرية, أما الجامعات الأخرى فكانت لا تقبل حملة الشهادة المصرية, و بعد ضغط الحكومة المصرية, فرضت وزارة التربية اللبنانية إجراء إمتحان معادلة  “التوجيهية” بالبكالوريا اللبنانية بجزئها الثاني). أبدى صابر كامل يومها شغفه بالإخراج الصحافي, و راح يستفسر مني عن الكثير حول ذلك الفن. لمست من خلال ما حمله إليّ من تصميمات, أنه يتمتع بموهبة, و ذوق, و عرفت منه, وقتها, أنه يعمل في القسم الفني في مجلة “الحوادث”, الذي يتولاه عصمت الشنبور, للمساعدة على نفقات الجامعة و الإقامة في بيروت.

كنت إلتقيت عصمت الشنبور, في زيارتي الأولى لبيروت, و دعاني يومها لتناول العشاء في مطعم   Le Grenier, أنيق عصمت في كل شيء, في ملابسه, في حديثه, في تصرفاته.

طرابلسي, أبا عن جد, ولد في كنف عائلة ميسورة الحال, والده ملاك على سعة, و والدته تركية الجذور و الأصول,  مفتون منذ صغره بكل ما هو أوروبي. في الخامسة عشرة من عمره، إندفع وراء شغفه بالرسم و التصميم الفني.

سنة 1941، تخلى عن الكتب و الكراريس, كان شغفه بالفن يستحوذ عليه, و وجد أن طرابلس تضيق بطموحاته، فغادرها  إلى بيروت .

وجد عملا في شركة “سنيب” Snip  للإعلانات, التي أسسها توفيق سلطان و شفيق هدايا, لتصبح من أهم و أوائل شركات الإعلانات في العالم العربي. فأبدع في تصميم الإعلانات معتمداً على ذوقه الرفيع و مُخيّلته الخصبة، عاملاً على إدخال الألوان في الإعلانات المطبوعة للمرة الأولي. و يصرف عصمت شنبور عشرين سنة في “سنيب”, و يتزوج من إبنة توفيق سلطان, و شقيقة الصديق طارق سلطان, و من تصميم الإعلانات, أنصرف عصمت الى تصميم و إخراج الكتب, فعمل في دار محمد بعلبكي, ثم في “مؤسسة بدران” العريقة التي كانت معروفة في العالم العربي بكتبها الفاخرة, التي كانت تُعد في صناعة الكتب “تحف فنية”.

سنة 1971، كان سليم اللوزي ينقل مجلته “الحوادث” من “كورنيش المزرعة” الى مبنى من 11طابقاً و ثلاثة تحت الأرض, في “عين الرمانة”, و ينفض عن المجلة كل قديمها, سياسياً و فنياً, و قد أعاد تشكيل جهاز التحرير, و بدأ يبحث عن من يمكنه إلباس مجلته حُلة قشيبة, فعرّفه مدير مؤسسة بدران على عصمت شنبور و نصحه بالتعاون معه.

فحمل عصمت مسطرته و أقلامه, و صمم “ماكيت” لشكل “الحوادث” الجديد و كان عصمت متأثراً بجوزف عون,  المتميز   و الرائد في الإخراج الصحافي, الذي أُدخل الى التصميم الصحافي و شكل الصفحة, ما لم يكن مألوفاً, لا في لبنان, و لا حتى في العالم العربي. و كذلك تأثر بالمدرسة الفرنسية في الإخراج, لذلك جاءت “الحوادث” مزيجاً من مدرسة جوزف عون, و مجلة Le Nouvel Observateur في الحجم و الشكل و الإطار البرتقالي في الغلاف.

مع إشتعال شرارة الإحتراب الداخلي, تحول مبنى “الحوادث” الى خط تماس  (الشياح – عين الرمانة) حيث كانت جبهات القتال في أوجها.

كان نبيل خوري , رئيس تحرير “الحوادث”, كتب مقالاً, خلال غياب اللوزي في لندن, قال فيه أن المقاومة الفلسطينية هي جيش المسلمين, فغضب اللوزي, و إعتبر المقال إساءة الى الجيش اللبناني, فطلب من نبيل خوري الإستقالة و ترك المجلة,

و الحقيقة أن فيصل أبو خضرا, كان وراء مقال نبيل خوري, و هو الذي مول شراء رخصة “المستقبل” من الوزير السابق هنري إده, فأصدرها نبيل خوري من باريس سنة 1977, مستعيناً بعصمت شنبور لتصميمها و إخراجها, فكانت على شاكلة مجلتي Le Point  و L’Express  إن في الحجم أو التصميم. كذلك صمم مجلة “ياسمين”, النسائية الشهرية التي أصدرها نبيل خوري أيضاً, و التي لم تستمر طويلاً.

وجود عصمت شنبور في باريس, لم يمنعه من تصميم الماكيت الأساسية لعدد من المجلات, بينها “التضامن”,  و «اليوم السابع» , و جريدة «المحرر» , و مجلتا «2000» اللندنية التي توّلى إخراجها شهريا, و كان يرسل الصفحات المصممة عير DHL لتطبع في لندن , و «الصفر» الباريسية.

ذات يوم فاجأني عصمت شنبور, و أطلعني على تصميم لحرف سماه “الحرف الجديد”, يُغني عن خط “الرقعة” المعتمد في عناوين الجرائد و بعض المجلات العربية. وقتها كان عصمت يحاول تطويره, قبل بيعه لشركة  “لينو تايب”Linotype . و كان الحرف مزيج بين طابع الحروف الطباعية المعدنية, و بين أسلوب في الخط راج, وقتها, يعتمد تسميك أو تتخين  قاعدة الحروف بما يعطيه الوزن المناسب لإستخدامه في العناوين.  و بعد “الحرف الجديد” الذي أطلقه سنة 1980, صمم حرفاً آخر سماه “مريم”. و قد بنى عصمت شنبور حرفيه (“الجديد “و “مريم”)  على أسس خط النسخ التي تنساب أفقياً على السطر على خلاف خط الرقعة الذي ترتفع و تنخفض حروفه بحسب التشكيلات الحروفية.

سنة 2008 بعد توعك, فارق عصمت شنبور الحياة, تاركاً تراثاً باق على مر الزمان. كان في الثالثة والثمانين .

 

مودي حكيم

شاهد أيضاً

اللَّتّ والعجن الإعلامي !

  فجأة..وبعد فترة هدوء، واستراحة إعلامية..أثير مرة أخرى، موضوع قضايا التمييز ضد المرأة ، فنشطت …