الرئيسية / كلمة العدد / خطأ في التصميم .. أمم الصحافة

خطأ في التصميم .. أمم الصحافة

لم أحظ بالعمل فترة طويلة مع إحسان عبد القدوس فالصراعات السياسية، و إهتزاز الوضع بعد تأميم الصحافة أسهم في إبعاده عن “روز اليوسف”. و المفارقة أن ما طالب به إحسان عبد القدوس نفذ و كان من ضحاياه. فهو أول من طالب بتأميم الصحافة، فتساءل في مقال كان له طنين و رنين و رجع صدى عند السلطة الحاكمة في تلك الأيام : ” لماذا لا تؤمم الصحافة ؟ وقد أممنا كل شئ تقريباً،  ألجأ لهذا بعد أن أرهقتني الرقابة أيضاً “.

وفي مكان آخر من المقال كتب: إن الصحافة حين تؤمم تصبح تابعة للحزب الحاكم وهو الإتحاد الإشتراكي”.

أخذ عبد الناصر برأي الأستاذ، و بدا كأنه ينتظر الفرصة السانحة لإصدار قرار تأميم الصحافة، فجاءته سنة 1960 بما كان ينتظر علي طبق من فضة:

ففي صباح العاشر من أبريل “نيسان” صدرت جريدة الأخبارو علي صدر صفحتها الأولي و بالبنط العريض مانشيت عنوانه: ” مصرع السفاح عبد الناصر في باكستان “.

و ما نشر كان خطأ فادحا إرتكبه قسم الإخراج والتصميم الفني في الجريدة، فلم يتم الفصل بين الخبرين بشكل واضح، حيث كان من المفروض وضع خبر عبد الناصر في المقدمة بشكل واضح في الحجم والكثافة الخطية وينقل خبر السفاح الي الجزء الثاني من الصفحة أسفل ” لوجو ” الصحيفة أو أسفل خبر سفر الرئيس عبد الناصر إلي باكستان، وهي زيارة تزامنت مع مصرع السفاح المشهور محمود امين سليمان الذي شغل الرأي العام في مصر وتحولت قصته الي فيلم سينمائي.    

و هكذا فإن الخطأ في الأخبار و رأي الأستاذ في روز اليوسف هما السبب في تعجيل قرار التأميم. وكان إحسان عبد القدوس الوحيد الذي عينه عبد الناصر رئيساً لمجلس  إدارة روزاليوسف من أصحاب الصحف المؤممة و وعين معه الأديب يوسف السباعى الذي كان صديقاً لإحسان عضواً منتدباً .

عامان قضيتهما قبل أن يترك المؤسسة التي أنشأتها والدته فاطمة اليوسف،وتعلم فيها الصحافة والكتابة فنجح في رسم طريق للتحررالفكري والإجتماعي والأدبي ، ووضع روز اليوسف بمطبوعاتها علي طريق النجاح ، قبل توليه رئاسة تحرير أخبار اليوم بعد 21 عاماً، مودعاً صديق الرحلة الفنان جمال كامل وزملائه وتلاميذه أحمد بهاء الدين، سامي داود ، عميد الامام ، فتحي غانم ، سعد كامل، لويس جريس ، إبراهيم عزت، فتحي خليل ، علي منير ، عبد الستار الطويلة ، مديحة عزت ، عبدالفتاح رزق ، منير عامر وغيرهم كثيرين.

خلال هذين العامين كانت لقاءاتي بالأستاذ في أمسيات كل يوم عندما يذهب الجميع بما فيهم مديرة مكتبه الزميلة نرمين القويسنى ، وبعد أن يغادر جميع ضيوفه وزواره من أدباء وكتاب وفنانين ويتفرغ للكتابة ، وأبقي بحكم عملي وإشرافي علي طباعة العدد الجديد وفي إنتظار مقال الأستاذ وزاويته الشهيرة ” امس واليوم وغداً “التي ينتظرها بلهفة قراء المجلة في مصر و خارجها.

أبقي وحدي مع حسين عبد الجليل  ” الساعي” الخاص للأستاذ والذي يأتمنه ويستريح له . في هذه الفترة كان الأستاذ يكتب روايته التي أثارت جدلاً “أنف وثلاثة عيون”. فقد قدم أحد النواب وإسمه عبد الصمد محمد عبد الصمد بشكوي للدكتور محمد عبد القادر حاتم وزير الأعلام في ذلك الوقت معتبراً أن الرواية مخلة بالآداب ومطالباً بوقف نشرها، ورد الوزير في إحدي جلسات البرلمان بحضور أنور السادات رئيس المجلس بقوله ” أن الصحافة حرة ولا تتبع الحكومة ولها نظامًا خاصًا “. أما إحسان فقد أعتبر إنها كارثة علي الأدب العربي علي وشك أن تهب عندما تمتد يد غير المتخصصين لتحاول خنق إنتاجاً أدبياً. 

“أنف تدور حوله ثلاثة عيون” أمينة ونجوي ورحاب، فالدكتور هشام متعدد العلاقات النسائية و أمينة المتزوجة ونجوي الشابة الصغيرة تقعان في غرامه، وبعد فشل العلاقتين يتعرف علي رحاب الفتاة المتحررة ولها علاقات كثيرة داخل أحد البارات ولكنه يرفض تحررها وتفشل كل مغامراته العاطفية.

قصة ينسجها خيال إحسان لثلاث فتيات حياتهن تمضي وأقدارهن تضع أحداثًا تضج بصراعات تئن النفس البشرية تحت وطأتها، قلم بارع ينسج عالمًا يسحبك إليه بخفة لتعيش فيه وتتفاعل معه. ترفض حيناً وترضي أحيانًا بما يجول في عقليات شخصياته من أفكار وبما يحملنه من قيم إجتماعية وأخلاقية .

وتمر الأزمة كما إنتهت غيرها ويستمر الأستاذ ببساطته وطيبته ومعاملته الودودة مع الجميع كزملاء،ضعيفاً أمام مواهب وإبداعات الفنانين التشكيليين التي تزخر بهم روزاليوسف، مطلقا الحرية لجورج البهجوري ورجائي ونيس، مستمعاً وموجهاً لإخراج غلاف المجلة في أجمل صورة ، مستقبلاً إبراهيم عزت المتخصص في الشئون الخارجية والدبلوماسية لمعرفة المزيد من الأخبار والمعلومات ومستمعًا لمخبر المجلة المتجول

“جلال فهيم” في فندق هيلتون ومقهاه الشهير علي كورنيش النيل وحكاويه عن ليالي القاهرة العامرة بالحفلات والسهرات والليالي الملاح ، وحواديت مديحة عزت صاحبة الزاوية الشهيرة ” تحياتي لزوجك العزيز “ومستمعاً منها لأخبار أعضاء وعضوات نادي الجزيرة ومجتمعه المخملي. وإنضم لهم في آخر ايامه بروزاليوسف ضابط الشرطة ممدوح الليثي والدارس بمعهد السينما والحاصل علي دبلوم السيناريو  الذي عشق الكتابة ، وكلهم يحملون مادة غنية للباب الذي يثير شهية قراء روزاليوسف كل أسبوع طالبين المزيد، و هو باب مذيل بتوقيع ” المخبر المجهول “، ولم يكن يعلم أحد أن إحسان عبد القدوس هو الذي يشرف علي هذا الباب؛ وتسلم مسئوليته بعد أن ترك إحسان الدار الأعزب الشهير عدلي فهيم الذي وهب وقته و جهده لروز اليوسف. 

حبي للأستاذ بدأ في في فترة المراهقة قارئا لروايته ” الوسادة الخالية ” ، وسادته التي رسم فوقها بخياله صورة سميحة حب صلاح الأول ، ومازال يحبها وسيحبها دائماً ، لكنه يريد أن ينسي حبه أو يريد أن يستريح من الأفكار المجنونة التي تطوف برأسه كلما تذكر ” سميحة ” التي أصبحت لرجل آخر . قصة أثرت علي جيل كامل بالأحاسيس الرومانسية الصادقة ونموذج للحب بين أي أثنين ، أسطورة أشبه بقصص روميو وجولييت وقيس وليلي، يعاد قراءتها وفي كل مرة تبدو وكأنها الأولي بمشاعرها وعمقها . 

إستمرت هذه العلاقة بالأستاذ ، ومعها زادت شراسة ووحشية مراكز القوي  الإنتهازية بمحاولة القضاء علي مدرسته الصحافية المميزة و المتميزة، مدرسة النقد السياسي والإجتماعي والدفاع عن الحرية والديمقراطية والتصدي للتسلط والفساد ، والقضاء عليه بعزله من عالم الصحافة وطرده من مجلة ومؤسسة روز اليوسف بحجة أن مرتبه يمثل عبئاً علي المؤسسة،  فكان قرارا أشبه بحكم الإعدام علي إنسان لم يرتكب أي جريمة .   

إنقطعت علاقتي بالأستاذ إحسان بعد رحيله عن روزاليوسف وسفري الي بيروت ولندن لأبدأ  رحلة الاغتراب ، إلي أن حضرت للقاهرة زائرا ومعي تكليف من الصحافي اللبناني سليم اللوزي الذي كانت روزاليوسف محطة رئيسية له في القاهرة في الخمسينيات لكنه تركها بعد إنتقاده لرئيس وزراء مصر في حينها قبل أن يشترى إمتياز مجلة ” الحوادث ” و يصدرها في بيروت .

وبحكم علاقة عملي مع سليم اللوزي وبحكم خبرتي لفنون الطباعة لإنجاح إصدار ها باللغة العربية التي لم تكن تعرفها لندن إلا بعد هجرة الصحافة اللبنانية اليها ، كلفني بنقل أمنياته ورجائه أن يقبل إحسان عبد القدوس عرضه بالحضور الي لندن ليتولي رئاسة وإدارة الحوادث للإستفادة بخبرته وكفاءته في الإدارة ليتفرغ هو لسفره وكتاباته. 

حضرت للقاهرة في عطلة أعياد الميلاد عام 1979 لألتقي بالأستاذ بعد فترة غياب وإشتياق لرؤيته ، عارضاً رغبة سليم اللوزي في الإستعانه به ، لكنه إعتذر حتي لايسئ الرئيس السادات الفهم في قبول إحسان للعرض وخاصة أن علاقتهما كانت متأزمة رغم صداقتهما الطويلة ، بسبب مقال كتبه ينتقد فيه السادات ، فقرر الرئيس السادات عزله من رئاسة تحرير الأهرام والإكتفاء به مستشاراً للجريدة .

الغريب أن العرض الذي قدمه سليم اللوزي للأستاذ جاء قبل إغتياله في بيروت بشهرين وكأنه كان يستشعر الخطر الداهم الآتي ..

فارقنا سليم اللوزي المعارض للوجود السوري العسكرى و الإستخباراتي في لبنان، و المناهض لنظام حافظ الأسد في دمشق وحكم المكتب الثاني السوري للبنان،  وبعدها بعشر سنوات فارقنا احسان عبد القدوس  المغضوب عليه من صديقه السادات من أجل الكلمة.

لهما حبة القلب فذكراهما باقية علي مر الزمان.

 مودى حكيم

شاهد أيضاً

فنانون ضمير عصرهم«17»
ونحن في مرحلة إعادة البناء!

رغم كل ما كتب عن مسلسلات رمضان التليفزيونية الواحد والعشرين أو أكثر، من آراء وتعليقات …