هوفيك حبشيان
ليس غريباً أن يختارجون ترافولتا أول أفلامه الإخراجية من أكثر المواد التصاقاً بحياته. الفيلم مقتبس من كتاب ألفه عام 1997، ويروي رحلة صبي (كلارك شوتويل) في الثامنة يغادر الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى هوليوود عام 1962 برفقة والدته الممثلة (كيلي أفيستون). الرحلة الجوية، التي تبدو في ظاهرها انتقالاً عادياً، تتحول إلى تجربة تأسيسية لطفل سيكتشف العالم من نافذة طائرة، ويجد في الطيران والسينما وعداً بمستقبل مختلف. يعرف ترافولتا هذا الطفل جيداً، لأنه هو نفسه. فمنذ سنوات طويلة، لا يخفي أن هوسه بالطيران يوازي عشقه للسينما، وأن آلاف ساعات الطيران التي راكمها كطيار لا تقل أهمية في حياته عن الساعات التي أمضاها أمام الكاميرا.
هذا الحنين ليس جديداً على ترافولتا. فعندما قدم درساً سينمائياً حاشداً في مهرجان روما السينمائي عام 2019، بدا واضحاً أن الرجل لا يستعيد الماضي كمادة للنوستالجيا فحسب، بل باعتباره المصدر الأول لفهمه الفن ومقاربته له. كان عاد يومها إلى إيطاليا، أرض أجداده الذين هاجروا منها إلى الولايات المتحدة، واستقبلته الجماهير كما لو أنها تستقبل واحداً من أبنائها العائدين. وبينما كانت القاعة تهتز مع كل مشهد من فيلمين رقص على أنغامهما الملايين في السبعينيات، كان يتحدث بهدوء لافت عن البدايات، وعن البيت الذي نشأ فيه. وليست مصادفة أن يحتل حضور الأم مساحة معتبرة في فيلمه الجديد، وأن تكون الرحلة كلها مشبعة بعاطفة طفل يرى العالم بعينين مفتوحتين على الدهشة.
قال يومذاك: “كانت أمي مخرجة وممثلة، وشقيقتي ممثلة. كنا نشاهد أفلاماً مثل “لا سترادا” لفيلليني و”أمس، اليوم وغداً” لديه سيكا. هذا كله حقن روح الترفيه في دمي”. وكشف عن أن الفن لم يكن شيئاً طارئاً على حياته، وإنما جزءاً من الحياة اليومية، لأن العائلة “كانت تستضيفه في المنزل”. تلك البيئة، في رأيه، منحته حرية نادرة في اختيار مستقبله، وجعلته يبدأ رحلته باكراً، من دون مقاومة أو خوف.
التجربة الإنسانية
ولعل أكثر ما يكشف شخصية ترافولتا هو الطريقة التي يربط بها السينما بالتجربة الإنسانية. ففي روما، استعاد مشهداً من “لا سترادا” الذي اكتشفه عندما كان طفلاً. يومها رأى جولييتا ماسينا تموت، فسأل والده عن السبب، فأجابه بأنها ماتت من وجع القلب. بقيت تلك الجملة عالقة في ذاكرته حتى اليوم. قال “حياتي تغيرت إلى الأبد منذ تلك اللحظة التي علمت فيها أننا نملك القدرة على قتل شخص من خلال غياب مشاعرنا تجاهه ومعاملتنا السيئة له. لذلك قررت ألا أحطم قلب أي إنسان”.
من يستمع إلى ترافولتا متحدثاً عن تجربته، يلاحظ أن النجاح لم يكن دائماً نتيجة قرارات صائبة. هو نفسه يعترف بذلك. في حواراته، يتحدث بصراحة عن الأفلام التي رفضها وندم عليها، وفي مقدمها “شيكاغو”: “كان ذلك خطأً مني”، يقول كاشفاً عن أنه رفض الفيلم لأنه أساء فهمه بعدما شاهد النسخة المسرحية. ويستعيد أيضاً تجربة اختباره لمسرحية “يسوع المسيح سوبرستار”، حين كتب المنتج روبرت ستيغوود على ورقة أنه غير مناسب للدور بسبب صغر سنه، لكنه قد يصبح “شيئاً مهماً” في المستقبل. احتفظ ترافولتا بتلك الورقة سنوات، قبل أن يعود إليها عندما عرض عليه المنتج نفسه “حمى ليلة السبت” و”غريز”. ومنذ ذلك الوقت، يؤمن بأن الفشل قد يقود إلى نجاح غير متوقع.
هذه الثقة بالنفس رافقته أيضاً في تعاونه مع كبار المخرجين. يروي أن براين دبالما، الذي منحه فرصة مبكرة في “كاري”، وصل في فيلم “بلو أوت” إلى درجة قال له فيها: “أنت الذي تقرر. هذا عملك. أنت الممثل”. أما مع كوانتن تارانتينو في “بالب فيكشن”، فقد اقترح بنفسه قصة شعر الشخصية التي يضطلع بها بعدما استلهمها من شبان رآهم في أمستردام. في البداية رفض تارانتينو الفكرة، لكنه اقتنع بعد التجربة، لتصبح إحدى العلامات البصرية الأشهر في الفيلم. حتى بعض لحظات الارتجال، ومنها المشهد الشهير داخل السيارة، جاءت نتيجة رغبته في إيجاد التوازن بين العنف والكوميديا.
رحلة ليلية بلا عودة” يبدو امتداداً طبيعياً لكل تلك التجارب الحياتية والمهنية. فالفيلم لا يسعى إلى استعراض خبرة ممثل مخضرم تحول إلى مخرج، بقدر ما يحاول جمع خيوط حياة كاملة في عمل واحد. النقاد انقسموا حول النتيجة: فبعضهم رأى أن الفيلم يفتقر إلى النضج الإخراجي، فيما أشاد آخرون بقدرته على التقاط العالم من مستوى نظر الطفل، وبجماله البصري ذي الطابع الستينياتي، حيث تتحول الطائرة إلى فضاء حالم، أشبه ببيت دمى، تتقاطع داخله أحلام هوليوود مع صورة الأم والذاكرة.
غالب الظن أن ترافولتا لن يصبح مخرجاً كبيراً بعد هذا الفيلم، لكن المؤكد أن تجربته الإخراجية الأولى تكشف شيئاً كان موجوداً دائماً خلف حضوره الجماهيري. بعد عقود من الرقص، والمطاردات، في أفلام الحركة والترفيه، يعود إلى النقطة التي بدأ منها كل شيء.
Independent News
مجلة 24 ساعة