للمرة الأولى على الإطلاق، حذر الجيش البريطاني الحكومة رسمياً من أن تغير المناخ والأضرار التي ألحقناها بالطبيعة يشكلان تهديداً خطراً لأمننا القومي.
ولم يأت هذا التحذير من ناشطين بيئيين يتهمهم بعضهم بالمبالغة، بل من كبار القادة العسكريين المخضرمين، المعروفين بالصرامة والواقعية، وهم يؤدون واجبهم الرسمي في مصارحة السلطة بالحقيقة.
وأفزع التقرير وزراء الحكومة وكشف عن مدى افتقارهم إلى الاستعداد، فحظروا نشره كاملاً، ولم يسمحوا للرأي العام إلا بالاطلاع على نسخة مختصرة ومنقحة حذفت منها أكثر الحقائق صراحة وإثارة للقلق.
وكان ذلك مناسباً أيضاً لحزب “المحافظين” المعارض، ففي الظروف العادية كان المحافظون سيشنون حملة بلا هوادة للكشف عن مضمون التقرير كاملاً، لكن ذلك كان سيقوض موقفهم الحالي القائم على التقليل من خطورة اضطراب المناخ، لذلك التزموا الصمت إلى حد بعيد.
ولولا التسريبات، لما عرفنا نحن الناخبين الحقيقة، فالرجال والنساء الذين نعتمد عليهم للدفاع عن بلادنا يرون أن وطننا يواجه تهديداً حقيقياً. ويحذرون من أننا قد نعجز عن إطعام شعبنا، وأن الناتج المحلي الإجمالي قد يتكبد خسائر تعادل ضعفي ما خسره خلال الأزمة المالية العالمية، وأن شح المياه في جبال الهيمالايا قد يشعل مواجهة نووية بين الصين وباكستان والهند. كما ينبهون إلى تزايد موجات الهجرة عبر العالم، بعدما تصبح بلدان بأكملها شديدة الحرارة إلى حد يعجز سكانها عن العيش فيها أو إنتاج ما يكفيهم من الغذاء. بل ويحذرون من أن ذوبان التربة الصقيعية قد يطلق مسببات أمراض خطرة، من بينها “الجمرة الخبيثة”.
ولا يسعى الجيش من خلال هذا التحذير إلى الحصول على مزيد من الموارد لنفسه، بل يوجه رسالة واضحة ومباشرة: إذا لم نتحرك لحماية الطبيعة، والحفاظ على المياه، وزيادة إنتاج الغذاء محلياً، والتصدي لتغير المناخ، فلن يكون وطننا آمناً أو قابلاً للدفاع عنه.
حاولت الحكومة التقليل من شأن هذه المخاوف بوصفها “سيناريوهات لأسوأ الاحتمالات”، مشيرين إلى زيادة الإنفاق على الوقاية من الفيضانات وأساليب الزراعة التي تستعيد خصوبة التربة، لكن الاستعداد لأسوأ السيناريوهات هو السبيل الوحيد لخفض الخطر إلى مستوى يمكن التعامل معه. فتغير المناخ هو الذي يفرض علينا الجدول الزمني، أما التظاهر بأن لدينا متسعاً من الوقت للتحرك بوتيرة أبطأ فليس سوى أمل زائف. ونحن في حاجة إلى قوة هذا التقييم العسكري، كي توقظنا وتعيدنا للواقع.
ويضع التقييم احتمال عجزنا عن إطعام شعبنا في صدارة الأخطار، ففي وقت تمتد فيه الحقول الجافة عبر إنجلترا وتستعد البلاد لموجة حر جديدة، بات حجم المشكلة واضحاً للجميع. فقد كانت ثلاثة أيام فقط من الحرارة غير المعتادة كافية لخفض إنتاج الحليب في المملكة المتحدة بنسبة 11 في المئة. وأدى نقص المياه الأسبوع الماضي إلى توقف أكبر مصنع لمعالجة الدجاج في بريطانيا، ولم يتمكن من استئناف عمله إلا بعد نقل المياه إليه بصهاريج. ومع انقطاع الأمطار لأكثر من شهر، يحذر المزارعون من تراجع كبير في المحاصيل ومن نقص واسع في الأعلاف. وفي شرق إنجلترا، سلة غذاء بريطانيا، قد ينخفض محصول القمح إلى النصف.
ولا يمكن رد كل ذلك إلى مجرد عام سيئ، فقد أصبح الخطر المناخي واقعاً نعيشه اليوم. وهذا هو مناخ بريطانيا الجديد: أمطار غزيرة في الشتاء وموجات حر في الصيف. ومع ذلك، لا تزال البلاد شبه غير مستعدة لهذا التحول، بل إن التمويل المخصص لمساعدة المزارعين في التكيف خفض من جانب الحكومة والقطاع الخاص على السواء.
وحذرت “لجنة تغير المناخ”، وهي الهيئة المستقلة التي تقدم المشورة للحكومة، من أن استمرار الوضع على هذا المنوال سيؤدي إلى تراجع مساحة الأراضي البريطانية عالية الجودة والصالحة للإنتاج من نحو 40 في المئة حالياً إلى ما يزيد قليلاً على 10 في المئة بحلول عام 2050، لأننا ببساطة لا نستثمر بالقدر اللازم للتكيف مع مناخنا المتغير.
ولا تستطيع بريطانيا تعويض هذا النقص باستيراد الغذاء من بقية العالم، لأن ما يحدث هنا يحدث في كل مكان، بل إننا أفضل حالاً من معظم الدول. فحرائق الغابات الممتدة من إسبانيا إلى كندا والصين تدمر المحاصيل على نطاق واسع، وتتوقع مؤسسة “غولدمان ساكس” أن يؤدي نقص الغذاء خلال العامين المقبلين إلى ارتفاع الأسعار بنسبة 16 في المئة. ومن المرجح أيضاً أن تنخفض محاصيل الرز بنحو 20 في المئة، بسبب الحرارة الشديدة وشح المياه.
وستجعل درجات الحرارة المرتفعة لفترات طويلة مناطق شاسعة في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية أقل قدرة على إنتاج الغذاء، مما سيدفع سكانها إلى البحث عنه في أماكن أخرى. وستكون بريطانيا، التي تستورد حالياً ما يقرب من نصف احتياجاتها الغذائية، من أكثر الدول تعرضاً لهذه التداعيات، وهو ما يقوض أمننا القومي من أساسه.
ويشدد القادة العسكريون، وهم محقون، على أن الدفاع عن البلاد لا يقتصر على الجنود والسفن والطائرات المسيرة، إذ لن تجدي كل هذه القدرات نفعاً إذا عجزت الدولة عن إطعام شعبها.
ومع ذلك، لا يزال في إمكان بريطانيا، بخلاف دول كثيرة أخرى، عكس هذا المسار. فلديها ما يكفي من المياه، ويمكنها، إذا استثمرت منذ الآن في البنية التحتية، إيصالها إلى المناطق التي تحتاج إليها. ومع توفير الدعم المناسب للمزارعين وتمكينهم من استخدام التقنيات المتقدمة، يمكنهم زيادة إنتاجهم بصورة كبيرة. وإذا تجاهلنا أصوات التهاون، ووضعنا نصب أعيننا كبح جماح تغير المناخ بحلول عام 2050، فسنعزز أمن بلادنا ونسهم في تجنيب العالم كارثة.
اللورد ديبن هو الرئيس السابق لـ”لجنة تغير المناخ” البريطانية.
Indpendent News
مجلة 24 ساعة
