الرئيسية / صحافة ورأي / فى ذكرى 23 يوليو.. السويس: مسمار فى نعش الإمبراطورية البريطانية!

فى ذكرى 23 يوليو.. السويس: مسمار فى نعش الإمبراطورية البريطانية!

مودي حكيم
مودي حكيم

واجه ناصر حينها معضلةً هائلة: كيف سيموّل مشروعه المفضل؟ فكان الحل الذى اهتدى إليه هو تأميم شركة قناة السويس.

كانت منظومة قناة السويس تتألف من شقين؛ فالقناة ذاتها وبنيتها التحتية وتكاليف صيانتها كانت ملكاً لمصر، فى حين كانت شركة قناة السويس هى التى تسيطر على حركة الملاحة الداخلة إلى القناة والخارجة منها، وتدير عمليات الملاحة فيها، وتستحوذ على الأرباح الطائلة التى تدرّها القناة. وكانت الغالبية العظمى من أسهم الشركة مملوكة لجهات بريطانية (مع امتلاك فرنسا لحصة أقلية كبيرة).

وعندما أقدم ناصر على تأميم الشركة (رغم أنه قام بتعويض المساهمين)، تضافرت جهود بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل لتدبير خطة تهدف إلى الإطاحة بناصر واستعادة السيطرة على شركة القناة. ورغم أن بريطانيا وفرنسا كانتا قوتين آخذتين فى الأفول، إلا أنهما ظنتا أنهما قادرتان على التصرف بأسلوب العصابات لنهب المصريين وفرض هيمنتهما من جديد (وهو أمر يبدو مألوفاً للغاية فى حقبة ترامب!).

بدلاً من ذلك، مثّلت أزمة السويس إيذاناً بنهاية المشاريع الإمبريالية البريطانية والفرنسية؛ فقد مُنيت الدولتان بالإذلال، واتضح جلياً أنهما باتتا تتحركان فى عالم تهيمن عليه قوتان عظميان: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتى.

وفى خضم قمع الاتحاد السوفيتى للانتفاضة المجرية، وجّه خروتشوف رسالة -لم تكن تلميحاتها خفية- إلى رئيس الوزراء البريطانى أنتونى إيدن، محذراً من أن الصواريخ النووية السوفيتية قادرة على ضرب باريس ولندن، وأن القصف غير المشروع لمصر قد يدفع السوفييت للرد. وكان الرد الأمريكى يتمثل فى توجيه ضربة قاصمة للاقتصاد البريطاني؛ ولعلها كانت أكثر العقوبات الاقتصادية فاعلية على الإطلاق!

وأمام ضغوط القوتين العظميين، أُجبرت بريطانيا وفرنسا على الانسحاب من مصر يجرّان أذيال الخيبة والهزيمة.

الفيلم التسجيلى الذى سلطت فيه القناة التلفزيونية «تشانيل 4» (Channel 4) الضوء على أزمة السويس من خلال فيلم وثائقى مكوّن من جزأين بعنوان «السويس: 24 ساعة حطمت الإمبراطورية البريطانية». تضمن العمل مشاركات لعدد من المؤرخين البارزين الذين تناولوا الأزمة فى كتاباتهم (من بينهم الكاتبة المصرية الدكتورة دينا رزق، وأليكس فان تونزيلمان، مؤلفة الكتاب المتميز عن السويس «دم ورمال» / Blood and Sand).

وتستعرض الحلقتان كافة المحطات المفصلية خلال الأيام الحاسمة للأزمة: صعود جمال عبد الناصر، وتأميم شركة قناة السويس، وخطة التدخل المتهورة التى وضعتها «قوات العدوان الثلاثى» (وهو الوصف الذى أطلقه عليها عبدالناصر).

كما تتضمن الحلقتان لقطات أرشيفية للمظاهرة المناهضة للحرب (والتى كانت تُعد حينها أكبر مظاهرة تشهدها وسط لندن فى فترة ما بعد الحرب)، حيث خرج أكثر من 20 ألف شخص للاحتجاج على التدخل العسكرى. ولن يُفاجأ القراء بمعرفة أن الشرطة فى لندن تعاملت مع المتظاهرين بقسوة؛ إذ أشهرت الهراوات واستخدمت الخيالة لتفريق المشاركين فى المسيرة السلمية (يا لها من أمور لا تتغير!). وبحلول نهاية الحلقتين، تتشكل لدى المشاهد صورة شاملة ووافية إلى حد كبير عن الأزمة وتداعياتها.

تتمثل النقطة الأولى فى أسلوب مونتاج الحلقات؛ إذ يبدأ السرد بيوم الغزو البريطاني-الفرنسى ويتتبع أحداث الساعات القليلة الأولى، ثم ينتقل العمل ذهاباً وإياباً عبر الجدول الزمنى للأحداث، لتتكشف أجزاء من القصة تدريجياً. ويبدو الأمر أشبه بأفلام الغموض البوليسية التى تؤجل الكشف عن الحقيقة الكبرى إلى النهاية.

وهذا يعنى أننا لا نحصل على سياق حقيقى للأحداث إلا بعد مرور أكثر من نصف ساعة من وقت العرض؛ فقد وجدت نفسى أمتعض من أسلوب السرد المجتزأ طوال الحلقة الأولى! إذ تعطى الحلقة -فى معظم فتراتها- انطباعاً بأن بريطانيا انسحبت بسبب التهديد السوفيتى (دون أى ذكر لأمريكا فى هذه المرحلة). والأكثر إثارة للدهشة هو أن دور إسرائيل لم يُذكر إلا قرب نهاية الحلقة الأولى.

صحيح أن الحلقة الثانية تعيد التوازن للأمور وتُبرز دور كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن العرض الأولى للأحداث كان مضللاً للغاية!

وبشكل عام، تم التقليل من شأن دور إسرائيل وأفعالها؛ فقد كانت الخطة الثلاثية تقضى بأن تتقدم إسرائيل بسرعة نحو القناة، ثم تصدر بريطانيا وفرنسا إنذاراً نهائياً يطالب «الطرفين المتحاربين بالانسحاب لمسافة 10 أميال على جانبى القناة». لكن القوات الإسرائيلية علقت فى سيناء -على بعد 120 ميلاً من القناة- مما جعل «الإنذار» يعنى عملياً تراجع مصر مسافة 130 ميلاً وتقدم إسرائيل نحو القناة!.

ثمة جانب لم يتم التطرق إليه، وهو ما فعله الإسرائيليون فى المناطق الخلفية؛ فقد أدى هجومهم إلى سيطرة إسرائيل على قطاع غزة، وسارعوا – وهو أمر سيصدم القراء بلا شك- إلى ارتكاب مجازر بحق الفلسطينيين. ففى الفترة ما بين 29 أكتوبر و12 نوفمبر، نفذ الإسرائيليون ثلاث مجازر منفصلة فى غزة: فى كفر قاسم (فى اليوم الأول للغزو)، وفى خان يونس (بتاريخ 3 نوفمبر، حيث قُتل ما يقرب من ثلاثمائة رجل فلسطينى)، وفى رفح (بتاريخ 12 نوفمبر، حيث قُتل أكثر من 100 رجل). ولم يرد أى ذكر لهذه الأحداث فى أى من الحلقتين.

يُعد هذا العمل وثائقياً تاريخياً قيّماً يتناول واحدة من أهم المحطات فى التاريخ البريطانى الحديث؛ إذ يبرز كيف أن الإمبراطوريات الآفلة غالباً ما تخوض مغامرات وحشية ومتهورة فى محاولة لتعزيز مكانتها المتراجعة، وكيف تكشف هذه المغامرات فى كثير من الأحيان عن مدى ضعف تلك الإمبراطورية. ولعل فى ذلك درساً يجدر ببعض أركان المؤسسة الأمريكية مشاهدته واستيعابه.

شاهد أيضاً

وداعا “أحمد الياباني” الذي حول الفداء إلى ضمير عالمي

في مشهد مهيب يليق بحجم الرجل، ودع العالم قبل أيام أحد أعظم رموز النضال الأممي، …