
في مشهد مهيب يليق بحجم الرجل، ودع العالم قبل أيام أحد أعظم رموز النضال الأممي، المناضل الأسير المحرر كوزو أوكوموتو، أو كما عرف في وجدان الأمة العربية بـ”أحمد الياباني”. ذلك الثائر الذي حمل بندقيته في سن مبكرة، ليخلد اسمه في سجلات المقاومة كأحد أبطال عملية مطار اللد الفدائية في 30 مايو/أيار 1972، تلك العملية التي هزت الكيان الصهيوني وأحدثت زلزالا في الضمير الإنساني.
ولد أوكوموتو في اليابان عام 1947، في بلد يعرف تماما معنى الاحتلال والدمار، حيث شهدت مدنه ويلات القنبلة الذرية. نشأ في بيئة يسارية متأثرة بمناهضة الإمبريالية، والتحق بحركة “الجيش الأحمر” الياباني، التي كانت تؤمن بأن تحرر الشعوب لا يمكن أن يكتمل إلا بتضامن أممي حقيقي. لم يكن أوكوموتو مجرد مناضل عابر، بل كان نموذجا للثائر العالمي الذي يرى في قضية فلسطين قضية كل أحرار العالم.
في ربيع شبابه، اتخذ قرارا مصيريا: أن يضع حياته رهن إشارة الثورة الفلسطينية. سافر إلى لبنان، تدرب في معسكرات الفدائيين، وتعلم اللغة العربية، واختار لنفسه اسما عربيا هو “أحمد”، ليصبح واحدا من أبناء هذه الأمة، روحا وقلبا ودماء. عملية مطار اللد.. حين هز العالم كيان الاحتلال
في صبيحة ذلك اليوم المشهود، انطلق كوزو أوكوموتو ورفيقاه (أسامة وعدنان) لتنفيذ عملية نوعية في مطار اللد (الذي يعرف الآن بمطار بن غوريون). كانت العملية ردا على المجازر الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، وخاصة مجزرة مطار ميونخ التي سبقتها، والتي راح ضحيتها رياضيون فلسطينيون.
دخل الثلاثة المطار حاملين حقائبهم التي كانت تخفي أسلحتهم، وعندما وصلوا إلى صالة الركاب، فتحوا النار بشكل كثيف، وألقوا القنابل اليدوية، مما أسفر عن مقتل 24 شخصا وإصابة العشرات. كانت العملية صادمة للكيان الصهيوني؛ لأنها أثبتت أن المقاومة قادرة على ضرب أعمق معاقل الاحتلال، وأن التضامن الأممي مع فلسطين ليس مجرد شعارات .
أصيب أوكوموتو بجروح خلال العملية، وتم اعتقاله من قبل القوات الصهيونية. حوكم وحكم عليه بالسجن المؤبد. لكن سجنه لم يكن نهاية قصته، بل كانت البداية الحقيقية لمرحلة جديدة من نضاله.
في سجون الاحتلال، تحول أوكوموتو إلى رمز للصمود. تعلم العبرية، وتعمق في دراسة القضية الفلسطينية، وأصبح مرجعا تاريخيا ونظريا للعديد من الأسرى. رفض كل عروض الصفقات التي تمس كرامته، وأصر على موقفه المبدئي: أن فلسطين لكل أحرار العالم، وأن الاحتلال زائل لا محالة.
سقط الجسد لكن الفكرة باقية للأبد
بعد 13 عاما قضاها في الأسر من العام 1972، تحرر أوكوموتو في صفقة تبادل الأسرى عام 1985، لكنه لم يغادر الأراضي المحتلة، بل اختار البقاء في الضفة الغربية، متزوجا من مناضلة فلسطينية، ومكرسا حياته للتوثيق التاريخي والنضال السياسي والثقافي. ظل يعيش بين الفلسطينيين، يتنفس هواءهم، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم، حتى آخر أيام حياته.
يوم رحيله، توقفت الحركة في قلوب الملايين. لكن الموت الجسدي لم ينهِ حضوره، بل حوله إلى رمز خالد، إلى نجم يضيء في سماء النضال الأممي.
يقول المثل الشعبي: “سقط الجسد، لكن الفكرة والأثر، باقيان للأبد”. وكوزو أوكوموتو كان مثالا حيا لهذه الحقيقة. لم يمت بموته، بل انتقل إلى مرحلة جديدة من الخلود، حيث صار أيقونة يتحدى بها المناضلون في كل مكان الاستعمار والهيمنة والاستغلال.
إرث أممي وإنساني
لم يكن كوزو أوكوموتو مجرد مقاتل، بل كان فيلسوفا للنضال، وإنسانيا بامتياز. كان يؤمن بأن تحرر الإنسان من الظلم هو الهدف الأسمى، وأن الشعوب المستضعفة في كل مكان يجب أن تتحد ضد الإمبريالية والصهيونية والاستبداد.
في كتاباته ومقابلاته، كان يردد أن الثورة ليست مجرد عنف، بل هي مشروع نهضوي شامل يعيد للإنسان كرامته وعزته. وكان يحذر من أن الاستعمار لا يقهر بالأسلحة وحدها، بل بالوعي والثقافة والوحدة .
المجد له ولرفاقه
برحيل كوزو أوكوموتو، تخسر الأمة العربية واحدا من أبرز أبنائها بالتبني، وتخسر الإنسانية واحدا من أعمدة العدالة في العصر الحديث. لكن إرثه سيبقى، تتوارثه الأجيال، ويعيدون إنتاجه في سياقات جديدة، كلما اشتد الظلم، وطغى الطغيان.
لقد كان أوكوموتو نموذجا فريدا في تاريخ النضال الأممي: ياباني الهوية وفلسطيني الانتماء وإنساني الرؤية وثوري الممارسة. لقد حمل بندقيته يوما، وقلمه سنوات، وضميره طوال العمر.
المجد لك يا أحمد الياباني، المجد لرفاقك المناضلين، المجد لكل من يؤمن بأن الحرية ليست وهما، وأن الكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار.
“سيبقى نجما وكفاحيا وإنسانيا وأمميا على مدى العصور، يضيء للمناضلين والمناضلات طريق التحرر من الإمبريالية والصهيونية والهيمنة والاستغلال ،
وداعا كوزو.. وداعا أيها الثائر الخالد. إلى لقاء في دروب النصر القادم، حيث ترفرف رايات العدالة في كل سماء، وحيث يسكن الأحرار في وطن لا يحتله ظالم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
مجلة 24 ساعة