الرئيسية / صحافة ورأي / سوط وثلاث نساء

سوط وثلاث نساء

سهام ذهنى
صحت فى “العربجى” : “حرام عليك ، لا تضربه” ، تجاهلنى تماما بينما نظر لى بعض المارة المتعجلين بدهشة ، فبينما كنت أسير فى أحد شوارع “المهندسين” التى تتكدس السيارات على جانبيها فيضيق بسببها مجرى الطريق رأيت عربة كارو يجرها حصان بصعوبة بسبب المكدس فوقها من أحمال كبيرة من الحجارة والواضح أنها نتاج من هدم إحدى الفيللات .
تلك العربة كان يعمل عليها اثنين من الشباب يلهب أحدهما ظهر الحصان بسوط فى يده كى يسرع فى سيره ، بينما الشاب الآخر يجذب الحصان بعنف من عنان السرج عند حزام الجبهة كى يحثه على الإسراع ، إلى أن توقف الحصان تماما عن السير ، فما كان من الشاب إلا أن أخذ يزيد من لهيب السوط على ظهره ، كررت كلماتى للشاب “العربجى” حول ضرورة التوقف عن ضرب الحصان ، فاضطر أن يرد علىّ مبررا تصرفه بأن الحصان “بيستهبل” ، قلت له : “بل الحمل ثقيل ، يجب تقليل الحمولة ونقلها على مرتين” . عاد إلى تجاهل وجودى مستمرا فى ضرب الحصان بالسوط ، بينما كانت سيدة فى السيارة التى من خلفه تلهب هدوء الشارع بصوت استخدامها لآلة التنبيه . ذهبت إلى السيدة التى فتحت زجاج السيارة وأوقفت الموسيقى كى تسمعنى فنبهتها إلى أنها كلما كررت استخدام آلة التنبيه كلما اندفع الشاب بالسوط على ظهر الحصان وأن عليها الهدوء قليلا رحمة بالحصان . وبفتحها للشباك وإيقافها للموسيقى تبينت السيدة الأنيقة ما يحدث من حولها ، فإذا بها تتحدث بطريقة أكثر ايجابية من الرجال الذى مروا فى الشارع ومن البائعين الواقفين على أبواب المحلات التى تشهد كسادا فى الفترة الحالية ، والذين تكررت من معظمهم النصيحة لى بأننى من الأفضل ألا أشتبك بالكلام مع “عربجى” ، فى استخدام منهم للكلمة وكأن من ينتمون إلى هذه المهنة يتصفون بأنهم من السهل عليهم الاشتباك اللفظى مع غيرهم (وإن كنت أرى أنها صفات سارية بضراوة بين كل الفئات اليوم) . ما علينا ، بالعودة إلى المشهد السابق ، ما جرى هو أن السيدة قد أخرجت رأسها من شباك السيارة وصاحت فى العربجى (بشجاعة الغشيم) : “إنت ماعندكش إحساس ، كفاية ضرب فى الحصان” . فى اللحظة نفسها مرت إلى جوارى سيدة ملامحها شعبية تحمل فوق رأسها كيس بلاستيك شفاف واضح أن الذى بداخله هو حبات من الطماطم لا تتدحرج من فوق رأسها التى تحقق لها التوازن عبر حركة محسوبة من رقبتها ، وهى توجه عينيها باتجاه مشهد الحصان والسوط  بينما ساقيها تبدوان فى تتابع خطواتهما منفصلتان وتواصلان السير فى الطريق الذى حددته لهما .
بوصول تلك المرأة أمدتنى حركة الشبشب الذى يتحرر طرفيه من كعبى قدميها بين الخطوة والأخرى بأن صاحبته تقدر على أن تسحب فى الوقت المناسب إحدى فردتيه بخفة وتطرقع به على رأس من يتشدد ضدها (وربما ضدنا) ، فقلت لها بلهجة تحريضية : “حرام عليهم” . فإذا بصوت جهورى يندلع من بين شفتيها ليس عبر شجاعة غشيم وإنما عبر قدرة خبير قائلة : “هو مفيش دم عند الخلق ، الحصان حيفطس فى إيد الوله” ، كانت صيحتها هى ساعة الصفر التى تحرك على أثرها الرجال المتلطعون على جنبات الطريق ، حيث صاح أولهم أثناء تحركه باتجاه العربة الكارو مناديا : “زقة للنبى” ، فامتدت الأيدى تدفع بالعربة من الخلف فى إعانة بشرية جماعية للحصان الذى توقف صوت السوط الذى كان يلهب ظهره ليحل محله صهيل وكركرة عجلات خشبة العربة المكدس فوقها الطوب .
ثم مع ابتعاد الصوت ومواصلتى السير فى طريقى بعث المشهد السابق إلى ذهنى بالرد الذى لم يأتِ على لسان العربجى حين قلت له وهو يلومنى لدفاعى عن الحصان بأننى إذا رأيت أحدا يحّمله هو نفسه أكثر من طاقته لكنت قد دافعت أيضا عنه . تعليقه على قولى هذا لم يصلنى منه عبر كلمات ، إنما جاءنى التعليق من عينيه التى نظر بهما فى اتجاهى نظرة تنطق بأن مثلك لا يتخيل ما أتحمله من أعباء .
هل كان السؤال الذى تولد عندى من تلك النظرة هو لماذا اهتمامى بتخفيف العبء عن الحصان دون الاهتمام من قبل بأعباء مثل هذا الشباب ، أم كان السؤال الذى داهمنى هو : حتى متى يسكت مثل هذا المظلوم على الظالم له ، ثم يصب همه على برئ فيظلمه مثلما وقع عليه هو الظلم من غيره .

شاهد أيضاً

تجاوزات “أوبن أي آي” تدق ناقوس الخطر

كيف تمكنت نسخة تجريبية من “تشات جي بي تي” من الإفلات من بيئتها الخاضعة للرقابة، …