الرئيسية / كلمة العدد / الدراما والسينما والأغانى تدعم القوة الناعمة

الدراما والسينما والأغانى تدعم القوة الناعمة

مع ربيع هذا العام وفى شهر آذار «مارس» عقدت كلية الآداب – جامعة عين شمس مؤتمراً عن «القوة الناعمة.. وصناعة المستقبل».. قدمت فيه أوراق بحثية متعددة لأساتذة متخصصون وخرج المؤتمر بخمسة عشر توصية كانت فى مقدمتها الطلب لعودة وزارة الإعلام بدلاً من الهيئات العامة المستحدثة.
وتحققت التوصية الرئيسة فى هذا المؤتمر الذى رأسته الدكتورة سوزان القلينى بموافقة مجلس النواب برئاسة الدكتور على عبدالعال على التعديل الوزارى وفقاً لقرار رئيس الجمهورية بتعيين أسامة هيكل وزيراً للدولة لشئون الإعلام، وهو خبر أثلج قلوب معظم العاملين فى المجال الإعلامى بعد أعوام من التخبط فى إدارة السياسة الإعلامية فى مصر ومع إعادة توزيع خريطة الإعلام داخل الدولة المصرية، ففى إطار الملكية تم تفكيك صحف وقنوات فضائية وأيضاً دمج كيانات أخرى وإنشاء كيانات ثالثة، ثم إقصاء وجوه إعلامية عن المشهد، وبعد أن شكل هذا التخبط والإرباك فى الخريطة الإعلامية خطراً كبيراً على الإعلام كصناعة ومهنة، وتراجعت المهنية الإعلامية بشكل حاد وربما اختفت تماماً وأصبح من المهم وضع خطوات جادة لإنقاذ مستقبل المهنة.
وارتبط كل ما يحدث على الساحة الإعلامية بالحديث والحوار حول أهمية دور القوة الناعمة وقدرتها على تحديد القضايا الهامة وتأثيرها على الجمهور.
والحقيقة أن مفهوم القوة الناعمة ليس جديداً تماماً، لكن المصطلح ذاته ابتكره الباحث والأستاذ فى جامعة هارفرد «جوزيف س. ناى» Joseph. S.Nye فى تسعينيات القرن الماضى، وسلط فيه الضوء على قدرة بعض الدول على استثمار عناصر الجذب الحضارية والثقافية دون الاضطرار إلى اللجوء للإكراه بهدف الإقناع ونشر الدعاية والفكر الوطنى عبر الآداب والفنون، وأحياناً عبر الدبلوماسية الرشيقة.
ويشير جوزيف ناى الرئيس السابق لمجلس الاستخبارات الوطنية الأمريكية فى كتابه «القوة الناعمة» أن عدداً من الدول الآسيوية والأفريقية تمتلك مصادر مثيرة للإعجاب من فنون وثقافات قديمة وأزيائها ومطابخها وكان لها تأثير قوى على أجزاء العالم الأخرى طيلة قرون بالإضافة إلى المد الثقافى للصين واليابان وبلدان آسيوية صغيرة كسنغافورة وكوريا الجنوبية وماليزيا وغيرها اتبعت استراتيجية اليابان بشكل وثيق لاستهداف الصناعات الاستراتيجية لتحقيق التنمية وتمويل مشاريع كبرى والتصدير بقوة وحماية صناعاتها الناشئة.
وللقوى الناعمة آثارها فى استقطاب السياح وإنعاش قطاع السياحة عبر الترويج لها من خلال قنوات فنية أو ثقافية، ونجحت بعض الدول فى الوصول إلى شرائح واسعة من السياح الأجانب عبر الأفلام والمسلسلات.
والتجارب كثيرة فى تصاعد.. اعتماد الدول على وسائل الجذب الثقافى والإعلامى فى دعم الاقتصاد الوطنى، وتعزيز أرصدة القوة التى تمتلكها من خلال التأثير على توجهات الشعوب، ولعلنا نذكر عندما تصدرت الأخبار فى وسائل الإعلام العربية والدولية أخبار أغنية «ديسباسيتو» التى حققت نجاحاً مذهلاً وجذبت عدد كبير من المشاهدات على اليوتيوب من مختلف أنحاء العالم، وصلت إلى حوالى ٢٫٦ مليار مشاهدة ولا يقف تأثير الأغنية عند حد الانتشار العالمى، بل إنها استطاعت أن تجذب السياحة إلى دولة بورتوريكو التى كانت قد أعلنت إفلاسها، إذ ارتفعت السياحة خلال الأشهر الماضية بنحو ٤٥٪ مما ساهم فى إنعاش الاقتصاد نسبياً، الأمر الذى وصفه البض بمعجزة «ديسباسيتو»، ولقد كشف الانتشار العالمى لأغنية «ديسباسيتو» الإسبانية عن أهمية الأبعاد الثقافية، خاصة الفن باعتبارها أهم مصادر القوة الناعمة للدولة، وعقب صدور الأغنية أضحت دولة بورتوريكو تحظى باهتمام عالمى واسع النطاق بالإضافة إلى تزايد معدلات تدفق السياحة إليها بزيارة المعالم السياحية التى عرضها فيديو الأغنية.
كما استطاعت الدراما التركية فى السنوات الماضية الترويج للثقافة التركية – بغض النظر عن خلافاتنا السياسية مع تركيا – ولمواطن الجذب الثقافى، فأصبحت مدينة اسطنبول التركية تصنف من أهم ١٠ مدن جاذبة للسياحة فى العالم فوصل عدد السياح إلى حوالى ٤٠ مليون سائح ووصل دخل تركيا من السياحة إلى أكثر من ١١ مليار دولار، فعادة يذهب السياح إلى الأماكن التى تظهر فيها المسلسلات للانخراط فى الثقافة والحياة المحلية التى ارتبطوا بها عبر الشاشات التليفزيونية، ولم تتوقف الفائدة الاقتصادية العائدة من المسلسلات التركية عند حد جذب السياحة، فقد تم تصدير الدراما إلى حوالى ١٤٠ دولة بإيرادات تقدر بنحو ٣٥ مليون دولار سنوياً، ومع تصاعد موجة الدراما ورواجها بين الشعوب العربية قبل تصاعد الخلافات السياسية بينها وبين تركيا – أصبحت المنتجات التركية متواجدة بصورة ملحوظة فى الأسواق العربية، خاصة فى قطاع الأزياء وغيرها من المنتجات.
وهذا ما تفسره نظريات «ثقافة الاستهلاك» التى تؤكد أن الاستهلاك لا تحكمه العوامل المادية فقط، بل إن الفرد يستهلك مجموعة المعانى والرموز والصورة الذهنية المرتبطة بالسلعة، فإعجاب الأفراد بنمط وقيم ثقافية معينة يزيد ميلهم لاستهلاك منتجاتها ورغبتهم بأن تكون حياتهم مطابقة لتلك الصور، وهو ما ينطبق على ما أشار إليه جوزيف ناى بأن القوة الناعمة هى القدرة على الجذب.

وللحديث بقية..
مودى حكيم

شاهد أيضاً

فنانون ضمير عصرهم«17»
ونحن في مرحلة إعادة البناء!

رغم كل ما كتب عن مسلسلات رمضان التليفزيونية الواحد والعشرين أو أكثر، من آراء وتعليقات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.