رغم كل ما كتب عن مسلسلات رمضان التليفزيونية الواحد والعشرين أو أكثر، من آراء وتعليقات لمسؤولين ونقاد ومدمني تواصل اجتماعي، يؤكدون أن هذا الموسم أفضل من العام الماضي، مسلسلات كثيرة عجَّزتُ عن تذكر أسمائها، كم من المحتوي التليفزيوني أغدقت عليه ملايين الجنيهات، وأقر وأعترف بأني لم أشاهد منها الكثير، لكن ما شاهدته يكفي، رأيت في الكثير منها كم من النصب والاحتيال والكراهية والشر على القوي والضعيف، حتى الغلابة لم يسلموا من شر هذه الكائنات، الأخ يقتل أخاه والصديق خائن لصديقه، مسلحين بالسكاكين والأسلحة المختلفة، بما فيها قطع من الحجارة، ومدججين بالحوارات المزرية المعبئة بخراطيش التعبيرات الدنيوية، المغلفة بالسب واستخدام ألفاظ مهينة أو نابية، والتلفظ بمسبات، وكلمات بذيئة من القاع لا تصدر إلا من الجرذان في طريق الظلمات، تحت غطاء خفة الدم وإضحاك المتفرج، ونسى أولو أمر الإنتاج التلفزيوني ونجومه، أن المشاهد بكل أعماره يسمع ما يقول النجوم ويقلدونه.
إذا كان هذا تحت مفهوم فلسفة جذب الجمهور وشعار “الجمهور عايز كده”، فنحن مع الأسف أمام مسلسلات منتجوها ونجومها نسوا دورهم، وأصابهم الغرور، نسوا أننا في مرحلة إعادة تأهيل لجيل كاد يفقد هويته بين مؤامرات التطرف السياسي وتشتيت المبادئ والقيم تحت مسمى الدين وتشويه العقول وتسطيح الفكر والثقافة، بالإضافة للمشاركات الملوثة، على صفحات التواصل الاجتماعي، ترسخ كل ما هو سيئ، تضر، وتولد عدم الثقة والعدوانية، والأنانية.
محتوى تليفزيوني مصاحب بسلوكيات غريبة لفنانين نسوا دورهم في المجتمع، انشغلوا بالحصول على لقب الأشهر، والأفضل، والأكثر مشاهدة.
نسوا أن الفنان ضمير عصره، والمهمة التي يحملها كجندي أول في معركة البناء ينوء حاملوها بها،
***
فهي تكاد تشبه رسالات الحكماء والفلاسفة والمفكرين، والأبطال.. سياقات ابتعد عنها العديد من الكتاب والفنانين والمنتجين.
***
ومع المؤسف أن معظم ما يقدم على شاشاتنا لا يعكس الواقع الاجتماعي والسياسي، ولا يوثق معانة الشعب وأفراحه، وبالتالي لا يمكن أن يكون يوماً شاهد على العصر الذي نعيشه. لابد أن يستخدم الفن التليفزيوني لإثارة الحوار حول القضايا المجتمعيّة، وكشف الحقائق، وتسليط الضوء على الظواهر السلبية لمعالجتها، وليس بعرضها بغرض التشويق والإثارة، لا بد أن يساهم في نشر الجمال، وتحسين الحالة النفسية للمتلقي وتهذيب الأخلاق.
لا بد من عودة المثقفين والفنانين كحراس للقيم، بعد أن فضّلت الغالبية البقاء في منطقة الراحة والاستمتاع بامتيازات الشهرة والنجومية، نسوا أن الفنان مجرد صانع جمال، بل هو ضميرٌ حيٌّ لعصره، وشاهدٌ أخلاقي على ما يجري في العالم من عدلٍ أو ظلم، فهو مرأة المجتمع ومهندس وعيه، يشكل الهوية الثقافية، ويطرح قضايا الحاضر برؤى إبداعية تلهم الأجيال القادمة، وتساهم فى رقي حضارة الدولةّ، والارتقاء بالذوق العام، بتعزيز القيم الجمالية ، وتوثيق التاريخ، مما يضمن استمرارية القيم الحضارية.
لقد شغلت قضية الالتزام حيزاً كبيراً من فلسفة الفن الجميل، والالتزام الفني لا يتعدى كونه حزم الأمر على الوقوف بجانب قضية ما سياسية كانت أو دينية عقائدية أو اجتماعية أو فنية، والانتقال من التأييد الداخلي إلى التعبير خارجياً عن هذا الموقف بكل ما ينتجه الفنان من إبداع.. ومن الضرورة أن يكون هذا الالتزام نابعاً من وعي عميق بمشاكل الحياة والإحساس الإنساني للمشاركة في جبهة الحق والعدالة فيصدر عن الفنان ما ينم عن الفهم والانتماء الصادق الذي يدفعه لرفع شعار الإنسانية بعيداً عن التعصب أو الفهم المقلوب للأشياء والحقائق، فالفنان بطبيعة الحال مطالب من أعماقه أن يتفاعل مع الآخرين ويكون إلى جانبهم.. فالوقوف على الضفة الأخرى والاستغراق في التأمل الشخصي ليس من صفات الفنان الحقيقي ولا يمت له بصلة في أي عصر من العصور.
يمتلك الفنان عادة المؤهلات اللازمة للمشاركة بجدية وفعالية في تطور العالم الإنساني ودفعه للأفضل ودحر بشاعة الظلم والجهل، وغرس نفوس الأجيال الناشئة القيم والتقاليد، مما يربطهم بجذورهم ويحمي هويتهم من الاندثار فى ظل العولمة، فهو قادر على خلق انسان جديد وزرع الوعي في جنباته، كونه يرتكز في فنه على تقديم تجربة حية نابضة.. مكتملة معرفياً ومنطقياً ومقدمة بصورة حسية تجسد المفاهيم الصادقة والحقيقية، ليعايشها الفرد كمتلق ويتشرب بمفاهيمها ، فمن خلال العمل الفني يورث الفنان القيم الإنسانية النبيلة، والإبداع، ويعمق مشاعرالفخر والانتماء للوطن ، ويعزز تماسك المجتمع وصموده، والمثابرة للأجيال المستقبلية، فيبنى أساسه ويصلب عوده بالاتجاه السليم والصحيح.
الالتزام الحقيقي للفنان هو أن يسعى إلى الكشف عن الحقيقة الجمالية ويعرضها للمجتمع، فعلى الفنان أن يقف في حياته بجانب الحق والجمال، فما يلتزم به من مبادئ هو واجبه الذي عليه الالتزام به وإنجازه في مضمار الفن ويصدره للمجتمع.
أيها الفنان.. أنت مرآة المجتمع ومهندس وعيه، أنت تشكل الهوية الثقافية، وتطرح قضايا الحاضر برؤى إبداعية تلهم الأجيال القادمة، وتساهم فى رقي حضارة الدولةّ، والارتقاء بالذوق العام، بتعزيز القيم الجمالية، وتوثيق التاريخ، مما يضمن استمرارية القيم الحضارية.
تذكر أنك ضمير عصرك، وأن هناك ملايين الأطفال والنشء والشباب يراقبونك، يقلدونك فى كل كلمة أو فعل، دون إدراك أو وعي، رجاء أن تترك بصمة مفيدة تزيد من ثقافتهم وتعكس النظرة الإيجابية في الحياة.. لا تجعل زيادة عدد المتابعين، والاستفادة من عوائد الإعلانات، والشهرة دون النظر لجوهر المحتوى الذي تشارك فيه، تجذبك وحدها، وتذكر أن اكثر من ستون مليون من تعداد مصر يقلدون كل حركة وهمسة وكلمة تنطق بها، ويقتدون بك.
مجلة 24 ساعة