زيارة البابا لاوون الـ14 للجزائر هي أكثر من حدث دبلوماسي وأكثر من زيارة دينية بالنسبة إلى الطرفين، ففي المنظور الجزائري تعد زيارة استثنائية لشخصية عالمية استثنائية، وأما البابا فيرى فيها زيارة سيقف فيها على روح القديس أوغسطين ابن الجزائر الذي يعتبره أستاذه الأول والأهم، بهذا المفهوم البابوي فهي زيارة القلب والروح والشغف.
أن تستقبل الجزائر ضيفاً من هذا العيار الروحي الديني الوازن، فهذا يجعلها تحت أنظار العالم السياسي والروحي، بوصفها أول زيارة بابوية لبلد عربي أو أفريقي يقوم بها البابا الجديد، إنه من دون شك اختيار له دلالاته السياسية والدبلوماسية والثقافية والروحية.
إن زيارة البابا للجزائر ليست زيارة دينية كما هي زياراته السابقة لبلدان مسيحية، حتى وإن كان برنامجه الرسمي يتضمن، من دون شك، زيارة بعض الكنائس التاريخية الكبرى التي لا تزال مفتوحة ونشطة في الجزائر، ككاتدرائيتي السيدة الأفريقية وكاتدرائية القلب المقدس Sacré cœur بمدينة الجزائر العاصمة وكاتدرائية القديس أوغسطين بمدينة عنابة، فالبابا يدرك جيداً بأنه، وهو الرمز المسيحي الكاثوليكي الأول في العالم، يزور بلداً مسلماً أو بالأحرى غالبية سكانه من المسلمين، أي إنه في أرض المسلمين، ولهذا دلالاته، حيث ما ننتظره ليس زيارة البابا ليصلي مع مسيحيي الجزائر، وإن كان هذا أمر مهم جداً على المستوى الروحي بالنسبة إلى مسيحيي الجزائر من المواطنين والمقيمين، بل الرسالة التي سيرسلها لأتباع دين آخر وهو الإسلام، وهنا تكمن أهمية هذه الزيارة، فالبابا بهذه الزيارة سيعيد طرح النقاش الهادئ بين الديانتين المسيحية والإسلام، ومحاولة الذهاب بهذا الحوار إلى المربع المهم، وهو تكريس العيش المشترك بين سكان الضفة الشمالية والجنوبية للبحر الأبيض المتوسط بغض النظر عن عقائدهم الدينية، لأن السلم واحترام الآخر هو الذي يجعل من المؤمن يمارس طقوسه الدينية متحرراً من التوظيف السياسي للدين.
هذه الزيارة حتى وإن لم تكن دينية في بعدها الاستراتيجي إلا أنها ستكون، من دون شك، لحظة يسعى الجزائريون فيها إلى طي صورة سيئة ومشوهة، تلك التي كثيراً ما سوقت في العالم عن بلدهم منذ الثمانينيات، أي منذ بداية صعود التيار الإسلامي المتشدد التي تكرست في العشرية السوداء، إن ساعة حضور البابا في الجزائر هي رسالة توحي للعالم من حولنا بأن الجزائر قد دخلت مرحلة تاريخية جديدة، مرحلة البحث عن التعايش المشترك، مرحلة قبول الآخر المختلف، احترام الأقلية المسيحية في الجزائر، واحترام الدستور الجزائري الذي يكرس حرية المعتقد ويضمنها.
هذه الزيارة ستكون رسالة شعبية واضحة للعامة، في بلادنا وفي العالم، بأننا لسنا أمة منغلقة ولا مغلقة، إننا وإن كنا في بلد الغالبية فيه مسلمون، إلا أن هذا لا يتنكر ولا يتعارض مع حرية الأقليات الدينية الأخرى التي تعيش على هذه الأرض في ممارسة طقوسها وشعائرها الدينية.
هذه الزيارة أيضاً ستعيد للجزائريين تلك الصورة المثالية التي امتزج فيها دماء الشهداء من كل الديانات من أجل استقلال الجزائر، ففي الثورة الجزائرية شهداء ومجاهدون ضحوا وقاوموا الاستعمار الفرنسي، وهم من ديانات مختلفة من المسلمين والمسيحيين واليهود، من الشهيد العربي بن مهيدي وأحمد زبانا وبن بولعيد وديدوش مراد ولطفي، مروراً بفيرنوند إيفتون وهنري عليق ووليام سبورتيس ورايمون بيشار وموريس أودان فرانتز فانون وجان إيرفوآس وبيير شولي والأب ألفريد برانقير وإيفلين لافاليت وأندري ماندوز ومونسينيور دوفال رئيس أساقفة الجزائر، ابتداء من 1954 الذي كان يطلق عليه اسم محمد دزفال وجان فرانسيس وغيرهم، وأمثال هؤلاء الشهداء والمجاهدين يعدون بالآلاف.
هذه الزيارة البابوية تحمل رسالة مفادها بأن بناء البلدان الحضارية الكبرى اليوم تقوم على المواطنة الصالحة، وعلى الأخلاق الإنسانية النبيلة العالية، وأن المواطن الصالح المنتج موجود في الديانات جميعها وحتى في غير الديانات، وأن الحركى والخونة موجودون أيضاً في كل الديانات وفي غير الديانات.
وفي مدينة عنابة (هيبون قديماً)، إذ سيزور البابا لاوون الـ14 كاتدرائية القديس أوغسطين ابن سوق أهراس (تاغاست قديماً) وهي واحدة من معالم المدينة ومتحف من متاحفها وذاكرتها الحية الشاهدة على ماض جزائري ضارب في الأعماق، فإن وقفته هذه ستمثل للنخب الثقافية والسياسية والدينية لحظة تاريخية مهمة، إذ إنها تذكرنا بأن تاريخ هذا البلد أي الجزائر لم يبدأ مع وصول الإسلام إليه، بل هو أبعد من ذلك بكثير، وعلينا أن نفتخر بهذا الماضي وحفظه، واليوم تسعى الدول جميعها إلى حفظ ذاكرتها والافتخار بها، وما نشاهده في المملكة السعودية التي تعود لتثمين تراثها العريق ما قبل الإسلام يدل على أن الشعوب لا تتقدم إلا إذا كانت تعرف من أين جاءت.
هذه الزيارة البابوية ستكون من دون شك لحظة سيتساءل فيها العقل الجزائري عن ماضيه العميق والمتراكم والمتنوع، وستساعده على التحرر من أسوار الدوغمائية التي تم تسييجه بها منذ سبعينيات القرن الماضي.
من دون شك ستكون هذه الزيارة البابوية أيضاً فرصة للجزائريين، أقصد هنا النخب الفكرية والجامعية والإبداعية، أن تحفر في تاريخها العريق الذي مثلته أقلام وشخصيات تاريخية وأدبية وفلسفية ودينية كبيرة من أمثال أبوليوس صاحب كتاب “الحمار الذهبي”، وهي أول رواية في تاريخ السرد العالمي، والقديس الثائر دونا والملك العالم يوبا الثاني ويوغورطة وسيفاكس وتاكفاريناس وماسينسسا وغيرهم.
منذ أن صعد الدخان الأبيض من اجتماع الكرادلة بالفاتيكان، ومع أول خطاب له، عبر البابا الجديد عن حبه لعنابة وعن شغفه بأفكار أستاذه القديس أوغسطين العظيم ابن سوق أهراس وأسقف عنابة (هيبون أو بونا سابقاً)، وها هو اليوم بهذه الزيارة يؤكد هذا الحب وهذا التتلمذ، فالقديس أوغسطين بالنسبة إلينا اليوم ليس رجل دين فقط بل هو كاتب يعد من أوائل من كتبوا فن الأطوبيوغرافيا (السيرة الذاتية)، وهو فيلسوف ورجل مسكون بفن المسرح أيضاً.
إن هذه الزيارة من دون شك ستصالح الجزائري مع تاريخه، ستقرع ربما أجراس الوعي لإعادة النظر في محتويات برامج المدرسة الجزائرية، ودعوة أيضاً إلى انفتاح الجامعة على هذه الثروات الرمزية الكبيرة والخروج من نفق الفكر المسيج بالأحادية، وهي أيضاً رسالة إلى الإعلام للخروج من الخطاب المغلق والمكرور.
هذه الزيارة البابوية، والعالم كله يتابعها، ستقدم صورة أخرى عن الجزائر التي كثيراً ما تم إخفاؤها من الإعلام العالمي تارة عن جهل، وفي كثير من المرات عن قصد، واختزالها في العنف والحرب الأهلية.
مجلة 24 ساعة
