من تسع سنوات ، و في عام 2017، عرض فيلم قصير لأول مرة في مؤتمر دبلوماسي للأمم المتحدة في جنيف ، أثار بعض الجدل، فقد صور الفيلم ويدعى “روبوتات قاتلة”، عرضاً تقنياً خيالياً من خلال تقديم درون صغير بما يكفي ليلائم راحة اليد، لكن كل شيء فيه يعتمد على الذكاء الاصطناعي، ووصفه مقدم العرض، أنه يمكن لمعالج الروبوت ( البروسيسور ) أن يتحكم بنفسه ويتفاعل أسرع 100 مرة من الإنسان، وهو مثل أي جهاز محمول هذه الأيام، به كاميرات وأجهزة استشعار، تماماً مثل الهواتف وتطبيقات الوسائط الاجتماعية الخاصة بك، ومن الطبيعي أن يتمتع بخاصية التعرف على الوجه، لكن الأهم أن داخل الطائرة الصغيرة، يوجد ثلاثة جرامات من المتفجرات التي يلقى بها في الهواء، وعندما تستعيد اتجاهها بسرعة تضرب مثل صاعقة من البرق جبهة الإنسان، ما يؤدي إلى ثقب صغير يكفي لاختراق الجمجمة وتدمير محتوياتها، لكن على رغم أن الفيلم الذي شاهده 75 مليون شخص، خيالي وليس فيلماً وثائقياً، فإنه طرح وقتها سؤالًا عن مدى القرب من تحقيقه على أرض الواقع، وهو ما أجاب عنه ستيوارت راسل أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة كاليفورنيا، الذي اعتبر أن التقنيات المطلوبة لدرون صغير مميت من النوع الذي تم تصويره في الفيلم موجودة بالفعل، وهي تحتاج فقط إلى التحسين في بعض المجالات، وتقليصها ودمجها .
لطالما صوّرت هوليوود الروبوتات والذكاء الاصطناعي على أنهما إبداعات مُلهمة وتهديدات خطيرة للبشرية في آنٍ واحد.
غالباً ما تكون أفلام الخيال العلمي التي تنتجها هوليوود عن الروبوتات القاتلة على شكل البشر، التي تتصرف من تلقاء نفسها لقتل الناس مثيرة للقلق، لكن على الرغم من أنها تعرض لمفاهيم خاطئة وتحمل كثيراً من المبالغات، فإن الروبوتات القاتلة الحقيقية تعمل الآن في الحروب والنزاعات، لكنها طائرات درون تقليدية أو صغيرة جداً يطلق عليها اسم “نانو درون” أدخلت البشرية إلى العصر الذي تم التنبؤ به وأصبحت أشبه بأسلحة الدمار الشامل في خطورتها على البشر، ما يثير المخاوف الآن هو تقنيات أبسط بكثير بدأت القتل في ساحة المعركة في أماكن مثل أوكرانيا وناغورنو قره باخ وبعض المواقع الأخرى في الشرق الأوسط، وبين حين وآخر تكشف الأخبار عن كيف تتحول الحرب الحديثة من خلال مزيد من طائرات الدرون المتطورة والدبابات والسفن والغواصات التي تحدد أهدافها وتتبعها وتدمرها بشكل مستقل عبر خوارزمياتها أو برمجتها، الأمر الذي يأخذ العالم إلى مكان خطير، مع مجموعة من المشكلات الأخلاقية والقانونية والتقنية لأن هذه الأسلحة، ستزيد من اضطراب الوضع الجيوسياسي العالمي ، من أصغر أنظمة الاستطلاع العسكري فى العالم ، الطائرة المسيرة النانوية بلاك هورنيت ، Black Hornet ، لا يتجاوز وزنها عن 70 جراماّ ، وقد سبق أن أعلنت بريطانيا أنها سترسل 850 طائرة من طراز “بلاك هورنيت” (الدبور الأسود)، كمنحة للقوات الأوكرانية كميزة حاسمة في القتال المدني الشرس الذي كان متوقعاً أثناء سعيها لتحرير بلداتها ومدنها. كما قامت الشركة المصنعة بتزويد هذه الطائرة لأكثر من 45 دولة فيما تجاوز عدد الوحدات المسلّمة 33 الف اضافةّ إلى عقود مع الجيش الأمريكى تتخطي قيمتها 300 مليون دولار ضمن برامج الاستطلاع المحمولة للجندي .
تعد “بلاك هورنيت” أو “الدبور الأسود” آلات بعيدة كل البعد عن المركبات الجوية الكبيرة غير المأهولة من طائرات الدرون التقليدية المرتبطة بالحرب على الإرهاب، مثل طائرات “بريداتور” و”ريبر” الأميركية، التي أوصلت الموت من ارتفاعات عالية جداً إلى أهدافها مع قدر كبير من عدم اللامبالاة، إذ إن “الدبور الأسود” أشبه بلعبة أطفال، حيث يبلغ طوله نحو ست بوصات ووزنه أقل قليلاً من ثمرة البرقوق، ويتمتع بالقدرة على التحرك في زوايا مختلفة، والتسلل عبر النوافذ، ويتميز بالحد الأدنى من الضجيج الذي يجعله غير مسموع على مسافة قريبة، الأمر الذي يمكنه من التسلل مباشرة إلى العدو، ودخول المركبات والمواقع الدفاعية الروسية وإرسال لقطات عالية الدقة وصور ثابتة عبر ثلاث كاميرات مثبتة في مقدمته.
يقود جندي في الخطوط الأمامية الـ”بلاك هورنيت” عبر شاشة صغيرة على غرار “آي باد” وجهاز تحكم يدوي أشبه بوحدة تحكم ألعاب الفيديو في التسعينيات، وهو بسعر 10 آلاف جنيه استرليني (حوالى 11900 دولار)، لكن من المؤكد أنه سيصبح أرخص سعراً في المستقبل على رغم أنه يقدم ما كان الجنود يتوقون إليه من معرفة ما يجري في نفس اللحظة داخل صفوف العدو والقدرة على رؤية ما يوصف في المفاهيم العسكرية بـ”ما يوجد فوق التل” دون الحاجة إلى إرسال بعض الوحدات الاستكشافية من قوات الاستطلاع.م
وعلى رغم استخدام طائرات الدرون، الكبيرة والصغيرة في عديد من العمليات في السابق بما في ذلك العراق وأفغانستان، كما هي الحال في استخدامها بالحياة المدنية، فإن الجيوش تجد لها استخدامات الآن كان من الممكن اعتبارها خيالاً علمياً قبل بضعة عقود. وتقدم أوكرانيا مثالاً على تعدد استخداماتها ولمحة عن المستقبل، فقد كانت هذه أول حرب كبرى يشاهدها الناس في الوقت الفعلي لحدوثها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح من الشائع الآن على “تويتر” مشاهدة لقطات لطائرة درون معدلة، وهي تلقي قنبلة يدوية على مأوى يضم عدداً من المشاة الروس النائمين أو إسقاط قنبلة من خلال فتحة دبابة، الأمر الذي يسبب أضراراً معنوية لباقي القوات على الأرض وفقاً للمعلومات الاستخباراتية الأميركية والبريطانية . وهكذا أصبحت طائرات الدرون تخوض حرباً جيدة جداً وأثبتت أنها المستقبل، وبخاصة بعد أن استخدمت في ميادين مختلفة بشكل مستقل أحياناً مثلما حدث في ليبيا قبل سنوات عبر طائرة درون تركية وفقاً لتقرير من الأمم المتحدة .
والأخطر من ذلك أن الأجهزة التي تعمل كجزء من حزمة أو سرب، وتطارد مجموعة من الأهداف في وقت متزامن تمثل كابوساً خطيراً، إذ يمكن تدريب أنظمة الكمبيوتر التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، على تشغيل عدة طائرات درون صغيرة كفريق واحد، فتخترق المباني والقطارات والسيارات، وهي محصنة إلى حد كبير من الرصاص وأقل عرضة للتشويش الإلكتروني لأنه لا يتم التحكم فيها عن بعد، وربما تكون مبرمجة على استخدام برنامج التعرف على الوجه أو قزحية العين أو حتى المشية في استهداف الأعداء.
في الأفلام السينمائية، تظهر الروبوتات الشريرة ككيانات واعية بذاتها تريد تدمير البشرية . الحقيقة أن الروبوت ليس شريراً بذاته فهو ينفذ البرمجة التي وضعها الإنسان . الخطر الحقيقي ليس ” وعي الروبوت ” بل سوء استخدام البشر لهذه التكنولوجيا، أو حدوث أخطاء برمجية كارثية . يرى بعض خبراء الذكاء الاصطناعي أن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها الحماية من هذا المستقبل المرعب هي أن تتخذ الدول إجراءات جماعية، كما فعلت مع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وحتى الأسلحة النووي، وعلى الرغم من أن هذا التنظيم لم يكون مثالياً، كما أن تنظيم الأسلحة الكيماوية ليس مثالياً إلا أنها ستمنع شركات الأسلحة من البيع العلني لهذه الأسلحة بالتالي انتشارها.
وفي حين يصعب تصنيع سلاح نووي أو شراؤه، إذا لم يوافق المجتمع الدولي على ذلك، فإن انتشار تقنية طائرات الدرون المستقلة باعتبارها جانباً سائداً بشكل متزايد للحياة التجارية والترفيهية، لن تنطبق على الأسراب القاتلة من هذه الطائرات. فى الوقت الذي تستثمر فيه الصين بشكل هائل في تكنولوجيا الروبوتات والذكاء الاصطناعي ، وهي تسعى لقيادة هذا المجال عالمياً.
ورغم أن عشرات الدول الأمم المتحدة دعت إلى تنظيم الروبوتات القاتلة، كما دعا البرلمان الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والأمين العام للأمم المتحدة، والحائزون على جائزة نوبل للسلام، والقادة الدينيون، والسياسيون، وآلاف الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي والروبوتات إلى التنظيم، تظل هذه الجهود مجرد آمال عريضة بلا إجابة مرضية ومنطقية من أصحاب القرار حتى الآن ، فالمستقبل مخيف .
مجلة 24 ساعة