الرئيسية / صحافة ورأي / هل يرمم الإنتاج المشترك واقع السينما العربية؟

هل يرمم الإنتاج المشترك واقع السينما العربية؟

الكاتب أشرف الحساني
الكاتب أشرف الحساني

يشكل الإنتاج السينمائي المشترك نموذجاً قوياً أصبحت تراهن عليه السينما العربية في سبيل تحقيق نهضة فنية قوية تجعلها تخرج من إسار التقليد الذي يطبعها. ذلك أن هذه العملية القائمة على التعاون بين شركات إنتاجية أجنبية متعددة لغرض تمويل فيلم سينمائي معين، أصبحت تحقق نجاحاً كبيراً بالنسبة إلى الفيلم، وتجعل المخرج ينتعش سينمائياً من دون أن يجد أي مشكلات في فرض رؤيته الإخراجية، لأن المخرج العربي عادة ما تعترضه مجموعة من المشكلات الاقتصادية التي تحول دون تحقيق أحلامه على الشاشة الكبيرة، بسبب قلة الإمكانات المادية وشح الدعم الرسمي الموجه لبعض الأفلام القصيرة مثلاً، التي تجعل طاقم الفيلم يعاني من الناحية المادية ويقلص حجم وسائله وطاقمه حتى لا يصطدم المخرج بالمنتج السينمائي.

على هذا الأساس، برز الوعي بقيمة الإنتاج المشترك وقدرته على تحديث السينما العربية وجعلها تنفتح على عوالم جديدة تجعل المخرج لا يفكر إطلاقاً في العملية الإنتاجية، بل يُطلق العنان لمخيلته الفنية وذائقته الجمالية. هكذا عملت بعض الأسماء العربية على الدخول بعد مرحلة الكتابة في عملية البحث عن الدعم المادي من جهات أجنبية في إطار شراكات سينمائية واللجوء إلى شركات إنتاج عالمية من فرنسا وأميركا وألمانيا وبلجيكا لإقناع المنتجين للدخول في ورش فنية تدفعهم إلى عقد شراكات إنتاجية حول فيلم سينمائي عربي.

وبسبب نجاح هذه العملية أصبحت تفرض على المخرجين العرب ضرورة كتابة سيناريوهات جيدة، لا ترتبط بالبيئة العربية وإنما لها القدرة على اختراق غلالة الواقع العربي من خلال طرح قضايا وأسئلة وإشكالات ذات صلة بالإنسان بشكل عام. إن هذا الوعي بقيمة الإنتاج المشترك يتزايد يوماً بعد يوم، لأنه أصبح يمنح الفيلم انتشاراً واسعاً ويخرجه من محليته ليفتح له آفاقاً رحبة على المستوى العالمي، فهو أمر يمكّن الفيلم من تجاوز محنته على مستوى الجمهور، صوب البحث عن أسواق كبرى أكثر قدرة على فهم الفيلم ومنحه حياة أخرى في وجدان المؤسسات والصالات والمجلات والجرائد.

بحثاً عن لغة جديدة

إن مأزق السينما العربية لا يكمن في هشاشة السيناريو وارتباك الصورة السينمائية، بل في ضعف مفهوم الوساطة بين العمل السينمائي والمتلقي. إذ يعثر المرء داخل الساحة الفنية الغربية على وساطة حقيقية تسهم في ذيوع الفيلم داخل مهرجانات عالمية وتمنحه شهرة واسعة في يوميات الناس عن طريق مشاهدة الفيلم والكتابة عنه ونسج علاقة حسية مع صوره وما يقترحه من أفق فكري له امتداد عميق داخل الواقع الذي ننتمي إليه فيزيقياً. وعي المخرجين العرب بقيمة الإنتاج المشترك دفعهم إلى تحقيق ثورة مؤسساتية داخل شركات الإنتاج التقليدية، إذ عزز هذا الأمر من مكانة الفن السابع بوصفه واحداً من المشاريع التي يمكن المراهنة عليها والاستثمار فيها، بوصفه غداً في الزمن المعاصر، بمثابة قاطرة للتنمية الاقتصادية والصناعة الثقافية وليس مجرد عمل فني غايته المتعة والإدهاش. بهذا المعنى يصبح الإنتاج المشترك معطى واقعياً له علاقة بتحولات الفن السابع وليس مجرد خيار مادي يعمد إليه المخرج لإعطاء عمله السينمائي شرعية فنية داخل السوق الأوروبية.

 يطرح الإنتاج السينمائي المشترك عديداً من الأسئلة الفكرية القلقة بالنسبة للبلدان التي يرتفع فيها منسوب السلطة. ذلك أن الإنتاج المشترك يحرر ضمنياً الفيلم السينمائي ويجعله لا يخضع للسرديات الوطنية المتآكلة، صوب الاهتمام بتمزقات الفرد ومآزق المجتمع. فهذا الشكل الجديد على مستوى الإنتاج يمنح الفيلم حياة أخرى ويدفع السيناريست إلى اختراق كل السياجات التي عادة ما يضعها له الدعم الرسمي المقدم للفيلم، لا سيما وأن هناك عديداً من المنتجين داخل المنطقة المغاربية (تونس، المغرب، الجزائر) لا يهمهم على الإطلاق الإطار الفكري الذي تدافع عنه السينما، باعتباره فناً نقدياً يعرّي المجتمع ويكشف أعطاب الفرد وتصدعات التاريخ، بقدر ما تكون غايتهم إحصاء الأرباح المادية والخضوع المستكين لما تريده لجان الدعم، من دون التفكير في الخروج عن السرب.

الوضع بالنسبة إلى المنتجين والمخرجين في الحال الثانية يظل مريحاً، لكن الفيلم يحصل على دعم كبير رسمي لدرجة قد لا يجد المنتج أي ضرورة للبحث عن شراكات إنتاجية، فحتى لو فعل ذلك يكون من باب إعطاء مسحة دولية مزيفة لفيلمه السينمائي. لكن في مقابل ذلك، برز جيل جديد من السينمائيين الذين لا يهمهم الدعم الرسمي والشراكات المحلية، بقدر ما يطمحون إلى عقد شراكات مع مؤسسات أجنبية والحصول على دعم من مراكز ثقافية ومؤسسات فنية لتمويل كواليس تصوير الفيلم

لذلك نجح معظم هؤلاء المخرجين في تحديث السينما العربية وفتح على نوافذ جديدة لم يكن مفكراً فيها. إن تحرر الفيلم من الإنتاج المحلي ومن الدعم الرسمي يدفع المخرج إلى لعب الدور الحقيقي الذي ينبغي أن يقومه، وهو أنْ يجعل الكاميرا تكشف أعطاب الواقع وتُطلق لنفسها العنان في التقاط تفاصيل ونتوءات مستلة من الواقع المعاش. فهذا الرهان على الإنتاج المشترك يدفع المخرج إلى الحفر سينمائياً في الهامش عن طريق البحث عن لغة سينمائية لا تشبه السينما العربية المُنتجة في الألفية الثالثة، بما يجعل المخرج يقلّب مفاهيم السينما وينتقد الواقع ويبحث عن قصص وحكايات لها شرعيتها الفكرية المؤثرة في الذاكرة والوجدان.

يحقق التعاون السينمائي بين بلدين أو أكثر، نجاحاً كبيراً للفن السابع ويجعلنا نؤمن فعلياً بأن قطاع السينما وإن كان في باطنه مشروعاً جمالياً يمتلك أفقاً فكرياً، فإنه يبقى مجالاً يمكننا الاستثمار فيه. ذلك أن التعاون السينمائي يمنح للفيلم رواجاً تجارياً كبيراً يؤثر ليس على الفيلم أو منتجه أو مخرجه أو طاقمه الفني، بل على الساحة السينمائية العربية ككل. إذ تمكّن هذه العملية من تجنب النظرة الضيقة التي تقوقع السينما في المشاهدة والمتعة والترفيه والاستهلاك. فهي مفاهيم وإن كانت ملتصقة بمسام الفن السابع، فإن عنصر الرأسمال المادي وتضخمه في الحياة المعاصرة يؤثر إيجاباً على الصناعة السينمائية ويجعلها تفتح مسارب جديدة لمسارها الأنطولوجي في علاقة الفيلم بالمؤسسات الإنتاجية والمهرجانات والصالات السينمائية.

حرية السينما

ونظراً إلى اتساع قوة هذا الإنتاج وتحقيقه الدائم لنتائج إيجابية بعديد من الأفلام العربية، كما هي الحال في التجربة التونسية مثلاً، فقد أصبحت المؤسسات الرسمية تزيد من حجم الدعم الرسمي سنوياً لا بسبب رغبتها في دعم السينما الوطنية والرقي بها، بل لمحاولة تقنينها وجعلها خاضعة للسرديات الرسمية، وهي طريقة وإن كانت مؤثرة من الناحية المادية على حياة الساحة الفنية، فإنها تسهم بشكل مبطن في تراجع السينما الحقيقية التي تمتلك مشروعاً نقدياً للمجتمع وتقدم صورة أثيرة عن تمزقات الأجساد داخل واقعها. بهذا المعنى تتحول السينما وفق هذه الآلية الرسمية، إلى فن ترفيهي أو أكسسوار جمالي يعيش على هامش السياسات الفنية العامة التي تقوم بها الوزارات والجهات الوصية على الشأن السينمائي، إذ لا يصبح للمشروع السينمائي أي دور في تحرير المجتمع ومناقشة الأفكار ومراجعة المفاهيم وتعري الواقع وتسهم في تخييل التاريخ وقراءته، لأنها تغدو مجرد ممارسة ترفيهية منفصلة عن المشروع التحديثي المجتمعي.

 يمنح الإنتاج العربي المشترك، مساحة كبيرة لبلورة مفهوم حرية الإبداع والتعبير داخل الفن السابع وفق آليات يختارها المخرج السينمائي، من دون الخضوع لرقابة لجان الدعم أو استشارة الجهة الوصية عليه. لذلك يسارع عديد من المخرجين العرب إلى محاولة استقطاب منتجين عالميين لإنتاج أفلامهم، لأن ذلك يمنحهم شرعية سينمائية قوية يثورون بها على كل صور الرقابة التي تعاني منها السينما العربية. كما أنه يعطي للفيلم إمكانية دخول عالم المهرجانات العالمية والدخول في منافسة أفلام سينمائية عالمية، كما حدث مع المخرجة التونسية كوثر بن هنية التي استطاعت بأفلامها تشريح الواقع التونسي وتناول موضوعات ذات أبعاد إنسانية لا تشغل الفرد التونسي، بل تشكل امتداداً عميقاً لما يعيشه الإنسان العربي من أهوال ومآزق وتصدعات.

ذلك أن خروج الفيلم إلى مهرجانات عالمية يمنحه القوة “التجارية” وأيضاً الرواج الفني ويصبح الفيلم يدخل في غمار السوق السينمائية ويحظى باهتمامات النقاد والصحافة في كل العالم. لكن بغض النظر عن الإمكانات التي يكرسها الإنتاج المشترك، فإن عديداً من النقاد يفضلون أن يبقى هذا الإنتاج لصيقاً بالدعم المادي من دون أن تفرض الجهة الأجنبية المُنتجة أي وجوه سينمائية، كما حدث في عديد من الأعمال العربية. إذ إن إقحام أسماء سينمائية، من دون الالتزام بالسياق الفني للسيناريو والمسار الفكري الذي تقطعه الشخصيات في رحابة الصورة السينمائية، يؤثر سلباً على صناعة الفيلم ويجعله يبدو مصطنعاً وخاضعاً لنوع من الاستلاب البصري. لذلك فإن الرهان على الجانب المادي فقط يحافظ على خصوصية الفيلم العربي يمنح المخرج حرية اختيار شخصياته كما يراها تتنفس وتتحرك داخل النص (السيناريو).

وتعد السينما المصرية من النماذج التي كانت سباقة إلى الإنتاج المشترك، إذ تم إنتاج مجموعة من الأفلام المصرية مع مؤسسات غربية وعربية. وقد ساعد ذلك السينما المصرية للخروج من شرنقة الواقعية ومحاولة إعطاء صورها بعداً إنسانياً عالمياً، وعلى رغم أن الفيلم المصري ظل غير خاضع للدعم الرسمي، فإن الإنتاج المشترك لعب دوراً في تحرير السينما المصرية من محلية موضوعاتها وقضاياها وجعلها تنفتح على عوالم أخرى ظلت لسنوات طويلة في حكم اللامفكر فيه

Independent News

شاهد أيضاً

الحرائق المدمرة التي تعصف بالعالم… كارثة لا نظير لها

كان صيفاً يمكن اختزاله في مشهد واحد: حريق هائج يجتاح الغابات، مطلقاً أعمدة كثيفة من …