
على رغم الأزمات المتراكمة والانتقادات الحادة التي تحاصر مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، التي زادت بصورة ملحوظة على مدى الأعوام الخمسة الأخيرة، وتحوّلت إلى مطالبات بضرورة المراجعة وإعادة الدفة إلى مسارها الصحيح، فإن قرار إيقاف دورته هذا العام من قِبل اللجنة العليا للمهرجانات بمصر والتابعة لوزارة الثقافة قوبل بغُصة بالنسبة إلى السينمائيين، حتى المحتفون بأنه أخ
ولا شك أن توجساً يسري في الأوساط الفنية المصرية من أن يختفي مهرجان عمره أكثر من أربعة عقود من على خريطة الأنشطة السينمائية في مصر فجأة، بخاصة في ظل ارتباط عدد من المهرجانات السينمائية، سواء الجديدة مثل شرم الشيخ للسينما، وحتى مهرجان بحجم وسمعة القومي للسينما الذي غاب عن المشهد منذ عام 2022، بحجة مشكلات تنظيمية وإجرائية وخضوعه لإعادة هيكلة، قبل أن يجري الإعلان مطلع هذا العام عن عودته مجدداً في دورته الـ25 بعد تخطي العقبات التنظيمية وتعديل لائحته، وهي العودة التي لا تزال غامضة إذ لم يتم الجزم بموعدها المرتقب.
اللافت أن قرار اللجنة العليا التي اجتمعت بحضور جانب كبير من أعضائها برئاسة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، لم يخرج بصفة رسمية وبحيثيات محددة، إنما جاء بطريقة تسريبات من مصادر مطلعة، وعززته تصريحات بعض أعضاء اللجنة العليا التلفزيونية التي أكدت المتداول، لكن التسريبات لم تتوقف هنا، فإلى جانب تداعيات إيقاف دورة مهرجان الإسكندرية، يشار إلى أن اللجنة لا تزال مترددة في منح بعض المهرجانات الأخرى تراخيص إقامة دوراتها هذا العام، وإعادة النظر بصورة عامة في التظاهرات السينمائية بهدف ترتيبها وتنظيمها والقضاء على التجاوزات، بحسب أحاديث مصادر مطلعة إلى “اندبندنت عربية”.
مصير مجهول لمهرجان الإسكندرية 2026
إدارة الملف بطريقة التسريبات بشكل عام أمر يزيد من حال الضبابية، ويزيد من التساؤلات حول مصائر المهرجانات غير التابعة بصورة مباشرة لوزارة الثقافة المصرية، وهو ما ينطبق على سبيل المثال على حال مهرجان الإسكندرية السينمائي لسينما البحر المتوسط، الذي تنظمه الجمعية المصرية لنقاد وكتاب السينما ويخضع مثل بقية المهرجانات لإشراف اللجنة العليا التابعة للوزارة، ويتلقى دعماً مالياً منها ومن بعض الهيئات الرسمية الأخرى مثل محافظة الإسكندرية.
وإن كانت المآخذ على المهرجان تزداد عاماً بعد آخر، وبينها كونه خرج عن هدفه ولم يعد يشبه عنوانه المفترض أن يهتم بسينما دول حوض البحر المتوسط، إنما يوسع الدائرة بصورة مخالفة للوائح والإجراءات، وأيضاً تشعب جوائزه التي تتماس مع مهرجانات أخرى تقام بالمحافظة مثل مسابقات الفيلم القصير، وكذلك تكرار أسماء النجوم الذين يجري استقدامهم، من دون وجود خطة واضحة، مع تأويلات من هنا وهناك عن محاباة وعدم إدارة للموارد بصورة جيدة.
إضافة إلى وجود الناقد الأمير أباظة رئيس الجمعية رئيساً للمهرجان من نحو 14 عاماً، مما أفقده الدماء الجديدة وتنوّع القيادة الذي كان يمكن أن يعيد الروح لفعاليته التي تفقد بريقها عاماً بعد آخر، وتشهد عزوف كبار النجوم بعدما كان المهرجان هو الثاني في أهميته بعد القاهرة، ويسعى كبار النجوم إلى المشاركة به.
من جهته، سارع الأمير أباظة بتقديم استقالته عبر بيان مطول أشار فيه إلى أنه يعلي مصلحة المهرجان على أي خلافات شخصية ويفتح الباب أمام التراجع عن قرار الإيقاف، متمنياً أن تقام دورة هذا العام في موعدها في سبتمبر (أيلول) المقبل، ومشدداً أيضاً على أن كل مناصبه في الجمعية تأتي بالتصويت الحر وليس بفرض نفسه. وفي حين وجد البعض من أعضاء الجمعية أنفسهم أن تلك الاستقالة جاءت متأخرة مثل الناقدة ميرفت عمر، عضو مجلس الجمعية، المدير الفني للمهرجان، وأنها لم تعد مؤثرة، مقارنة بما لو كانت اتخذت قبل كل هذا الجدل، إلا أن هناك تياراً آخر يراها بادرة أمل بإمكان تغيير المصير.
السيناريست البارز، عضو الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما مجدي صابر، يقول إنه قد تكون هناك انفراجة كبيرة في الأزمة قريباً. لافتاً إلى أن التوجه العام في الجمعية حالياً هو ترشيح مدير التصوير الدكتور سمير فرج لرئاسة المهرجان وذلك بتوافق الأعضاء، ومشيراً إلى أنهم حالياً في انتظار قرار وزارة الثقافة الذي يتمنون أن يكون إيجابياً، ويضم التراجع عن الإيقاف لتقام الدورة الـ42 في موعدها المقرر. مقراً بأن هناك مشكلات بالطبع والجميع يعترفون بها، لكن في رأيه، من الأفضل عدم تصحيح الخطأ على حساب المهرجان الراسخ الذي بدأ دورته الأولى عام 1979.
وتابع المؤلف مجدي صابر، “تقليص أنشطة المهرجان أثر في رونقه بصورة ملحوظة بطبيعة الحال، ونعاني مشكلات مالية منذ أعوام طويلة، فالدعم المقدّم للمهرجان يتراجع في ظل ارتفاع أسعار جميع بنوده، ونحاول تدبير الأمور عن طريق التسهيلات والمساهمات من محافظة الإسكندرية ونقابة السينمائيين وشركات النقل وجهات أخرى، لكن الضغوط تتزايد في ظل خفض الدعم، ولهذا نأمل تصحيح الأوضاع والبحث عن طرق لزيادة التمويل من دون الاضطرار إلى إيقاف هذا النشاط السينمائي المهم في عروس البحر الأبيض المتوسط”.
إدارة الأزمة على طريقة التسريبات
وإن كان مهرجان الإسكندرية الذي يصنف على أنه من الأكثر شهرة بعد مهرجاني القاهرة والجونة، على رغم تراجعه المعترف به، قد شهد انقسامات معلنة بالفعل وتوترات عدة، لذا فقرار لجنة المهرجانات بالنظر في أمره كان متوقعاً للغاية، بل البعض يعتبره موقفاً متأخراً، إلا أن هناك مهرجانات أخرى لم تشهد تلك الانقسامات ولا تزال في بدايتها وتشهد كواليسها حماسة بين القائمين عليها ومحاولات لإثبات جدارتهم، ومع ذلك تقول التسريبات إنها تخضع لمراجعات اللجنة العليا للمهرجانات، على رغم عدم الإعلان بصورة رسمية عن هذا الأمر، وتشمل القائمة مهرجان الفيوم الدولي لأفلام البيئة والفنون المعاصرة الذي يستعد لدورته الثالثة، وأيضاً مهرجان الغردقة لسينما الشباب
يقول السيناريست محمد الباسوسي، رئيس المهرجان، إن الدورة الرابعة قائمة في موعدها، ولم يبلغ رسمياً أو شفهياً أو بأي طريقة بوجود أي نية لمراجعة موافقات التنظيم، وأنه يعمل على قدم وساق، ويقوم بمقابلات مع المسؤولين لترتيب التفاصيل، ويعتقد الباسوسي الذي رأس واحدة من أبرز دورات مهرجان الإسماعيلية للفيلم التسجيلي والقصير عام 2021، وكان رئيساً للمركز القومي للسينما وشارك أعواماً في عضوية اللجنة العليا للمهرجانات، أن الأمر ليس مرهوناً بالتكهنات ولا الشائعات ولا الآراء الفردية، والفيصل هنا هو القرارات الرسمية وعليه فمهرجان الغردقة لسينما الشباب يواصل نجاحه واستمراريته والعمل على دورته الرابعة يجري بصورة طبيعية.
الأحاديث أيضاً طاولت مهرجان بورسعيد السينمائي الدولي في دورته الثانية، الذي سارع القائمون عليه إلى إصدار بيان رسمي يشددون فيه على أن الدورة قائمة في موعدها في سبتمبر (أيلول) المقبل، والتحضيرات على قدم وساق، وأنهم قاموا بجميع المخاطبات الرسمية المقررة لضمان سلامة موقفهم.
إعادة هيكلة أم عرقلة؟
ما يحدث هنا على الأغلب هو قطع الطريق أمام أي قرارات مفاجئة، لا سيما أن فكرة اتخاذ موقف من تنظيم دورة أي مهرجان من عدمه قبل موعدها بأقل من أربعة أشهر أمر يثير التساؤلات في الوسط السينمائي بصورة عامة، بخاصة في حال عدم إرسال أية ملاحظات سلبية لإدارة المهرجانات من قِبل اللجنة العليا للمهرجانات، عقب انتهاء الدورات الماضية مباشرة على سبيل المثال.
هذه النقطة بالتحديد أثارت استياءً حتى في حال مهرجان الإسكندرية، فقد قالت مصادر عدة إنه على رغم الأزمات المعروفة، فكان الأجدى بأن ترسل الجهات الرسمية قائمة بالملاحظات عقب نهاية الدورة الماضية بوقت قصير، وذلك لوضعها في الاعتبار وتفادي المشكلات، لكن ما حدث هو أن التنويهات عرفت قبيل الحديث عن نية الإيقاف بفترة قصيرة للغاية، أي بعد مرور أشهر طويلة على نهاية دورة 2025.
وكان رئيس اتحاد النقابات الفنية المخرج عمر عبدالعزيز، عضو اللجنة العليا للمهرجانات قد قال في تصريحات تلفزيونية إنه جرى الاتفاق على أن تقوم كل محافظة يقام بها مهرجان بإرسال تقرير شامل حول منجزات وعثرات الدورة، وكذلك قيام مندوب من وزارة الثقافة بتقييم كل مهرجان للوقوف على أزماته مبكراً، وشدد عبدالعزيز أيضاً على أنه لن يكون من السهل الحصول على الموافقات الخاصة بإقامة الأنشطة السينمائية من هذا النوع بشكل يسير في ما بعد بسبب ما جرى اكتشافه من خلافات في الأروقة والكواليس.
على رغم أن التقييم والمراجعة أمر شديد الإيجابية، فإن التشديدات التي يجري الحديث عنها لم تعلن بنودها بشكل صريح، وهي قد تثير القلق بين محبي السينما، لا سيما أن الأنشطة السينمائية التي تأتي في هذا السياق تصنف على أنها عددياً لا ترقى إلى تاريخ الصناعة في مصر، إذ تقل عن 20 مهرجاناً غالبيتها بموازنات محدودة وتكافح من أجل الاستمرار، على رغم أن نوعيات السينما تستوعب ما هو أكثر من ذلك، وكان يتوقع الجميع أن يجري تشجيع هذا النمط من التظاهرات، فليس مطلوباً أن تكون فعاليات السينما ضخمة إنما تعدد المنافذ يفيد الصناعة ويفتح فرصاً للأجيال الجديدة.وقد حاولت “اندبندنت عربية” التواصل مع كثير من أعضاء اللجنة للوقوف على ماهية الإجراءات الجديدة، وإلى أين يمكن أن تذهب قرارات المراجعة، لكنهم امتنعوا عن التعليق مكتفين بالتصريحات المقتضبة التي جرى تداولها تلفزيونياً بالفعل.
Independent News
مجلة 24 ساعة
