
شهد الوضع الجيوسياسي في لبنان خلال الأسبوع الماضي تطورات حادة، مع تغير أولويات الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه بلاد الأرز. فبعد التزام مشترك بالقضاء على ميليشيات “حزب الله”، وهو ما شكل سياسة أميركية ثابتة لعقود وطبقته إسرائيل بشكل نشط، لا سيما منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، طرأ تحول مفاجئ في موقف واشنطن من الحرب ضد الميليشيات الخمينية، بعد أن تم ربط الملف اللبناني بصورة مفاجئة بالمحادثات مع النظام الإسلامي في إيران.
وكان آخر ما سمعناه قبل أسابيع، بعد دخول وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ وبدء المحادثات، هو تعهد رسمي من الإدارة الأميركية بأن النظام الإيراني لن يُسمح له بفرض أي سياسة على الولايات المتحدة أو إسرائيل في ما يتعلق بلبنان، وأن هذا البلد لن يكون “شرطاً” يؤثر في المفاوضات الأميركية – الإيرانية.
إلا أن “حزب الله” واصل تصعيده ضد إسرائيل، ما دفع الأخيرة إلى العودة إلى الحرب ضده. فلم يكن بإمكان تل أبيب السماح لذراع عسكرية إيرانية بإعادة الانتشار على حدودها الشمالية. كذلك فإن السكان الإسرائيليين لا يرغبون في تكرار تجربة النزوح الداخلي من الجليل إلى وسط إسرائيل، والاستقرار مجدداً حول تل أبيب والقدس. وقد تعهدت حكومة نتنياهو بردع ما تبقى من قيادة “حزب الله” عن اتخاذ قرارات استراتيجية تقود إلى “العودة إلى الحرب”، ولذلك لم تجد إسرائيل خياراً سوى شن حملة واسعة لإبعاد الحزب عن جنوب لبنان من أجل حماية شمال إسرائيل.
من جهته، كانت لدى “حزب الله” أسباب قوية لتجنب الحرب، خصوصاً بعد انتهاء حرب الأيام الـ12 العام الماضي. فقد دمرت إسرائيل الجزء الأكبر من صواريخه الرئيسية ومنظوماته المضادة للطائرات، والأهم أنها قضت على معظم قيادته العليا خلال عام 2025. كذلك فإن الميليشيات لم تلتزم فعلياً بوقف إطلاق النار، ولم تسلم أسلحتها إلى الجيش اللبناني، وارتكبت أعمال عنف ضد مدنيين لبنانيين، والأهم أنها ضللت المجتمع الدولي ولم تنسحب مطلقاً من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني.
وعندما توغلت قوات الجيش الإسرائيلي في تلك المنطقة قبل أشهر، اكتشفت أن “حزب الله” لا يزال منتشراً فيها، ويعمل على تعزيز ترسانته العسكرية والذخائر شمال الجليل مباشرة، وكان يستعد لسلسلة عمليات شبيهة بهجمات السابع من أكتوبر عند ساعة الصفر. وعليه، قررت تل أبيب استباق أي هجمات جديدة عبر إطلاق عمليات برية وجوية في مختلف أنحاء الجنوب، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد مواقع الحزب ومراكزه القيادية في معقله الرئيسي بالضاحية الجنوبية لبيروت.
لكن القوى الخمينية كانت تخشى في لبنان أمراً آخر غير الجيش الإسرائيلي. فمنذ عام 1990، ومن ثم بصورة متزايدة بعد عام 2000 عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان وتُرك جيش لبنان الجنوبي ليتفكك على يد الميليشيات الإسلامية، تمكن “حزب الله” من اختراق مؤسسات الدولة اللبنانية والسيطرة عليها تدريجاً.
ولم يقتصر هذا الاختراق على وزارة الدفاع والقيادات الإقليمية والإدارات البيروقراطية، بل امتد إلى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية أيضاً. وعلى مدى عقود، تحول لبنان إلى دولة أمنية يهيمن عليها “حزب الله”، إذ شعرت غالبية اللبنانيين خارج البيئة الشيعية بأنهم يواجهون “احتلالاً خمينياً” مدعوماً من إيران.
وفي ذروة قوته قبل عام 2025، كان “حزب الله” قد أدرك أن الجزء الأكبر من سكان لبنان يكن له الاستياء ثم بدأ بمقاومته. ففي عام 2005 تظاهر نحو مليون ونصف مليون لبناني ضد الاحتلال السوري و”حزب الله” تحت شعار “ثورة الأرز”. وقد أدى ذلك إلى سقوط الحكومة، وانسحاب الجيش السوري، وإطلاق حملة لنزع سلاح الحزب. إلا أن الحزب رد بانقلاب على الحكومة الجديدة الحرة في السابع من مايو (أيار) 2008، ليستعيد قبضته على السلطة في لبنان.
وشهدت السنوات اللاحقة العديد من الحوادث والاشتباكات مع السنة والدروز والمسيحيين في عدد من المناطق والأحياء. وأدرك “حزب الله” أن خصومه ليسوا إسرائيل فقط، بل أيضاً ما يقارب 70 في المئة من سكان لبنان.
ومع اندلاع الحروب التي أعقبت السابع من أكتوبر بين إسرائيل ووكلاء إيران في عدة دول، تصاعد خطر المواجهة بين الحزب والفصائل اللبنانية الأخرى. واتهم خصوم الحزب إياه بجر البلاد إلى حرب مدمرة. وعندما خسر “حزب الله” حرب عام 2025 أمام إسرائيل، وشهد النظام الإيراني تدمير منشآته النووية على يد الولايات المتحدة، سارع الحزب إلى استباق أي تقدم إسرائيلي داخل لبنان.
فعسكرياً، أعاد الانتشار جنوب نهر الليطاني، على رغم أنه كان يفترض أن يكون قد أخلى هذه المنطقة قبل عام. وعاد إلى الحدود الدولية، ما دفع إسرائيل إلى التحرك. ورد الحزب بقصف منطقة الجليل، الأمر الذي أدى إلى توسيع نطاق الضربات الإسرائيلية داخل لبنان، ولا سيما في الضاحية الجنوبية.
وأدت موجات القصف العنيفة إلى نزوح أعداد كبيرة من المدنيين المقيمين في مناطق نفوذ الحزب إلى مناطق أخرى من البلاد، حيث واجهوا رفضاً بسبب المخاوف من فرض توطين دائم. وشعرت الميليشيات تدريجاً بالعزلة ثم بالحصار داخل البلاد. وكلما دمرت إسرائيل المزيد من بنيتها التحتية، زادت تهديدات الحزب بالسيطرة على الحكومة اللبنانية. وقد تضمنت آخر هذه التهديدات تحذيرات من انقلاب وشيك، وهو ما أدانته إدارة ترمب.
ومن جهة أخرى، أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب النظام الإيراني بأن “لبنان ليس جزءاً من الصفقة مع إيران”، وهو ما طمأن إسرائيل إلى أن المحادثات بين واشنطن وطهران لن تمنعها من اتخاذ إجراءات ضد “حزب الله”. وعليه استأنفت إسرائيل ضرباتها على الضاحية الجنوبية، المقر الرئيسي للحزب، إلى جانب مواصلة تقدمها التدريجي في الجنوب، خصوصاً في الخيام والنبطية.
غير أن القوات الإسرائيلية اقتربت أيضاً من منطقتين في جنوب جبل لبنان: جزين ذات الغالبية المسيحية، ومنطقة الشوف ذات الحضور الدرزي الواسع. وقد يكون لمثل هذا التحرك تأثير كبير على مجريات الحرب إذا دخلت القوات الإسرائيلية هاتين المنطقتين، إذ قد يتيح ذلك لسكانهما التحرك ضد الميليشيات انطلاقاً من مواقعهم الجبلية، وتوسيع نطاق أي انتفاضة ضد “حزب الله” وصولاً إلى بيروت وما بعدها.
وبعبارة أخرى، فإن تجاوز الحزب في الجنوب قد يؤدي إلى تغيير التوازن الجيوسياسي للقوة داخل لبنان لمصلحة إسرائيل والقوى المناهضة لـ”حزب الله”.
وسرعان ما استخدمت طهران طرفاً ثالثاً لطلب تدخل الولايات المتحدة من أجل “إيقاف” إسرائيل مقابل “استئناف المحادثات والتوصل إلى اتفاق”. وأدى ذلك إلى مكالمة اتسمت بالخلاف بين الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فترمب يعطي الأولوية لإبرام اتفاق مع النظام الإيراني، بينما يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي على إعطاء الأولوية لمواصلة ضرب “حزب الله”.
لقد تغيرت المعادلة في الوقت الراهن، لكن في نهاية المطاف ستقرر الفصائل الأيديولوجية في طهران والضاحية الجنوبية ما إذا كانت ستختار الحرب أم السلام ضمن هذا التحالف المنقسم في الوقت الحالي.
Independent News
مجلة 24 ساعة