الرئيسية / صحافة ورأي / المقاومة بالثقافة: في كل بلدية معهد للموسيقى

المقاومة بالثقافة: في كل بلدية معهد للموسيقى

الكاتب أمين الزاوي
أمين الزاوي – كاتب ومفكر @aminzaoui1

 

ركزت الدولة الوطنية اهتماماتها طويلاً على الجانب المادي المتمثل في توفير السكن والنقل والصحة والمواد الغذائية والتعليم

الموسيقى مقاومة ناعمة ولكنها فاعلة وفعالة، وهذه ليست نوستالجيا الزمن المفقود الذي انسلت أعوامه الوطنية بين أصابعنا كحبات الرمل حبة فحبة، ولكنها الهوة الثقافية السحيقة والعميقة التي نقف على حافيتها، وهي التي تحرك السؤال القاسي التالي في قلوبنا وفي ضمائرنا: كانت الجزائر تملك حضيرة مميزة من صالات العرض السينمائي، تعد من أهم الحضائر  في حوض البحر الأبيض المتوسط، إذ كان يبلغ عدد صالات العرض السينمائي حتى مطلع الثمانينات 500 صالة عرض، وهي من أجمل القاعات هندسة معمارية وتأثيثاً وتنظيماً وتجهيزاً وإدارة، كانت هذه القاعات تقدم خدمات سينمائية ثقافية لنحو 18 مليون نسمة هو عدد سكان الجزائر آنذاك، واليوم وبعد نصف قرن من الزمن الوطني لم يبق من هذه الحضيرة العمرانية الثقافية السينمائية في الجزائر كلها سوى 15 صالة عرض سينمائي، تقدم أفلاماً لشعب يبلغ تعداده 48 مليون نسمة.

سؤال مدوخ: لماذا هذا الانحدار؟

من المسؤول يا ترى عن هذا السقوط؟ الجواب وببساطة نحن جميعاً مسؤولون بشكل من الأشكال وبدرجات متفاوتة عن هذا الإهمال الخطر، وبعيداً من كل إحباط ثقافي، وبعيداً من التلذذ أو التشفي بخيبات الذات، سنحاول أن نفهم ونفكك أسباب هذا الخراب، فبالعودة لقراءة هادئة وصادقة وشجاعة لتاريخ الجزائر خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1988 و2000، تتجلى بوضوح لنا الأسباب التي أسهمت في ضرب وتخريب هذا الرأسمال الكبير المشكّل من صالات السينما في الجزائر، ويأتي على رأس هذه الأسباب الإرهاب الأعمى الذي لم يكن يبحث عن تفكيك قاعات السينما فقط، وإنما كان يسعى إلى تفكيك الدولة بكاملها، وتفكيك مؤسسات الدولة الوطنية و”أفغنة” الجزائر، الإرهاب الذي كان على المستوى الأيديولوجي يعتبر الفن والآداب والفلسفة، أي كل ما له علاقة بالجمال، عدواً يجب تحريمه وتجريمه، وبمثل هذا التفكير جاء الإرهاب على قاعات السينما، وفي الوقت نفسه اغتال كثير من السينمائيين والمسرحيين والكتّاب والمفكرين الذين كانوا يشكلون جبهة الدفاع عن الجزائر الجميلة، جزائر الخير والجمال والأحلام.

وكذلك فإن عامل سوء التدبير وغياب الصيانة والمتابعة والتكوين في قطاع السينما جعل هذا الرأسمال الكبير من الصالات ينقرض يوماً بعد يوم وبصمت أمام الجميع من دون تنديد، فتغلق القاعة بعد الأخرى، وأعتقد بأن المسؤولين المحليين آنذاك وبخاصة رؤساء البلديات الذين كانت لهم سلطة على هذه القاعات لم تكن لهم أية حصانة أيديولوجية ولا كفاءة فنية أو تعليمية كفيلة بأن تجعل منهم جنوداً من أجل الدفاع عن فلسفة السينما والثقافة والفنون بشكل عام، بل إن معظمهم كانوا يرون في الفن والثقافة مضيعة وقت ومال وطريقاً إلى فساد الأخلاق، وكانوا يعتبرون هذا القطاع لا فائدة ترجى منه، وهي نظرة لم نتخلص منها حتى الآن وإن بصورة أقل، فصورة الفن مثل الموسيقى والسينما والأدب والشعر والمسرح لا تزال مرتبطة في ذهنية كثيرين بسوء السلوك وفساد الأخلاق ومعارضة العقيدة.

منعطف حاسم

اليوم حين يأمر رئيس الجمهورية السيد عبدالمجيد تبون، بحسب بيان مجلس الوزراء المؤرخ في فبراير (شباط) 2026، بإنشاء معاهد للموسيقى في بلديات الوطن كافة والتي يبلغ تعدادها 1541 بلدية، فهذا موقف سياسي وجمالي نبيل يصدر عن أول مسؤول في البلاد، موقف يتماهى مع طبيعة المواطن الجزائري المحب للفرح، إنه قرار وموقف يدرك جيداً بأن بناء دولة حديثة ومعاصرة لا يكون بالأسمنت المسلح فقط ولكن أيضاً بأسمنت الجمال الناعم.

في الجزائر لم ينتبه كثير إلى أهمية مثل هذا القرار الذي أتمنى أن يتجسد على مستوى الواقع بكل أبعاده الحضارية والجمالية والسياسية، فهو قرار رئاسي يعيد للموسيقى مكانتها بوصفها مقاومة ناعمة ضد كل سلوك يائس أو بائس أو انتحاري.

إن فكرة إنشاء معهد موسيقي في كل بلدية هو مشروع حضاري كبير لا يقل أهمية عن مشروع مد خطوط السكك الحديد من العاصمة إلى تمنراست في الجنوب، والتي تبعد بنحو 2000 كيلومتر، ولا يقل أهمية عن مشروع تأسيس شركة مزارع وحظائر الأبقار في أدرار بالجنوب والتي ستغطي كما هو متوقع 50 في المئة من نسبة الحليب المستورد، ولا يقل أهمية أيضاً عن الاستثمار في منجم غار جبيلات للحديد.

إن مشروع معهد موسيقي في كل بلدية هو استثمار في منجم الإنسان صانع الغد وصانع الثروة وصانع السكك الحديد ومربي الأبقار وحامي الأمن الغذائي الوطني هو أولوية الأولويات، وإذا ما تأملنا الدلالات الفلسفية لمشروع معهد للموسيقى في كل بلدية سنجد بأنه يمثل ثورة ثقافية حقيقية.

علّمنا التاريخ الإنساني بأنه لا يمكن لأي مشروع اقتصادي أو تجاري أو فلاحي أو صحي أن يحقق مبتغاه في غياب نسيج ثقافي جمالي يحميه ويشكل من حوله طوق نجاة إن على مستوى الفرد أو الجماعة.

الموسيقى هي اللغة العالمية التي يتكلمها الجميع بغض النظر عن لغاتهم الأصلية المحلية وبغض النظر عن عقائدهم وأديانهم وألوان بشراتهم، وهذا المشروع الجمالي الحضاري الضخم المتمثل في إنشاء معهد للموسيقى في كل بلدية هو معركة حقيقية ضد التطرف، ضد ثقافة الانتحار، ضد ثقافة اليأس، هو الطريق إلى اكتشاف لمواهب موسيقية كثيرة كثيراً ما جرى اغتيالها يومياً بالصمت تارة وبالأحكام المسبقة تارة أخرى .

لقد ركزت الدولة الوطنية طويلاً اهتماماتها على الجانب المادي المتمثل في توفير السكن والنقل والصحة والمواد الغذائية والتعليم، لكن هذه الجبهات على أولويتها وأهميتها القصوى لا يمكنها أن تكون محصنة إذا لم تتقدم في ظل مجتمع يكون فيه المواطن يعيش في علاقة منسجمة مع الثقافة والفنون الراقية، فلا المستشفيات ولا الطرقات ولا وسائل المواصلات العامة ولا المدارس ولا المساكن الاجتماعية يمكنها أن تظل في حال صحية جيدة إذا لم تكن متوازية مع إستراتيجية لتوزيع الخيرات الجمالية على المجتمع الذي يحضن هذه المشاريع المادية ويستفيد منها.

مواجهة خطر التطرف 

إن مواجهة خطر التطرف بأشكاله كافة لا يكون على الجبهة الأمنية فقط، وإن كان لهذه الأخيرة دور كبير، إنما يجب أن يرفق هذا العمل الأمني بإستراتيجية محكمة لصناعة إنسان محصن ضد التطرف وكل الأمراض الأيديولوجية الفاسدة، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال انتشار الموسيقى والثقافة وسائر الفنون الراقية.

حين يتجاور وبتناغم المسجد ومعهد الموسيقى وصالة السينما وخشبة المسرح والمدرسة، فاعلم بأن المجتمع يتقدم بخطى ثابتة ومن دون تطرف، وحين يأمر رئيس الدولة بإنشاء معاهد للموسيقى في كل بلديات البلد فإن مثل هذا الموقف ينم عن رؤية إستراتيجية شاملة لمفهوم التنمية المستدامة التي يكون فيها الإنسان المواطن هو الهدف الرئيس، مواطن متوازن يعيش بقلبه وعقله وساعده.

وحتى لا يذهب مثل هذا المشروع النبيل أدراج الرياح بوصفه مكسباً لبناء إنسان جديد، فيجب أن تكون ومنذ الانطلاقة هذه المعاهد قائمة على قوانين واضحة، وأن تتأسس على قاعدة صلبة يقودها فريق من المنشغلين بالشأن الموسيقى والفني حتى لا تتعرض للإهمال فتحول عن أهدافها التي أنشئت لأجلها.

الدول التي لا تصنع مواطنها بالثقافة والفن والعلم معرضة للانهيار في كل حين، لأن التركيز على الجانب المادي لا يمكنه أن يضمن مستقبلاً مشعاً وديمومياً للبلد، إن أفصح اللغات العالمية هي الموسيقى، والمجتمع الذي يمتلك أذناً موسيقية جماعية يكون فيه المواطن مستعداً وقابلاً للعيش المشترك في سلام مع الآخر المختلف عنه، والموسيقى لا تؤلف بين القلوب فقط بل تؤلف بين العقول أيضاً، فالموسيقى أخلاق سامية.

شاهد أيضاً

” حين يصبح الكتاب وطنا”… شعار الدورة 40 لمعرض تونس

تحل إندونيسيا هذا العام ضيف شرف في معرض تونسللكتاب، في إطار التوجه نحو تعزيز الانفتاح الثقافي …