
أستاذ المحاسبة والعميد التنفيذي لقسم التعليم التنفيذي في الشرق الأوسط لدى كلية لندن لإدارة الأعمال
تتكثّف هذه التأثيرات على الشركات العاملة في منطقة الخليج أو المرتبطة بها، إذ تواجه ضغوطاً مباشرة وملموسة تختبر متانة مراكزها المالية وقدرتها على الصمود. وكما كانت الحال خلال الجائحة، فقد أصبحت إدارة السيولة في ظل الوضع الراهن أساس التخطيط المالي.
وفي غالب الأحيان يُنظر إلى السيولة بوصفها أداة دفاعية، أي وسادة مالية لامتصاص الصدمات قصيرة الأجل، غير أن هذه النظرة -وإن كانت صحيحةً جزئياً- تغفل الصورة الشاملة المتمثلة في أن السيولة أصلٌ استراتيجي، وينبغي التعامل معه على هذا الأساس
تتمثل أهمية الاحتياطيات النقدية وخطوط الائتمان المفتوحة في كونها تمنح الشركات هامشاً واسعاً من الخيارات الاستراتيجية، إذ تتيح لها اتخاذ قرارات حاسمة وسريعة في الوقت الذي يُجبر المنافسون على الانكماش، وتأجيل الاستثمارات، وتقليص عملياتهم، أو يواجهون صعوبات في الوفاء بالتزاماتهم. فالأمر غير مقتصر على الحماية المالية، إنما تتيح السيولة لهذه الشركات ضمان استقرار عملياتها التشغيلية، والاحتفاظ بالكفاءات الأساسية، والتفاوض من موقع قوة مع الموردين، بل واغتنام الفرص الاستثمارية التي غالباً ما تولّدها اضطرابات الأسواق.
واليوم، تمنحها هذه المرونة المالية ذاتها قدرة أكبر على التعامل مع الارتفاع الحاد في تكاليف وقود الطائرات الناتج عن التوترات المرتبطة بالنزاع مع إيران.
وهُنا قد تُضطرّ الشركات ضعيفة السيولة إلى اتخاذ قرارات مباشرة الأثر، مثل خفض الاستثمارات الحيوية، أو تأجيل المدفوعات، أو القبول بشروط تجارية غير مواتية من أجل الحفاظ على مخزونها النقدي، ولو كان ذلك على حساب القيمة طويلة الأمد.
أما الشركات ذات السيولة القوية، فتكون أكثر قدرة على استيعاب ومواكبة ارتفاع التكاليف، وإدارة الاضطرابات التشغيلية، وحماية أولوياتها الاستراتيجية حتى مع امتداد آثار الصدمات الجيوسياسية إلى أسواق الطاقة والتجارة.
كما يمكن للشركات توفير مساحة للمناورة عبر إعادة التفاوض مع الموردين والمقرضين، لا سيما مع إدراك العديد من الجهات المعنية أن الضغوط الناجمة عن الصدمات الجيوسياسية هي ضغوط عامة وشاملة لا تخص شركة بعينها، وبخاصةٍ في قطاعات الطيران، والخدمات اللوجستية، والتصنيع وما شابه ذلك، حيث يمكن لارتفاع تكاليف الوقود واضطرابات الشحن وضغوط رأس المال العامل أن تُرهق التدفقات النقدية بسرعة.
بطبيعة الحال، لا يُقصد من تخطيط السيناريوهات التنبؤ بالمستقبل، بل الاستعداد لطيف واسعٍ من الاحتمالات الممكنة، والذي يساعد فرق الإدارة -عند تنفيذه بدقة وفاعلية- على كشف مواطن الضعف، ووضع استجاباتٍ مسبقة فعّالة، وتحديد مؤشرات واضحة لاتخاذ الإجراءات الملائمة.
وفي ظل التحديات الراهنة التي تواجه منطقة الخليج، يُعد هذا النهج سمةً أساسية للمؤسسات المرنة ذات الرؤية المستقبلية؛ فالسيولة، في جوهرها، تمنح المؤسسة القدرة على شراء الوقت، وهو أثمن الأصول في حالات عدم اليقين.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.
مجلة 24 ساعة