الرئيسية / صحافة ورأي / الذكاء الاصطناعي لن يستبدل المصرفيين لكنه سيستبدل غير المستعدين.. فمن هم؟

الذكاء الاصطناعي لن يستبدل المصرفيين لكنه سيستبدل غير المستعدين.. فمن هم؟

د محمد ربيع
د محمد ربيع
مدير بقطاع تمويل الشركات الكبري بأحد البنوك ومحاضر بالمعهد المصرفي المصري
قبل أن نسأل: هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي المصرفيين؟ علينا أن نسأل سؤالًا أدق: ما هو الذكاء الاصطناعي أصلاً؟
الذكاء الاصطناعي هو قدرة الأنظمة على تحليل كميات ضخمة من البيانات في وقت قصير، واكتشاف الأنماط؛ أي ملاحظة أن تكرار ظروف معينة غالباً ما يقود إلى تكرار نتيجة معينة، ثم التعلم من هذه العلاقة لإصدار تنبؤات أو توصيات، فهو ليس ذكاءً بشرياً، بل ذكاء حسابي احتمالي يعتمد على البيانات.

 

كيف دخل الذكاء الاصطناعي إلى البنوك؟

الذكاء الاصطناعي داخل البنوك لم يظهر فجأة، ولم يُولد مع تشات جي بي تي، بل هو تطور تدريجي بدأ بنماذج إحصائية بسيطة، وتحول اليوم إلى بنية تشغيلية كاملة تدير المخاطر، وتكشف الاحتيال، وتبني المحافظ الاستثمارية، وتراقب الامتثال، وقد مر بعدة مراحل:

المرحلة الأولى: 1990–2008

كانت هذه المرحلة انتقالاً من العمل الورقي إلى العمل الرقمي المنظم، اعتمدت البنوك على الحسابات الرقمية والشروط المحددة مسبقاً، حيث كان النظام ينفذ قواعد ثابتة دون أن يتعلم من البيانات أو يطور نفسه.
كان لدى البنك قائمة شروط محددة مسبقاً إذا تحققت تتم الموافقة، وإذا لم تتحقق يتم الرفض أو التنبيه؛ للتوضيح، إذا تجاوزت مثلاً نسبة الدين حداً معيناً (مثل 60%) يتم الرفض، وهنا النظام لم يكن ينظر إلى الصورة الكاملة، بل ينفذ قواعد مكتوبة فقط.

المرحلة الثانية: 2008–2012

بعد الأزمة المالية، تبيّن أن الشروط الجاهزة لم تكن كافية للتنبؤ بالمخاطر، بدأت البنوك استخدام نماذج تتعلم من البيانات، وتحليل تاريخي لبيانات ضخمة لاستخراج أنماط وحساب احتمالات.
انتقلت البنوك من تنفيذ شروط ثابتة إلى تحليل الماضي للتنبؤ بالمستقبل، هنا لا يخمّن النظام، بل يتعلم من التاريخ.

المرحلة الثالثة: 2012–2018

مع التحول الرقمي لم تعد البنوك تبيع منتجات عامة، بل أصبحت تفهم سلوك كل عميل وتقدم له ما يناسبه في التوقيت المناسب، لم يعد البنك ينتظر العميل، بل يتوقع احتياجه قبل أن يطلبه.

المرحلة الرابعة: 2018–2023

في هذه المرحلة لم يعد الذكاء الاصطناعي برنامجاً إضافياً، بل أصبح العقل الرقمي الذي يدير العمليات داخل البنك في الوقت الحقيقي.
فعند تنفيذ عملية دفع ببطاقة ائتمان مثلاً، يتم خلال أقل من ثانية تحليل سلوك العميل السابق، والموقع، والمبلغ، والتوقيت، وتقييم المخاطر دون تدخل بشري، وهنا لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد للموظف، بل أصبح جزءاً من القرار نفسه.

المرحلة الحالية: 2023–الآن

نعيش اليوم عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم يعد النظام يحلل البيانات فقط، بل أصبح شريكاً معرفياً يقرأ ويفسر ويقترح، لم يعد يقتصر على تحليل الأرقام، بل يفهم النصوص، ويولد محتوى، ويشرح المعلومات.
بل تم استخدامه في كتابة التقارير، وتلخيص المستندات، وتحليل العقود القانونية بسرعة، ودعم خدمة العملاء بردود ذكية، ومساعدة الإدارة في تحليل البيانات واتخاذ القرار.

أين يُستخدم اليوم داخل البنك؟

يدخل الذكاء الاصطناعي في معظم الإدارات المصرفية، أبرزها:
-الائتمان وإدارة المخاطر والإدارة العليا
-مكافحة الاحتيال وغسل الأموال والامتثال والرقابة والأمن السيبراني
-خدمة العملاء والتسويق والمبيعات وإدارة الخزينة والسيولة
ولم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على إدارة واحدة، بل أصبح حاضراً في كل زاوية تقريباً.
في إدارة الائتمان يحسب احتمالات التعثر قبل منح التمويل، وفي إدارة المخاطر يختبر قدرة المحفظة على تحمل صدمة في أسعار الفائدة أو ركود مفاجئ، في مكافحة الاحتيال يوقف العمليات غير المعتادة خلال ثوانٍ، وفي أنظمة مكافحة غسل الأموال يرصد شبكات تحويل معقدة يصعب اكتشافها يدوياً.
في الخزينة يتوقع احتياجات السيولة اليومية، وفي التسويق يفهم سلوك العميل ويقدم عرضاً مناسباً في التوقيت المناسب، حتى خدمة العملاء أصبحت مدعومة بمساعدين رقميين يجيبون فوراً، والإدارة العليا تعتمد على لوحات تحكم ذكية تلخص الأداء لحظياً.
الذكاء الاصطناعي لم يعد برنامجاً إضافياً، بل أصبح البنية العصبية التي تربط العمليات المصرفية ببعضها.

وهنا يبرز السؤال الأهم: من سيستبدله الذكاء الاصطناعي؟

الذكاء الاصطناعي لن يستبدل الجميع، لكنه سيستبدل من يعتمد على الروتين فقط، ومن ينفذ دون تفكير، ومن لا يفهم البيانات ولا يحاول قراءتها بعمق، ومن يخاف من التكنولوجيا بدل أن يتعلمها، ومن يتوقف عن تطوير نفسه، ويكرر المهام نفسها يومياً دون قيمة تحليلية حقيقية، ويعتمد على خبرة قديمة دون تحديث.

ما المطلوب من المصرفي اليوم؟

المطلوب ليس أن يصبح المصرفي مبرمجاً، بل أن يفهم أساسيات البيانات وآلية عمل النماذج الذكية، ويستطيع تفسير نتائجها واتخاذ قرار مهني سليم بعقل نقدي يراجع الافتراضات، مع امتلاك مهارات تواصل قوية لشرح تحليلاته بوضوح، والالتزام بالتعلم المستمر لمواكبة التطور التقني.
المصرفي المطلوب اليوم ليس من يحفظ الإجراءات، بل من يفتح لوحة المؤشرات ويفهم ما وراء الأرقام، ويسأل لماذا أعطى النظام هذا التقييم، ويراجع جودة البيانات قبل اعتماد النتيجة، ويختبر السيناريوهات بدل أن يقبل المخرجات كما هي، ويشرح قراره للإدارة بلغة واضحة ومدعومة بالأرقام.
المصرفي القادر على ذلك لن يُستبدل، بل سيكون هو من يقود التكنولوجيا لا من يخشاها.
الذكاء الاصطناعي لم يُلغِ البنوك، لكنه أعاد تشكيل هيكل التوظيف داخلها.
قلّص الأعمال اليدوية المتكررة، وإدخال البيانات، والمراجعات الروتينية، والردود النمطية، بينما حافظ على الأدوار التي تتطلب حكماً مهنياً وقراراً استراتيجياً، مثل صانعي القرار ومديري العلاقات وخبراء المخاطر والامتثال، وفي المقابل زاد الطلب على المتخصصين في تحليل البيانات، وإدارة مخاطر النماذج، والأمن السيبراني، والخدمات المصرفية الرقمية.
المستقبل لا يلغي البشر…
بل يرفع قيمة من يملك مهارة أعلى، ويخفض قيمة الدور التقليدي.
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثّل آراء الكاتب فقط ولا تعكس أو تمثّل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.

شاهد أيضاً

كوليت خوري بين الريادة والمرجعيات الثقافية ومجهر النقد

شهدت مرحلة الخمسينيات في سورية بعد التحرر من الانتداب الفرنسي عام 1946 نمواً واضحاً في الأشكال الفنية …