الرئيسية / صحافة ورأي / بدائل الخرسانة.. دراسة المواد الممتصة للكربون لبناء المستقبل

بدائل الخرسانة.. دراسة المواد الممتصة للكربون لبناء المستقبل

الدكتور عزام بن محمد الرياشي
الدكتور عزام بن محمد الرياشي
الأستاذ المساعد في كلية العلوم والهندسة بجامعة حمد بن خليفة

يُسلّط ازدهار قطاع البناء والتشييد الضوء على أهمية إيجاد حلول مستدامة في سلاسل الإمداد والأنظمة الإنشائية.

أدّى التوسع الحضري المتنامي على مستوى العالم إلى ازدهار قطاع البناء والتشييد، كما كشفت عن تزايد الطلب على البنية التحتية والإسكان نظراً للزيادة المستمرة في عدد السكان.

وترتب على ذلك بروز قطاع البناء والتشييد محرّكاً اقتصادياً ضخماً، قُدِرت قيمته بأكثر من 12 تريليون دولار أميركي عام 2024، ويرجّح أن يستمر نمو القطاع نتيجة التحضر وتطوير البنية التحتية والاستثمار الحكومي.

وعلى الرغم من هذا النمو المدهش للقطاع، فإنه يؤثّر سلباً في صحة كوكبنا، حيث يُعدّ قطاع البناء والتشييد أحد أكبر مصادر الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، إذ يمثّل نسبة 37% من إجمالي الانبعاثات العالمية.

وتترك مواد البناء مثل الإسمنت والصلب والألومنيوم بصمة كربونية كبيرة طوال دورة حياتها، بدءاً من عمليات الاستخراج والتصنيع والنقل حتى الاستخدام النهائي.

وفي هذا السياق، يمكن طرح الأسئلة التالية:

ماذا سيحدث إذا استُخدمت مواد البناء الخالية من الكربون؟

ماذا لو امتصت جدران المباني الكربون بدلاً من إطلاقه؟

ماذا لو امتصت واجهات المباني الرطوبة الزائدة للحد من الظروف المناخية الخارجية وتعزيز البيئات العمرانية والبيئات التي تشجّع على المشي؟

حل مدعوم بالبحث العلمي

للتصدي لمثل هذه التحديات، طوّر الباحثون من جامعة حمد بن خليفة بدائل مستدامة حوّلت هذه التساؤلات إلى تطبيقات عملية، حيث ابتكروا مركبات عالية الأداء تتميز بقدرتها على مقاومة الضغط العالي، وموصلية حرارية منخفضة، وعزل صوتي فعّال من خلال الاستفادة من مادة البيرلايت الطبيعية، وهي زجاج بركاني، واستمد هذا الحل المبتكر من الطبيعة، ويرجح أن يسهم في إحداث تحول نوعي في قطاع البناء والتشييد.

كما أظهرت بحوث الفريق المتعلقة بالخرسانة المعززة بالبيرلايت أنه عند استبدال 20% فقط من الإسمنت التقليدي بهذه المادة المسامية والخفيفة الوزن يمكن أن يحقق توازناً مثالياً بين القوة الميكانيكية وخصائص العزل، إضافة إلى أن دمج مادة البيرلايت يسهم في خفض الكربون الكامن بالخرسانة بنسبة تتراوح بين 20% و30%، ما يسهم بشكل مباشر في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناجمة عن إنتاج الإسمنت.

ولا يقتصر هذا الابتكار على تجارب المختبر فحسب، بل يعمد لاستخدام مورد متوفر عالمياً، إذ يتجاوز الإنتاج السنوي للبيرلايت 4 ملايين طن متري، ويمكن إضافة مسحوق النفايات المعاد تدويره في أثناء عمليات معالجته، بما يتماشى مع مبادئ الاقتصاد الدائري. ولكن، يجب ألّا يتوقف الابتكار على الحلول المبنية على المعادن، حيث تشير البحوث الموازية في مجال المواد الحيوية إلى مستقبل يتم فيه زراعة أغلفة المباني بدلاً من تصنيعها.

وتمثّل المركبات القائمة على الفطريات (MBCs) التي تُنتَج عن طريق زراعة شبكات فطرية على النفايات الزراعية مثل القنب أو القش، تحولاً نوعياً آخر. فهذه المواد تمتص الكربون من الهواء في أثناء نموها، ما يحوّل المباني إلى مصارف للكربون، عوضاً عن كونها مصادر له، كما تحقق بعض التركيبات، مثل الفطريات والقنب، موصلية حرارية تبلغ 0.0404 وات/متر·كلفن، وهو أداء ينافس الصوف الصخري التقليدي، ولكن يُقدّر صافي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بقيمة 0.005 كيلوغرام فقط لكل كيلوغرام من المادة؛ أي أن هذا أقل بما يعادل 250 مرة من ناتج الإسمنت و200 مرة من ناتج الفولاذ.

الاستدامة والأثر

إن انعكاسات ذلك على القطاع مهمة للغاية، فهذه المواد تقدّم ميزة مزدوجة؛ فهي تقلل بشكل جذري البصمة الكربونية للمباني، وهو أمر لا بُد منه لتحقيق الأهداف التي ترنو لخفض الانبعاثات عالمياً، وهي في الوقت نفسه تحسّن الكفاءة التشغيلية من خلال خاصية العزل الحراري المتطور.

ولأصحاب المباني، يعني ذلك توفيراً طويل المدى وتقليلاً للطاقة المستهلكة وخفضاً للبصمة الكربونية للأصول طوال عمرها الافتراضي، أمّا بالنسبة للمستثمرين والمطورين، فيمثل ذلك تقارباً بين الأهداف البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) والأداء والقيمة بعيدة المدى، مع الأخذ في الاعتبار توسع سوق مواد البناء المستدامة، وتزايد الطلب على المباني الخضراء، وما يرتبط بذلك من لوائح وتشريعات أكثر صرامة.

ويكمن التحدي الآن في توسيع نطاق الإنتاج ودمج هذه المواد في سلاسل الإمداد وقوانين البناء.

إن الطريق نحو بيئة بنائية خالية من الكربون لن يرتكز على حل واحد فقط، بل يجب أن يتضمن مجموعة من الابتكارات. ولم تعد المواد مثل الخرسانة القائمة على البيرلايت ومركبات الفطريات مجرد أفكار نظرية، بل باتت بدائل مجربة ومدعومة بالبيانات وجاهزة للاستخدام.

وعوضاً عن التساؤل عن إمكانية صنع هذه المواد، بات السؤال المطروح هو إذا ما كان قطاع البناء والتشييد جاهزاً لبناء المستقبل باستخدام هذه البدائل.

هذا المقال من تأليف الدكتور عزام بن محمد الرياشي، الأستاذ المساعد في قسم التنمية المستدامة بكلية العلوم والهندسة في جامعة حمد بن خليفة، والمهندس طارق خطاب، الرئيس التنفيذي لشركة أب زون للتكنولوجيا.

CNN Business News 

شاهد أيضاً

كوليت خوري بين الريادة والمرجعيات الثقافية ومجهر النقد

شهدت مرحلة الخمسينيات في سورية بعد التحرر من الانتداب الفرنسي عام 1946 نمواً واضحاً في الأشكال الفنية …