الرئيسية / صحافة ورأي / لا وعى بغير علم وثقافة

لا وعى بغير علم وثقافة

أحمد الجمال
أحمد الجمال

فى تراثنا الشفاهى الشعبى حكاية تعلى من شأن العلم والوعى، وتشير إلى أنه مهما كانت درجة الإخلاص والطاعة وحسن النية والطوية فإنها لا تحمى صاحبها من الضلال والقبول بالخطأ وارتكاب الخطيئة، والعكس صحيح أن العلم والوعى يحميان صاحبهما ويحصنانه من التضليل ويعصمانه من تصديق الزيف الباطل حتى وإن كانت له سلبيات.

وتقول الحكاية: إن إبليس اللعين تجسّد على هيئة رجل شيخ وقور، وذهب إلى متعبد يتعبد فى كهف منعزل، والتقى به، وقال له: إن الله أرسله ليبلغه بأنه راضٍ عنه وعن عبادته وطاعته، ولكن هناك اختبارًا لذلك هو أن معى خمرًا وامرأة وطفلًا، وعليك أن تشرب الخمر أو تزنى أو تقتل الطفل، ولا خيار آخر. ففكر ذلك المتعبد وقرر أن يرتكب ما من شأنه ألا يؤذى أحدًا آخر، فاختار الخمر التى لعبت برأسه وأغوته بالمرأة فهجم، غير أنه رأى الطفل ينظر إليه فخشى أن يشى به فقتله!

وانصرف اللعين، وهبط إلى قاع المدينة، ليذهب إلى خمارة يجلس فيها عالم واعٍ، فاقترب منه، وقال له: إن الله أرسله إليه ليقول له إنه راضٍ عنه، وأنه متجاوز عن انحرافه بشرب الخمر، وعرض عليه الخيارات الثلاثة، فما كان من ذلك الواعى إلا أن خلع حذاءه وأمسك باللعين وضربه على أم رأسه صائحًا: هل يرسل الله رسلًا بعد الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهل يأمر الله بما نهى عنه وحرّمه فى كتابه؟! وخرج الرجل من الخمارة تائبًا، وانصرف إبليس خائبًا حسيرًا!

هذه الحكاية الشعبية تلخص مسألة طالما تشغلنا فى خضم هذه المرحلة التى انتشر فيها آلاف بل ربما مئات الألوف من الأبالسة المدججين بالوسائل التكنولوجية الرهيبة، ابتداء من الإعلام المكتوب والمرئى وصولًا إلى وسائل الاتصال إياها، والأخطر مع هذا وذاك العناصر البشرية التى يتم اختراق وعيها والسيطرة على عقولها وتجنيدها- من حيث تدرى أو لا تدري- لبثّ وتداول كل ما من شأنه أن يخترق ويهدم ما سميته – ولا أزال- جهاز المناعة الوطنية.. لأن كل الوسائل التقنية- مهما بلغت قوتها- تفشل فى اختراق عقل ووجدان الأمة ما لم تجد العنصر البشرى الذى يحمل ميكروباتها وجراثيمها وفيروساتها ويطورها فى تكوينه وينقلها إلى الآخرين من بنى جلدته.. أسرته وأهله ومجتمعه، لتتسع دوائر العدوى وتنهار كل عناصر المناعة الوطنية، لتصنع الشائعات والأباطيل والإفك والافتراء والتزييف ما لم تفعله الطائرات والمدافع والدبابات والقنابل وغيرها!

ولست أبالغ إذا قلت إن مصر التى انتصرت فى الاستنزاف وأكتوبر، وانتصرت على الإرهاب وعلى الإخوان لا تزال فى معركة شرسة ميدانها هو كما أسلفت وعى المصريين وعقلهم ووجدانهم، خاصة أن لدينا مشكلة حقيقية فى التعليم الذى هو عملية تحصين العقول والأنفس بالعلم عبر مناهج متدرجة وتربية عميقة، وقد ثبت أنه بغير علم يصبح الباطل والزيف حقًا وصدقًا!

لقد تحدث الرئيس السيسى فى غير مناسبة عن أهمية الوعى، وتحدث عن حملات بل حرب الشائعات والأكاذيب والإفك، التى تدور رحاها ولا تتوقف، ودعا إلى التمسك بالثوابت وعدم التفريط فى وحدة الأمة وتماسكها، وهنا أتوقف طويلًا أمام قضية التمسك بالثوابت، لأن كثيرين ممن يزعمون أنهم خبراء استراتيجيون، وممن يروجون لما يعتقدون من براجماتية سياسية؛ ينقضون أول ما ينقضون على ثوابت الوطن، ويبدأون فى تأكيد أنه لا توجد ثوابت، وإن وجدت فلا ثبات لها، لأن لكل جيل ثوابته التى تنتهى، وهو أمر ناقشته وفصلت فيه فى مقال نشر فى هذه المساحة يوم الخميس5 سبتمبر 2024، وأؤكد مجددًا أن لوطننا ثوابته التى رسخها، واستمرت معه فى كل حقب تاريخه القديم والوسيط والحديث والمعاصر.. وهى عديدة فى مقدمتها الدولة الوطنية الضاربة بجذورها فى عمق أعماق تاريخنا منذ قام “مينا – نعرمر” بتوحيد الشمال والجنوب، وتوج رأسه بتاج الوجهين معًا.. وفى مقدمتها أيضًا مفهوم وحدود الأمن المصرى منذ الملك ساحو- رع من الأسرة الخامسة إلى حتشبسوت وإلى الآن، وهو أمن حدده أجدادنا بأنه يمتد من شمال منابع المياه المعكوسة التى تجرى من الشمال للجنوب “دجلة والفرات” إلى قرن الأرض أى القرن الإفريقى الحالي.. وقس على ذلك ثوابت أخرى منها الثابت الإيمانى بوجود بعث بعد الموت ووجود حساب وثواب وعقاب، ولست بصدد التفصيل فى غير ذلك لأن المقام لا يتسع.

إن قضية الوعى عبارة عن ضفيرة من خيوط كثيرة، على رأسها التعليم والبحث العلمى ودور الأسرة والمدرسة والجامعة والكنيسة والمسجد والنادى والساحة الشعبية وقصور الثقافة وغيرها، ودور الإعلام- أى الصحافة والإذاعة والتليفزيون وبقية وسائل الاتصال- ثم دور السينما والمسرح وهيئات الثقافة ومجالسها.. ثم دور النخب المختلفة.. النخب السياسية والنخب الثقافية والفنية والاقتصادية فى مجالات الصناعة والمال وغيرها، و”ثم” هنا لا تعنى تراتبيًا هرميًا أو فى الأولوية، ولكنها تعنى أن الكل فى واحد هو جهاز المناعة الوطنية، الذى يحمى الجسد والعقل والروح المصرية من كل احتمالات الاختراق.

شاهد أيضاً

” حين يصبح الكتاب وطنا”… شعار الدورة 40 لمعرض تونس

تحل إندونيسيا هذا العام ضيف شرف في معرض تونسللكتاب، في إطار التوجه نحو تعزيز الانفتاح الثقافي …