الرئيسية / صحافة ورأي / البيئة مسرحاً للصّراع

البيئة مسرحاً للصّراع

الكاتب عبد الإله بلقزيز
الكاتب عبد الإله بلقزيز

يبدو الصّراع على البيئة، اليوم، (بين مَن يناهضون تدميرها ومَن يُتَّهمون من الأوّلين بالضّلوع في تدميرها) صراعاً بين رؤيتين ثقافيّتيْن إلى الطّبيعة وإلى علاقة الإنسان بها:

رؤية إنسانويّة مضيافيّة تُبجِّل الطّبيعة وتعبّر عن شعورها بالانتماء الإنسانيّ إليها وبمديونيّة الإنسان تجاه طبيعةٍ تمنحه، بسخاء، شروط الحياة فيها والتّمتُّع بثمراتها؛ ورؤية استعلائيّة وانتهازيّة لا ترى إلى الطّبيعة سوى من حيث هي موضوعة برسمِ خدمة مصالح الإنسان منظوراً إليه بوصفه يملك حقّ السّيطرة عليها وتسخيرها! والحقّ أنّ الصّراع على البيئة ينطوي على هذا الاستقطاب بين رؤيتين ثقافيّتين إلى الطّبيعة؛ وأنّ الاستقطاب هذا ينتهل مبادءَه من أصولٍ فلسفيّة متباينة تستند كلّ رؤيةٍ إلى بعضٍ منها. مع ذلك، يُفْصِح الصّراعُ ذاك عن وجوهٍ من صدام المصالح بين هؤلاء وأولئك لعلّه (= صدام المصالح) أسُّ الصّراع الأساس ومستَنَدَهُ، الذي لا نملك فهْم شدّةِ احتدامه، في العقود الأخيرة، سوى بالعودة إلى أُسِّه ذاك (= تناقضُ المصالح واشتباكُها).

يصحّ، بهذا المعنى، أن يقال إنّ الطّبيعة أضحت مَسْرَح صراعٍ اجتماعيّ داخل كلّ مجتمع، ومسرحَ صراعٍ عالميّ بين الدّول كما بين قوى المصالح ومؤسّساتها؛ إذْ تدَّخِر الطّبيعةُ ما لا حصْر له من الموارد القابلة لِتَكُون، في حدّ ذاتها، مصالحَ تُمَدّ إليها الأيدي للانتزاع والحيازة، أو القابلة لأن تَتَوَلَّد منها مصالحٌ تكون موضعَ منازعاتٍ في المجتمع الواحد، أو داخل الطّبقة الاجتماعيّة الواحدة، أو بين الدّول. غير أنّ استخدامَنا مفهوم «صِدام المصالح» ينصرف، هنا، إلى معنًى محدَّد مناسِب للحالة التي تتناولها هو: الصّدام بين مَن يدافعون عن مبدأ الحفاظ على البيئة، ومَن ينخرطون في استغلال مواردها؛ أي الصّدام بين فريقيْن متباعديْن في المواقف والمواقع، متّفِقيْن – في الوقت عينِه- على حقّ كلٍّ منهما في تلك البيئة.

يدّعي من يستغلّ البيئة في مشروعٍ صناعيّ (فرداً كان أو مؤسّسةً أو دولةً) أنّه يقدّم خدمةً وطنيّةً أو اجتماعيّة أو إنسانيّة، وأنّه لا يحتكر أشياء الطّبيعة وخيراتها لنفسه. وهو ادّعاء ينفي – في الوقت عينِه – تهمتيْن عن صاحبه: تهمة احتكار الطّبيعة، وتهمة استغلالها؛ إذ ما يقع عنده في نطاق المُلكيّة القانونيّة، أو ما يمكن احتيازُهُ بالمال (ممّا يُرَخَّصُ شراؤُه) ليس احتكاراً؛ وما يُسْتَثْمَرُ فيه لغرضٍ عامّ – هو المصلحة العامّة – ومن أجل تزويد المجتمع بحاجاته إلى سلعٍ بعينها (حيويّة) ليس -عنده – ممّا يُحْسَب مصلحةً شخصيّةً ولا استغلالاً. أكثر من ذلك، يذهب هذا إلى القول إنّ ما يقوم به هو خدمةٌ للتّنميّة والتّقدُّم لا يستحقّ عليها اعتراضاً أو احتجاجاً من خصومه/خصومها… مدّعياً لنفسه البراءةَ من التُّهم الباطلة، إن كان في حالةِ دفاعٍ عن النّفس وتبريرٍ للمصلحة، أو ضارباً عرضَ الحائط بكلّ تشكيكٍ واحتجاج إنْ كان في موقع قوّة.

في مقابل هذا ينتصب موقف المدافع عن البيئة من استغلالها الصّناعيّ الوحشيّ الذّاهبِ بها إلى التّدمير. من البيّن أنّ دفاعه عنها دفاعٌ عن حقٍّ جماعيّ مهدور أو مستَبَاح، وهو الحقُّ في الحياة الذي يتهدّدهُ دمارُ البيئة، والحقُّ في بيئة نظيفة: أي طبيعيّة وخالية ممّا يلوِّث طبيعيّتَها. إنّه الموقف الذي ينطق بلسان البيئة ويمثّلها في معركة الاستغلال معها. ولكنّه موقفٌ إنسانيّ، في الوقتِ عينِه، من حيث انتماءُ الإنسان إلى الطّبيعة، ومن حيث بقاؤُه المشروط بسلامة محيطه البيئيّ الطّبيعيّ الذي يعيش فيه. ثمّ هو دفاعٌ عن حقِّ غائبٍ – سيكون حاضراً مستقبَلاً – هو البشريّة القادمة التي لها من الحقوق في البيئة ما لغيرها من أجيالٍ سابقة أخذتْ نصيبَها منها. وهو، في هذا، يبدو عنيداً في مهاجمة جَشع المسْتغلّين وأنانيّتهم اللّذيْن يدفعانهم إلى نسيان ما خارج ذواتهم واهتضام حقوقه.

والحقّ أنّ المعركة الدّائرة بين قوى المصلحتيْن ليست معركةً أخلاقيّة، حتّى وإن هي سخّرت مفردات أخلاقيّة (وهي أَظْهَرُ في خطابات مَن يدافعون عن البيئة)، بل هي معركة اجتماعيّة- سياسيّة داخل المجتمع الواحد وفي ما بين الدّول. وهي ليست، لهذا السّبب، تَقْبَل جَدَلَ الحُجّةِ بالحجّة سعْياً إلى الإقناع، بل لا يحسمها سوى تَوازُن القوى بين الفريقيْن المتنازعيْن. على أنّ توازُن القوى، هنا، ليس سياسيّاً حصراً، بل قد يكون ثقافيّاً أيضاً أو، قل، قد يكون توازناً بين وعييْن في المجتمع والعالم و، بالتّالي، بين إرادتيْن. ما من شكّ في أنّ كِفّةَ قوى المصالح هي الغالبة اليوم، وأنّ مصلحتهم أظْهر من مصلحة مَن يدافعون عن البيئة، لكنّ هذه الحال تُعبّر عن وضْعٍ انتقاليّ وليست دائمة، خصوصاً إنْ أخذنا في الحسبان التّزايُدَ المطّرِد للأفكار المدافعة عن البيئة، والتّوسُّع المتعاظم للقوى النّاطقة بتلك الأفكار. ولعلّنا قد لا ننتظر، طويلاً، حتّى تَفْشُوَ فكرة الدّفاع عن سلامة البيئة في العالم فيتعدّل ذلك التّوازن في القوى بين فريقيْ النّزاع. ولقد يكون في جملة ما يرجّح إمكانَ هذا الاحتمال هو أنّ التّماديّ الرّاهن في تنفيذ البرامج الصّناعيّة المُضِرّة بالبيئة لن يكون من شأنه – ومن شأن نتائجه الكارثيّة – سوى توليد المزيد من طاقة الاعتراض لدى جمهور البيئة النّظيفة في العالم… الذي يتّسع نطاقُه الاجتماعيّ باستمرار.

 

Sky News

شاهد أيضاً

الممثلة عندما تخرج من سجنها وتلبس خلخالها

زينة دكاش تقدم صورة الابنة والاخت في مواجهة مشكلات الحياة برفقة كريم شبلي كاتيا الطويل …