الرئيسية / كلمة العدد / … في حب المغرب
مودي حكيم
مودي حكيم

… في حب المغرب

بأحب المغرب بالزاف .. باللهجة المغربية ومعناها احب المغرب كثيراً ، نعم احببت المغرب ، وتمنيت العيش فيها ، احببت سواحلها على المحيط وعلى المتوسط  ، تستقبلك وتودعك فيها أمواج المحيط الهادرة ، لتتلقفك مزارع الزيتون واللوز وأشجار الأَرْجَانُ النادرة وسط الحقول العامرة  ، وعلي البعد جبال أطلس تزينها قمم الثلوج البيضاء ، لتنحدر الى قلب الوديان الخضراء المغمورة بكل خيرات الأرض ، مدنها تعانق البحر كمنارة تبث نور الجمال وثقافتها تعبق كل شئ ، أزقتها ، مبانيها مساجدها ورائحة مياه المحيط ،  بلد محطة التقاء حضاري بين شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه ، جميل بطبيعته وشعبه ، تغمرك  ضيافة أهله ومزيجه الثقافي المتنوع ، والمغرب يحتل المرتبة الثانية حسب مؤشر السعادة العالمي لهذا العام لشمال افريقيا ، والمرتبة 100 دوليًا . يعشق المغاربة مصر، يسمونها مثلما يسميها أهلها “أم الدنيا”، ويعتبرونها أمة لوحدها، تماما مثلما هم أمة لوحدهم. يرون في أرض الكنانة كل شيء جميل…. حب من طرف واحد.. من طرف المغاربة للمصريين بموجبه لا يرون في مصر إلا الأدب وعمالقته الكبار من نجيب محفوظ ، ولا يلمحون في ثنايا الحديث عنها إلا الفن والكبار الخالدين من أم كلثوم إلى آخر الوافدين، ولا يريدون سماع أي شيء سيء عنها. عندما ألقى طه حسين خطابا فى الجامعة الامريكية يوما فى القرن الماضي دعا فيه إلى الاهتمام بالمغرب العربي ، ومايزخر به من فكر ومن أدب وثقافة ، سعي هو بذاته إلي تنفيذ مضمون خطابه ، عبر الاهتمام بأدب المغرب ، على مافي ذلك من صعوبة الحصول على مؤلفات المغاربة ، خاصة أيام الاحتلال الفرنسي لشمال افريقيا ، وسعي فرنسا الدؤوب إلى محاربة العربية ومقومات الشخصية المغاربية ، بالمقابل كسر طه حسين الحصار الفرنسي وسعي إلى التعريف بالإبداع المغربي في المشرق ، وزارة المغرب الأقصى عام 1958 ولقي كل الترحاب من قبل الملك محمد الخامس ، وولي عهده الحسن الثاني ، وقلده وسام الكفاءة الفكرية ، واشاد الملك الراحل بوقوف طه حسين مع المغرب فى محنته من أجل الاستقلال ، طه حسين الذي داهن الاستعمار الفرنسي ايام كان طالباً فى السوربون ، وأهدي رسالته الجامعية عن ابن خلدون إلى السلطات الفرنسية التى تقاوم البرابرة فى الشمال الافريقي ، وتنشر الحضارة ، بل كتب فى جريدة الجمهورية ” إن كل شيء ممكن إلا أن تزعم فرنسا أنها تملك قلوب الناس في مستعمراتها ، حقا قد تملك أجسامهم إلى حين ، أما قلوبهم فيملكها شيء آخر غير فرنسا يسمى  الاستقلال ” .

ويجئ وصف موقع مصر والمغرب فى قول العالم الكبير “جمال حمدان”  ‏:‏ “إن مصر تتجه شمالاً وتتحد مع الشام‏، وتتجه جنوباً نحو السودان الشرقي‏،‏ والمغرب يتجه شمالاً ويتحد مع الأندلس كما يتجه جنوباً نحو موريتانيا والسودان الغربي‏،‏ لذا يمكن القول إن الصلات بين مصر والمغرب قديمة ومتداخلة‏، ففي التاريخ القديم أن الملك المغربي يوبا الثاني تزوج الأميرة المصرية كليوباترا سيليني ابنة الإمبراطورة الشهيرة كليوباترا‏،‏ وكان الملك المغربي يمتلك مكتبة ضخمة حاول أن يستنسخ منها مكتبة شبيهة بمكتبة الاسكندرية العظيمة حيث اقتنى كتباً مهداة من انطونيوس إلى كيلوباترا الأم”‏.‏

كما  اعتبر الجغرافي المغربي  “ابن سعيد المغربي” ‏(685‏ هـ ـ‏1286‏ م‏)‏، ان مصر ضمن مجموعة البلاد المغربية‏، فكان أن خصها بجزء كبير في كتابه “المغرب في حلي المغرب” وقد يؤيد هذا الاتصال قول “ابن عذاري المراكشي” إن الخليفة “هشام بن عبدالملك” قلد “عبدالله بن الحبحاب” ولاية مصر والمغرب والأندلس.

كما اتفق بعض المؤرخين والجغرافيين على تعريف وتحديد المغرب بأنه “تلك الأراضي الإسلامية التي تمتد غربي مصر إلى المحيط الاطلسي”‏، وعليه فإن مدينة الإسكندرية كانت في وقت ما تعتبر الحد الفاصل بين المغرب والمشرق، وعرفت باسم “باب المغرب” لكونها كانت معبراً لجميع المغاربة القادمين او العائدين سواء بالبر او البحر بقصد الحج أو العلم أو التجارة أو الزيارة، فكان أن طبع هذا مدينة الاسكندرية بطابع مغربي ظل حتى وقت قريب في لهجة بعض أهلها‏، وأضرحة بعض أوليائها‏،‏ وأسماء بعض أسواقها وأحيائها. كذلك حظيت الاسكندرية بمكانة كبيرة في نفوس المغاربة‏، لدرجة انهم تشبهوا بها في منشآتهم المعمارية‏،‏ مما حدا بالمؤرخ المغربي “عبد الواحد المراكشي” إلى إطلاق اسم “إسكندرية المغرب” على مدينة الرباط، لتشابه مبانيها وحصانتها وحسن تقسيمها‏،‏ كما ذكر علماء الآثار وجه شبه آخر عن تأثير شكل منارة الاسكندرية القديمة على شكل وتصميم عمارة الصومعة المغربية‏(‏ المئذنة‏)‏ وهو الشكل الذي يقوم على المئذنة المربعة التي تشبه الحصن أو الصومعة‏.

رحل إلى مصر العديد من الرحالة المغاربة كتبوا واسهبوا في وصفها منهم “ابن جبير البلنسي”‏،‏ و”ابن رشيد السبتي”،‏ و”العبدري الحيحي‏”،‏ و”ابن بطوطه الطنجي‏”، و”الحسن بن محمد الوزان” المعروف باسم ليون الأفريقي، والذي زار مصر في الوقت الذي استولي عليها السلطان سليم العثماني سنة‏923‏ هـ‏

لم تكن الجاليات المغربية التي شدت رحالها إلى مصر تسكنها بأشخاصها فقط‏، بل بثقافتها وعلمها وفنها وتجارتها، بل كانوا يشاركون في الدفاع عنها‏، وكان “أحمد بن طولون” في القرن الثالث الهجري من أوائل الحكام الذين رحبوا بالمغاربة وأسند إلى علمائهم مناصب مهمة في الدولة،‏ كما فتح لهم أبواب مسجده يقيمون فيه ويدرسون،‏ كما حدد لهم مرتبات يتعيشون بها‏، وكان ارتباط الجالية المغربية بجامع ابن طولون هو الذي جعل الفاطميين حينما دخلوا مصر بجيوشهم أن يختاروه لإقامة شعائرهم وذلك قبل بناء الجامع الأزهر‏.‏  كما ارتفع عدد الصوفية المغاربة الوافدين إلى مصر بين أواخر القرن السادس وأواخر القرن السابع الهجريين‏، وظهر منهم الشيخ “عبدالرازق الجزولي” وأصله من المصامدة، واستقر بالإسكندرية ومات بها عام‏592‏ هـ،‏ والشيخ “عبدالرحيم القنائي”‏ (‏ عبدالرحيم القناوي‏)‏ وأصله من “ترغاي” بإقليم سبته، حيث انتقل إلى الحجاز ومنها إلى صعيد مصر، واستقر بقنا للتدريس والإرشاد وتوفي عام‏592‏ هـ‏، والشيخ “أبو الحسن الشاذلي” الذي يعود نسبه إلى قبيلة غمارة بسبتة، وأيضاً استقر بالإسكندرية وتوفي عام‏656، وهو في طريقه للحج‏، والشيخ “أحمد البدوي” الذي ولد بفاس وانتقل إلى المشرق متجولا حتى انتهى به المقام في مدينة طنطا عاملاً بالدعوة إلى الله . ومازالت القاهرة تحتفظ بأسماء قبائل مغربية حلت بها مثل الزويلة وكتامة والباطنية والبرقية وغيرها؛ من خلال ركب الحج الذى كان يعبر البر المصري، فالحجاج المغاربة كانوا لا يتوقفون ولا يستقرون إلا بمصر التي يصلونها بعد ثلاثة أشهر من سفرهم، فيرافقون كسوة الكعبة المشرّفة التي كانت تُصنع في مصر حتى عام 1961.

وعلى المستوى الروحي، كان لمصر دور في نقل الإسلام إلى المغرب، ودور آخر في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة، في تسهيل مرور المولى “إدريس الأول” كي يمر إلى المغرب، وما ترك هذا العمل من آثار لا حدود لها في العلاقات بين البلدين، فوصول الأدارسة فراراً من الاضطهاد العباسي إلى المغرب، واستقبالهم من المغاربة ومعرفة من ساعدهم في هذا الوصول ترك أثراً طيباً في نفوس المغاربة. وقد قويت العلاقات أيضاً بين الشعبين بأواصر العلم والدين مع وصول الإسلام إلى المغرب، حيث كان الفقهاء والعلماء وطلاب العلم المغاربة يشدّون الرِّحال إلى مصر، قلب الشرق العربي، طلباً للعلم والاختلاط بالعلماء لسنوات، قبل العودة إلى مراكش وفاس وغيرها من المدن المغربية، أو البقاء في مصر والعمل في التدريس أو التجارة.

اما  البعد الشعبي والثقافي لحضور الثقافة المغربية فيظهر في أسماء أولياء الله الصالحين، وأحياء وشوارع القاهرة والإسكندرية ومدن مصرية أخرى، فقد وفر الموقع الجغرافي، كما يقول المؤرخ جمال حمدان، “صلات قديمة ومتداخلة” بين البلدين، وفي القاهرة أيضا كان للمغاربة حضورهم تاريخياً في التجارة والعمران والدعوة والتعليم والتصوف، ومثلوا أكبر طائفة عربية إسلامية وافدة، ومازال الأزهر الشريف يحتفظ بباب للمغاربة ضمن أبوابه الاثنين والعشرين، وهو ما يعرف بـ”رواق المغاربة” وتحمل إحدى حواضر الأحياء العريقة في القاهرة، وهو حي “باب الشعرية”، اسم “حارة المغاربة”؛ كما تحتفظ سجلات الأرشيف المصري بأسماء تجار مغاربة تولوا منصب شهبندر تجار القاهرة، أعلى منصب تجاري مصري في فترة ما قبل تأسيس مصر الحديثة، مثل محمد آل الشرايبي الفاسي الذي نجح في انتزاعه من التجار الشوام والمصريين عام 1697 حتى عام 1712، وعاد هذا المنصب الرفيع إلى المغاربة مرة أخرى عام 1784 على يد الخواجا الشريف أحمد بن عبد السلام مشيش، وظل يتولاه حتى توفي عام 1790.

لم يتوقف الحضور المغربي عند هذا بل تخطاه للفنون والموسيقي والغناء .. وله تاريخ سنقترب منه .

 

 

شاهد أيضاً

عشق الرائحة فى الصحافة المطبوعة !

  لاشك انه من المبكر نعي الصحافة المطبوعة . فلديها قرّاؤها ولديها جمهورها ، فعشق …