الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (٦٣)
إختفاء مفاجيء!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (٦٣)
إختفاء مفاجيء!

تعلمت فى حياتي أن أعتمد على الله حتى أتمكن من المضي قدمًا تحت رعايته، فَأَطْمَئِنُّ وَلاَ أَرْتَعِبُ، فَهُوَ يُقَوِّمُ سُبُلِيِ، ولم أكنْ يُوماً مغامراً، ولكني مؤمن بأن أعظم مغامرة يمكن أن تخوضها فى الحياة، هو أن تعيش الحياة التى دائمًا ما كنت تحلم بها. واذا أقدمنا على مغامرة ، فلابد أن نقذف وراءنا بكل المخاوف، واضعاً أمامي كلمات الكفيفة الصماء هيلين كيلر الأديبة والناشطة الأميركية “الحياة إما مغامرة عظيمة أو لا شئ”.

الموقف مازال غريبا على، الشراكة غير متكافئة، بين واحد من أغني أغنياء بريطانيا وبين شاب مغترب يجتهد فى إثبات نجاحه فى بلاد الغربة. حقا الحياة غريبة  تجري فيها أحيانًا أحداث لو عرضت علينا على الشاشة أو قرأناها فى قصة لأتَّهَمَ مؤلفها بالمبالغة والإفتعال.

قبل أن نغادر مبني الميرور جروب  بحي الصحافة، قمت بالتوقيع  بالأحرف الأولى على مذكرة تفاهم على ما إتفقنا عليه من شراكة لإحتواء مطبوعات المجموعة بمطابعي بلندن، دون ظهور مباشر لماكسويل تجنبا لأي مشاكل قد تثيرها النقابات الطباعية بسبب سوء العلاقة بينهم. كانت الخطوة الأولي كما اتفقنا البحث عن قطعة أرض تصلح للتوسعات بمنطقة مواني لندن القديمة. وفى أكثر من جلسة مع فريقي العمل تم توزيع المسئوليات الإنشائية والإدارية والمالية وتقنيات الطباعة عليهم. ثم بدأت البحث عن مكان مناسب للمشروع  وفى صحبتي مهندس مدني واستشاري والمدير المالي.

توجهنا الى لندن دوكلاندز و هي الواجهة النهرية وأرصفة الشحن القديمة في لندن. وهي تقع فى جنوب  شرق لندن، في أحياء Tower Hamlets، Southwark ، و Lewisham، و Greenwich. في العصر الروماني والعصور الوسطي، كانت السفن القادمة إلى نهر التايمز  تميل إلى الرسو على أرصفة صغيرة في مدينة لندن الحالية أو ساوثواراك، وهي منطقة تُعرف باسم بركة لندن. كانت الأرصفة في السابق جزءًا من ميناء لندن، الذي كانت في وقت من الأوقات أكبر ميناء فى العالم. بعد إغلاق الموانئ أصبحت المنطقة مهجورة وخلت من أي نشاط لهذا أختيرت لتصوير مشاهد من فيلم العصابات Long Good Friday من بطولة بوب فرايداي وهيلين ميرين الذي أنتج فى نهاية السبعينيات. تم إستخدام اسم “London Docklands” لأول مرة في تقرير حكومي حول خطط إعادة التطوير في عام ١٩٧١ ومنذ ذلك الحين تم اعتماده عالميًا تقريبًا. خلقت إعادة التطوير ثروة، ولكنها أدت أيضًا إلى بعض الصراع بين المجتمعات الجديدة والقديمة في المنطقة. وعندما تبنت صناعة الشحن نظام الحاويات المبتكر حديثًا لنقل البضائع، كانت أرصفة لندن غير قادرة على إستيعاب السفن الأكبر حجماً التي تحتاجها الحاويات، فانتقلت صناعة الشحن إلى موانئ المياه العميقة مثل Tilbury  و Felixstowe. بين عامي ١٩٦٠ و ١٩٨٠، تم إغلاق جميع أرصفة لندن، تاركة حوالي ثمانية أميال مربعة (٢١ كم مربع) من أرض مهجورة في شرق لندن.

كان النهر محاطًا بعدد لايحصى من المستودعات بدأ المطورين العقاريين تحويلها الى شقق سكنية، تطل علي النهر وبدأت معالم المنطقة تأخذ شكلًا حضاريًا. وتغير الوضع  دراماتيكيا في مرحلة الثمانينات، حيث أدى إعادة صياغة قوانين الخدمات المالية إلى تسارع نمو القطاع المالي في لندن وبالتالي الحاجة إلى وجود مكاتب إدارية عالية المستوى  ومساحات واسعة لاستيعاب جميع خدمات الكمبيوتر التى تحتاج لجو مكيف، فى وقت لم تكن انجلترا تعرف أجهزة التكييف. ولذلك، فقد إنتقل القطاع المالي إلى حي السيتي (لندن)، حول «بنك أوف انجلند ».Bank of England، فمنحت الحوافز لتشجيع الإنشاءات الجديدة بمنطقة «أيل أوف دوجز »، وبالفعل أنشئ هناك عدد من البنوك منها « HSBC »، و«باركليز»، و«كريدي سويس»، حيث افتتحت جميعها فروعا في لندن حول منطقة «كناري وارف» في أبراج جديدة أعتبرت الأكثر ارتفاعا في لندن. والآن تضم هذه المنطقة مكاتب إدارية تغطي مساحة تبلغ نحو ١،٥ مليون متر مربع، يعمل بها نحو مائة ألف عامل وموظف في مجال تجارة التجزئة. وأصبح هناك خطوط للقطارات  تحمل 70 مليون راكب سنويا. وبني هناك مطار جديد حمل اسم «سيتي إيربورت» على بعد ثلاثة أميال فقط شرق منطقة «كناري وارف»، ويقوم بتسيير رحلات طيران من لندن إلى مختلف مدن أوروبا من دون الحاجة إلى القيام برحلة طويلة إلى مطار هيثرو الشهير. وباتت المنطقة الآن مرغوبة للسكن، وأصبح يقطنها كبار نجوم التلفزيون مثل السير أيان ماكلين، وحتى هيلين ميرين، نجمة فيلم «ذا لونج جود فرايداي» التي ذكرت في بداية المقال، انتقلت هي الأخرى للعيش في المنطقة وتعيش حاليا بمنزل رائع بني على الطراز الجورجي على بعد ٢٠ دقيقة سيرا على الأقدام من جسر «تاور بريدج». في الحقيقة، إستغرق تحول المنطقة من خرقة بالية إلى ثروة حقيقية مدة جيلين كاملين.

لم يكن الأمر صعب فى إختيار موقع مناسب للمشروع، فالمتاح فى هذه الجزر مساحات واسعة من الأراضى خالية لكن البعض منها غارق بالمياة لقربها من النهر، فكان لابد من عمل “الجسات” للتربة للحصول على عينات من التربة لفحصها ومعرفة قدرة تحملها للأساسات والماكينات، وبعناية شديدة وقع الإختيار على مساحة أرض مناسبة للمشروع من جميع النواحي فى Canary Wharf ومعني كلمة “وارف” رصيف السفن وتسمى المنطقة  بأرض المراسي “دوكلندز”، على بعد ثلاث أميال من جسر تاور بريدج على إمتداد نهر التايمز.

وحضر روبرت ماكسويل مع فريق من المهندسين لمعاينة المكان، ووافقوا عليه وباركوا إختياري. وبدأ المهندسون فى وضع التصميمات التى لم تستغرق الوقت الكثير، ووضعنا تصور للمعدات والماكينات، والحصول على عروض أسعار.

أصبحت الأسس التي سوف يبني عليها المشروع جاهزة للتنفيذ، مما إستلزم عقد إجتماعات مع فريقى العمل لوضع الميزانيات وخطة العمل ومراحله والجدول الزمني للتنفيذ وتوزيع الأدوار والمسئوليات، لعرضها على شريكي المليونير لمناقشتها والإنطلاق بالمشروع. ودعوت الفريقين للإجتماع الأول، ومع الأسف لم يحضر من فريق ماكسويل إلا شخصين، مما دعي الى تأجيل الإجتماع لموعد آخر.

فى الموعد الجديد لم يحضر أحد من فريق روبرت ماكسويل، لامبالاة تثير القلق، تري ما هى الأسباب التي تقف وراء عدم الحضور، فهل “الغايب حجته معاه” كما نقول، أم هو قرار إختفاء.. إذا كان هناك إختفاء؟!

 

مودي حكيم

 

شاهد أيضاً

عشق الرائحة فى الصحافة المطبوعة !

  لاشك انه من المبكر نعي الصحافة المطبوعة . فلديها قرّاؤها ولديها جمهورها ، فعشق …