الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (٥٨)
أفتح الشباك والا أقفل الشباك!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (٥٨)
أفتح الشباك والا أقفل الشباك!

 للكاتب الإنجليزي وليام شكسبير مقولة “عندما تأتي المشاكل فإنها لا تأتي وحدها كالجواسيس … بل جماعات كالجيوش”. وأكد أبو الطيب المتنبي: “.. وهي لاتأتي فرادى”.

وهو معني المثل الإنجليزي  Misfortune never comes singly it comes in waves. وقد آمنت فى حياتي بأنه لا يصاب أحد إلا بما رسمه الله له. لم أقنط أو أيأس، فأنا عملت العمل الحسن، باستقامة وحسن نية. حوادث الدهر تتوالى مثل ورد الربيع وثمر الخريف. كل ما يحدث حدوثه واجب. مهما أصابني فهو مكتوب لي منذ الأزل، ويحدث تبعًا لنواميس الكون. وكما قال الكاتب المسرحي والشاعر الأسباني ميجل دى سرفانتيس مؤلف الرواية الشهيرة ” دون كيشوت” : البلايا لا تأتي فرادى. الزمان يصلح كل شيء. قلبي لين كالشمع، ولكنه شديد الإحتمال كالصخر.

واجهت المشاكل المتتالية، لم تكن الخسائر المادية بعد توقف جريدتي “القبس” و “الثورة” أصعبها بل كانت مواجهة النقابات العمالية. كان يحكم صناعة الطباعة ثلاث نقابات (The National Graphical Association   (NGA وهي النقابة الوطنية لكل العاملين فى الطباعة بالمملكة المتحدة، ونقابة  Society of Lithographic Artists , Designers and Engravers ” SLADE ” للفنانين العاملين فى المجال الطباعي من رسامين و مصممي جرافيك و مصممي القوالب الطباعية وفناني “مونتاج الأفلام”، والعاملين على أجهزة فصل الألوان والتصوير الميكانيكي،

ونقابة ” SOGAT” Society of Graphical and Allied Trades للعاملين فى صناعة الورق والتجليد وهى النقابة الطباعية الوحيدة التى تضم قسم للمرأة العاملة فى تجليد الكتب والمطبوعات والتعبئة، وهو الإتحاد النسائي الوحيد المستقل فى هذه الصناعة. فى السبعينيات والثمانينيات، كانت نقابات الطباعة ضمن نقابات عمالية أخري مستهدفة من قبل سياسيي حزب المحافظين والصحافة اليمينية كجزء من حملتهم لنزع القوي العمالية، فتعرضت النقابات الطباعية للهجوم بسبب سعيها لتوسيع نشاطها وهيمنتها وفرض سيطرتها. وجاءت مارجريت تاتشر كرئيسة وزراء لترأس الحكومة البريطانية، وتواجه بإضراب قام به عمال مناجم الفحم إحتجاجًا على قرارات بإغلاق المناجم، إستمر 4 أشهر. رأي البعض أن تاتشر إستطاعت أن تقف بحزم ضد العمال الذين وصفتهم بأنهم الأعداء فى الداخل، برفضها التفاوض، الى أن إضطر العمال فى النهاية الى إنهاء الإضراب. بينما رأي البعض الآخر أن موقف تاتشر قد أضعف نقابة العمال التى كانت تتمتع بقوة كبيرة، وأهانت ذكاء وكرامة الطبقة العمالية عندما قررت تجريم الإحتجاج عن طريق الإضراب. ورأى المعارضون لتاتشر انها تمكنت من تحويل نظام ديمقراطي يتمتع بنظام إجتماعى متقدم وحركة عمالية قوية الى نظام فاشى، خلال سنوات قليلة، إستخدمت فيها كل أساليب الفاشية للضغط على العمال. دعمت تاتشر القطاع الخاص والملكية الخاصة، فتحالفت مع العقيدة الأمريكية فى ذلك الخصوص، فكانت تلك الفترة التى شهدت وجود تاتشر وريجان وبداية التعاون الوثيق بين الدولتين.

إعتمدت سياسات مارجريت تاتشر على تحرير السوق وتحرير الإقتصاد، بالإضافة إلى خصخصة شركات القطاع العام، والتقليل من نفوذ النقابات وقوتها. وفي المجمل، يقول البريطانيون عن عهدها إنه كان عهد الرأسمالية الحرة والإقتصاد الحر. ووقفت ضد الإتحاد السوفيتي سياسيًا وإقتصاديًا، حتى حصلت من الصحافة السوفيتية نفسها على لقبها الأشهر «المرأة الحديدية». وفي سعيها لفرض سيطرتها على مجريات الأمور، قامت تاتشر بسحق النقابات العمالية التي قادت مجموعة من الإضرابات العمالية إستمرت لما يقرب من عام، وإستخدمت قوات مكافحة الشغب في مواجهة عمال المناجم، ورفضت الرضوخ لمطالبهم.

لعب الأسترالي روبرت مردوخ، قطب الإعلام العالمي، دوراً فى تعضيد ومساعدة تاتشر فى معركتها مع النقابات، وقد ورث عن والده في أستراليا عام 1952 شركة “نيوز ليمتد” التي كانت تضم صحيفتين، وهيمن على عدد من الصحف في أستراليا ونيوزيلندا عام 1960. وإنتقل إلى بريطانيا عام 1969 حيث عمل في صحيفة “ديلي إكسبريس” في لندن، ثم إشترى صحيفتي “نيوز أوف ذو وورلد” و ” The Sun ”  وحولها إلي صحيفة تابلويد حيث وصلت مبيعاتها إلى 3 ملايين نسخة يوميا وركز فيهما على مواضيع الإثارة  فقد  إستطاع خلال خمسين عاماً أن يحول صحيفة أسترالية واحدة الى شركة نيوز كورب التي تعد واحدة من أكثر الإمبراطوريات الإعلامية قوة ونفوذا في العالم. في حين تبلغ ثروته أكثر 7.7 مليار دولار، مما وضعه في المرتبة 32 بين أغنياء العالم، ولعب دورًا كبير فى تعضيد تاتشر ودعمها فى مهمتها لإضعاف القوة الطاغية للنقابات العمالية وخاصة الطباعية، ومؤيدًا قويا لها، وفى المقابل ساعدته هي فى الإستحواذ على الصحافة البريطانية، وكانت النقلة الكبري له ضمن سيطرته على الرأي العام البريطاني، كانت مع مرور مجموعة صحف The Times وهي أعرق الصحف البريطانية بأزمة مالية حادة، وأعرض المستثمرون عن إنقاذها تخوفا من الغموض الذي يكتنف مستقبلها بعد تراجع مبيعاتها بشكل ملحوظ، ووقوع مشاكل مع عمال الطباعة والنقابات. إلا أن هذه المخاوف لم تمنع مردوخ من التركيز على المجموعة، لما تمثله من أهمية في عالم الصحافة وثقل في دنيا السياسة، ويبدو أنه كان قد حضّر خطة جديدة لتحويل خسارتها إلى أرباح، فخاض في سبيل ذلك معارك إستخدم فيها كافة أسلحته، حتى حظي بتأييد رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارجريت تاتشر التي وافقت له بصفة إستثنائية على شراء المجموعة، بالرغم من أن قانون الإحتكارات البريطاني يمنع هيمنة شخص واحد على كل هذا العدد من الصحف، ومع ذلك يسيطر مردوخ على 40% من الصحافة البريطانية. كما قلص مردوخ عدد العاملين في مجموعة The Times،  وواجه نقابة عمال الطباعة بحركة إستفزازية، حيث قام بطرد آلاف العمال دون سابق إنذار، متنكرا بذلك لبعض الأفكار اليسارية التي أُعجب بها في مطلع الخمسينيات وأشاد بها كثيرا، ولكنه على غير المعتاد حافظ على الطابع المحافظ للصحيفة وملحقاتها.

في عام 1986، هز مردوخ تكنولوجيا طباعة الصحف في العالم عندما أسس عمليات إنتاج إلكترونية في صحفه في أستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة. وزاد الكفاءة والسرعة، وفي الوقت نفسه، خفض عددا كبيرا من موظفي وعمال الإنتاج. وفي بريطانيا، أثارت هذه الخطوة غضب نقابات عمال الطباعة وحلفائهم في نقابات أخرى. وأدت إلى نزاع عنيف في قلعته الإعلامية المطلة على ميناء لندن حيث بنى مردوخ دار نشر إلكترونية في مستودع قديم. وكان أن فصل أكثر من 6000 عامل وموظف، وقال في إعتزاز: «آسف، سبقتهم التكنولوجيا وهم نيام». في ذلك الوقت، قال كثير من اليساريين البريطانيين إن حكومة حزب المحافظين بقيادة مارجريت تاتشر، تواطأت مع مردوخ ضد النقابات العمالية البريطانية (مثل إرسال أعداد كبيرة من الشرطة لمواجهة المظاهرات، وإعتقال قادتها).

بعد الهجوم الناجح على نقابات الطباعة، إندمجت SLADE مع NGA بقيادة شركة الأخبار الدولية برئاسة مردوخ  في عام 1986.

شاهدت بنفسي آلاف من فرق الشرطة الإنجليزية ، بكل فروعها من الفرق الوطنية والأمنية والعسكرية والدفاعية والجنائية وفرق مكافحة الشغب والخيالة والشرطة النسائية  بكل رتبهم المشاركين فى  العملية الأمنية والحراسة اليومية التى كلفت مردوخ وقتها الكثير وتخطت 100 ألف جنيه إسترليني يوميا، وتستمر من الصباح حتى الإنتهاء من طباعة صحفه فى حوالى الثامنة من مساء كل يوم. كانت فروع النقابات الطباعية فى لندن الأقوي فى بريطانيا لهذا تخلت المطابع عن تواجدها فى العاصمة البريطانية وإنتقلت لخارجها وتبعثرت فى مدن ومقاطعات إنجليزية فى مناطق القوي النقابية فيها أقل شراسة من مثيلتها فى لندن. ولم يتبقي فى العاصمة إلا مطابع ميردوخ و مطبعتي. فعانيت من النقابات الطباعية رغم أني إلتزمت بكل شروطهم بدأً من عدد العاملين وأجورهم و ساعات عملهم، كانت نقابة NGA تشترط عدد العاملين على الوحدات الطباعية لكل ماكينة وهو عدد مبالغ فيه، وهم غير مسموح لهم بالتعامل مع الورق، فتغذية الماكينة ومناولة ورقّ الطباعة، وإستلام المنتج المطبوع مسئولية SOGAT نقابة الورق والتجليد، وما أكثر المعارك الكلامية والإشتباكات اللفظية بين حزبي النقابتين. المشاكل تبدأ ليلًا عندما ينفض مولد ميردوخ والعسكر، بانتقال بعض المضربين والمحتجين المتجمعين أمام مطابع مجموعة صحف The Times الى الحضور ومحاصرة مبني مودي جرافيك، وهو على بعد كيلومترات قليلة  من إمبراطورية ميردوخ، فى محاولة لعدم الخروج أو الدخول للمبني. لم يكن لى السلطة أو الإمكانيات المادية لمنافسة الإمبراطور فى تسديد “فاتورة” الشرطة البريطانية لحراسة المكان ومنع أي إعتداءات أو ضرر، وداخل المبني تبدأ مع الحصار والمناوشات الإستفزازية، بمحاولة جذبي لمشاكل يختلقونها. فمسئولي الورق يرفضون أخذ تعليمات من معلمين الطباعة الذين تأخذهم الكرامة ويوقفون العمل، وتقف الماكينات، ويحاول مدير المطابع “دافيد ديلنچر” حل المشكلة وإعادة تدوير عجلة الإنتاج ويفشل بالطبع، فالمطلوب تدخلى بغرض إيقاعي فى المحظور وإتخاذ قرار يغضب أحد الأطراف فتشتعل المشكلة وتكون فرصة لإضراب لا يحمد عقباه. واذا إنتقلنا للطابق الثاني من المبني بقسم التجليد، وبه ماكينة موللر مارتيني Muller Martini لتجميع الملازم والطي وغيرها من مراحل لإخراج المطبوعة بالشكل الجمالي المعد للقراءة، ويتحكم فى تشغيلها نساء ورجال يعملون تحت توجيه ونظام عمل وضع قوانينه نقابة SOGAT، لوجدنا معركة أخري أبدعها فريق النساء من أعضاء النقابة، أشبه بالمواقف الكوميدية فى المسرحيات المصرية، ذكرتني بأشهر فرسان الثقافة، الكاتب والمفكر المناضل صاحب المواقف لطفى الخولي، ومسرحيته “القضية” وهى أشهر ما قدم للمتفرج المصري، مسرحية عرضها مسرحنا القومي فى الستينيات، ومازالت إحدى جملها تتردد على ألسنة الجمهور يلخص فيها التناقضات الفكرية والسياسية في المجتمع “أفتح الشباك والا أقفل الشباك”. وفى حكايتنا هذه الجملة لم تكن إسقاطًا على التناقضات بين النقابات وأصحاب الأعمال بل قصة حقيقية حدثت، فنساء نقابة التجليد مستاءات من حرارة جو صالة الطوي والتجليد، ففتحوا النوافذ، مما أغضب الرجال الذين أصروا على إغلاق النوافذ حرصا علي برودة الهواء النافذ للصالة، وبالطبع إستغرق هذا الجدال ساعات لإعادة الوضع الى ما هو عليه، أثرت على مواعيد تسليم المطبوعات.

الموقفان يمثلان التناقض فيما آلت اليه النقابات العمالية، والتعنت الذي أضر بأعضاء النقابة أكثر مما أفاد، وأدي فى النهاية لإغلاقها. مثل هذه المواقف علمتني الإحتفاظ بهدوئي وبغير إضطراب، والقدرة على مواجهة المشاكل لا الهروب منها، فلو هرب الإنسان من المشاكل لكانت الكرة الأرضية مهجورة.

واجهت النقابات بالهدوء والحوار المنطقي، ما أسعدني وأثلج روحي أني لم أشعر بأي تعصب عنصري أو تمييز عرقي فى مواجهتي كأجنبي. كان الحوار إحترافيا رغم الجدل الذي غلف الحوار، ولغة الصراعات والخلافات التي يجيدها أعضاء النقابات الطباعية وقتها، لكن الحوار البناء والتعرف على وجهات النظر وشرح الحجة وتوضيح الرأي، والعمل على إقناع الطرف الآخر حقق نتائج خففت الضغوط النقابية على مشروعي، وساعدتني على الاستمرار وتسجيل تجربتي فى إنشاء مطبعة فى قلب لندن ونجاحي فى إستقطاب النقابات الطباعية الى جانبي، قصة حكيت فى كتاب A History of the Society of Graphical and Allied Trades  نشر عام 1990  كتبه Peter Bain , John Gennard.

التغيير وإنعكاس التحول الكبير فى الموقف النقابي من مطبعتي فى قلب العاصمة البريطانية أثمر عن عرض مغري لم أستطع مقاومته ..!؟

وللحديث بقية..

 

 

 

شاهد أيضاً

عشق الرائحة فى الصحافة المطبوعة !

  لاشك انه من المبكر نعي الصحافة المطبوعة . فلديها قرّاؤها ولديها جمهورها ، فعشق …