الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (٥٣)
صحافة ايران والعراق والكويت .. فى ملعبي !
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (٥٣)
صحافة ايران والعراق والكويت .. فى ملعبي !

في نهاية الثمانينيات، تلك الحقبة الأهم في تاريخ العالم، صدرت فى لندن صحف إيرانية معارضة، وصحف كويتية وعراقية. وفى هذا الوقت كانت العراق تفوق فى القوة جيرانها بعد وقف إطلاق النار مع ايران، ومع وجود الفارق الشاسع فى القوة بينها وبين الكويت وما صحبه من لائحة شكاوي عراقية ضد الكويت، وصراعات على الحدود وتنافس إقليمي يسبب عدم الإستقرار فى جوهره، وفى زمن ما بعد إطاحة الثورة الإسلامية بالشاه محمد رضا بهلوي، وإحتضان المملكة المتحدة المعارضين للثورة، وقفت المعارضة الإيرانية، ومنها أنصار المَلكية، مع صحيفة “كيهان لندن”، عند عودة صدورها من المملكة مدافعة عن تاريخ الملكة إليزابيث، ومشيرة إلى أن إنجلترا هي أقدم ديموقراطية برلمانية في العالم، والنموذج الذي يتبناه أنصار عودة الملكية إلى إيران في صورتها الدستورية والبرلمانية.

وقد ذهب دفاعهم إلى نقد الجمهورية الإسلامية، قائلين إن إنجلترا التي كانت بالأمس قوة إستعمارية هي اليوم ملاذ الباحثين عن الحرية الهاربين من نظام الجمهورية الإسلامية وحكم الولي الفقيه. فالملكة كانت تشكل جزء من تاريخ إيران الحديث. كما أن العلاقة بين الشاه والملكة كانت من القوة لدرجة إلى أن قام الشاه محمد رضا بزيارة للندن إستمرت لمدة أسبوع، في 5 أيار (مايو) 1959.

وهناك استُقبل بحفاوة كبيرة، وأهدته الملكة شهادة فخرية من القوات الجوية الملكية. وبعدها قامت الملكة بزيارة لإيران استغرقت 10 أيام، في الأول من آذار (مارس) 1961، زارت فيها طهران وأصفهان وشيراز. في نهاية الثمانينيات وفى هذه الأجواء بدأ إصدار القبس الدولي، وهو إصدار يتشابه ويختلف مع الصحيفة الرئيسية في مواد عدة، ويطبع في عواصم عالمية وعربية مهمة، لتصل  لقرائها أينما كانوا في زمن لم تكن شبكة الإنترنت قد أخترعت بعد. وواكبت “القبس” في حقبة الثمانينيات أهم حدثين في تلك الحقبة وهما الحرب العراقية ـــ الإيرانية وتأثيراتها الأمنية والإقتصادية الخانقة، والإضطرابات الداخلية بسبب حل مجلس الأمة وتعطيل الحياة الدستورية، والتحركات الشعبية التي قامت، وهي الحقبة التي خضعت فيها وفقاً للقانون لرقابة وزارة الإعلام.

الدول الثلاث جمعتهم ثلاث صحف: القبس،  و” كيهان” التي صدرت باللغة الفارسية،

وجريدة “الثورة العراقية” التي أتت لتكمل الإصدار الثالث. جاءني إتصال وطلب من السفارة العراقية بتحديد موعد للقاء عمل مع الشاعر والكاتب العراقي حميد سعيد. وقتها كان أستاذ الأدب الإنجليزي ناجي صبري الحديثي ملحقًا صحفيا بسفارة العراق بلندن وأسس وأدار المركز الثقافي العراقي فى لندن، ورئيسًا لتحرير مجلتي ” أور” للفنون العربية و” كلكامش” الخاصة بالفنون العراقية الحديثة، قبل أن يتولي رئاسة تحرير جريدة بغداد أوبزرفر، وبعدها بسنوات تولي وزارة الإعلام ثم حقيبة الخارجية فى الحكومة العراقية فى مرحلة من أشد المراحل التي يمر بها النظام العراقي حرجا، فى وقت بدأت فيه الإدارة الأمريكية إقصاء هذا النظام.

وكان قد بدأ علاقته بالإعلام سكرتيرا لتحرير جريدة الثورة. قبل اللقاء حاولت معرفة من هو الإعلامي حميد سعيد هادي، لم أكن أعرف عنه أكثر من أنه مناضل لم يخرج من معطف السلطة، وشاعر يعبر عن الشخصية العراقية. وفي شعر حميد نجد الإنسان العراقي حاضرًا، وموقف الإنسان هو الأساس، وأخلاق الإنسان وكفاحه ونضاله وصموده كل ذلك يتشكل بالبساطة والطيبة والبذل، ونجد كذلك قوة الإنسان العادي، الإنسان الذي يحمل بذورا أصيلة لا الإنسان الخارج من دفاتر النظريات وحماسة الشعارات، بدوي متحضر، ولد فى محلة الوردية، مدينة تطفو على نهر الفرات، على مقربة من آثار بابل التاريخية، يعيش في بيت صغير، والده حاصل على الشهادة الإبتدائية وأمه إمرأة طيبة لا تعرف القراءة والكتابة، فمصادر الثقافة في البيت لم تكن متوفرة.. ولحميد خال كان شغوفًا بالقراءة، وكان دكانه الخاص بالخياطة منتدى للشعراء الذين نالوا شهرة.. وكان حميد ملازماً خاله، فقد تبلورت طفولته على أصوات الشعراء والمثقفين وقراء المآثر الحسينية، وكان يحفظ كثيرًا من تلك الأغاني والأهازيج. كان في دكان خاله كثير من المجلات والصحف ودواوين الشعراء؛ فكان ينهل منها في صباه. من خلال أصدقاء لى فى المركز الثقافي العراقى، تعرفت علي مشواره الإعلامي في العمل مع العديد من الصحف الأوروبية والعربية، حيث قام بكتابة المقالات فيها، بالإضافة إلى أنَّه تولى العديد من المناصب في جمهورية العراق منها: منصب الأمين العام في مجلة الوردية، ورئاسة مجلس إدارة دار الثروة المعنية بالصحافة. ومن ثمَّ إنتقل للعمل في الديوان، حيث تم تعيينه في منصب المستشار الثقافي فيه، وبعدها تولى مدير التأليف والنشر في سفارة الرباط في عام 1975، ثم عين سفيرا للعراق في مدينة مدريد عام 1972، وإستمر في العمل فيها لمدة ثلاث سنوات، ومن ثمَّ إنتقل للعمل في مجلة الكاتب العربي، حيث تولى منصب رئيس التحرير فيها، وبعدها عمل مع صحيفة الثورة، كما عمل فيما بعد في رئاسة قسم الثقافة فيها. ومن ثمَّ عمل سعيد في مجال الكتابة الشعرية، حيث قام بكتابة وتأليف العديد من النصوص الشعرية، حيث كانت في محتوياتها قريبة من الشعراء البارزين في العالم، منهم إيليا أبو ماضي، ميخائيل نعيمة، جبران خليل جبران،

بالإضافة إلى قيامه بكتابة ثلاث مسرحيات شعرية قصيرة، حيث تم نشرها في العديد من الدوريات العربية حول العالم. كما حصل على العديد من الأوسمة منها: وسام بعنوان القدس، حيث حصل عليه من قبل ياسر عرفات في تونس، وسام الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب عام 2004.

اللقاء تم فى مكتبي، حضر فى صحبة الصحفي العراقي هاني العلاق. وجدت فى الشاعر سعيد حميد إنسانا خجولا جداً قليل الكلام، صمته فيه كثير من الكلام، يمتلك عينان لا تكذبان، يصفه البعض بأيقونة محبة. منذ شبابه المبكر كان شخصية لها دور مميز في الحياة العامة. وهو ما تفاعل معه بطريقة مرنة أبعدت عنه الغرور والتعالي، بل كان بمضيّ الوقت يزداد تواضعا وتسامحا. الغرض من اللقاء كان إصدار طبعة دولية من جريدة الثورة، وهي الجريدة التي عمل بها الزميل والصديق محمود السعدني بالعراق أثناء غربته التي جال فيها بالخليج والكويت والعراق ولندن.

تم الإتفاق مع حميد علي القيام بصف مواد الجريدة التى يتم تحريرها بلندن مع إستخدام أجهزة الفاكسميلي فى إرسال مواد تحريرية من بغداد، وإخراج صفحات الجريدة وتجهيزها للطباعة وطباعة عشرون ألف نسخة يوميًا، وتسليمها لشركة التوزيع، على أن يتولي إدارة تحرير الطبعة الدولية الصحفي العراقي هاني العلاق.

التعامل كان سهلا، فالرجل رغم إرتباطاته الحزبية و شخصيته القوية فهو طيب القلب، يعمل بحرفية، له قدرة على التوافق مع أحداث الحياة الصعبة والتأقلم مع الصدمات، ومرونة نفسية، و قدرة على الربط بين الأحداث و تحليل أسبابها.

عاد الشاعر سعيد حميد الى بغداد. فهو الى جانب رئاسته لتحرير الجريدة، كان مستشارًا للرئيس صدام حسين وصديق شخصي له منذ كان رئيسً للإتحاد الوطني للطلبة، تاركًا هاني العلاق لإدارة تحرير طبعة لندن تحت إشرافه عن بعد. وصدرت الطبعة الدولية من الثورة العراقية لتنضم الى أخواتها من الصحف اليومية العربية الأهرام والقبس والعرب والشرق الأوسط والحياة.

شاهد أيضاً

عشق الرائحة فى الصحافة المطبوعة !

  لاشك انه من المبكر نعي الصحافة المطبوعة . فلديها قرّاؤها ولديها جمهورها ، فعشق …