الرئيسية / كلمة العدد /
 الغربة الثانية (٤٩)
المحطة الأخيرة !
مودي حكيم
مودي حكيم

 الغربة الثانية (٤٩)
المحطة الأخيرة !

جمعتني و سليم اللوزي علاقة خاصة يغمرها المحبة والإحترام من خلال تعاملي وتعاوني معه فى إصدار الحوادث من لندن، فنحن أبناء جذور واحدة فى العمل الصحفي. من رحم روز اليوسف ومن عطرها ومسكها نشبنا أعلاميا، وارتشفنا من رحيقها، فنحن أبناء عاشقة صاحبة الجلالة، السيدة التى تحدت المجتمع بجرأتها، والحكومة، لتصدر أقوي مجلة سياسية فى مصر والعالم العربي، إبنة مدينة طرابلس اللبنانية، بالإضافة لعشق اللوزي لمصر والمصريين، فكان سعيدًا بتعاوني معه، واعتبرني من أبناء مؤسسته وفريق نجاحها. كتب اللوزى يوما مقاله الأسبوعي يشكو ضياع الأموال التى ينفقها من أجل وصول المجلة لقرائها علي ثلاث مؤسسات هما طيران الشرق الاوسط، ومطابع جارود أند لوفتهاوس وشركة مودي جرافيك. وكان اللوزي يعتبر هذه المقالة مديحا وتكريمًا لي لمجرد ذكر اسمي فى مقاله، لكن الموضوع ضايقني، وإعتقد الأصدقاء أنه كتب بايعاز أوحت به النزعة الشريرة عند جلال كشك، فقد كان اللوزي يناقش معه أحيانا فكرة ومحتوي مقالاته، وخاصة أن خلافات مادية قد بذرت بيني وبين كشك حول تسديد قيمة تكاليف طباعة كتابه “السعوديون”. المقال نشر في الصفحة الأخيرة التي تصدر بعنوان “استراحة محارب”، ويتناوب الزملاء على كتابتها دورياً، وعندما عاتبته غضب وقذف بقلمه الثمين ” شيفرز” من يده على الأرض، وأقسم بأن قلمه لن يكتب عني شيئًا بعد اليوم.

   ***

وتدور الأيام وترمح الأسابيع والشهور. تناسيت الموضوع، وذكر إسمي الكريم فى مقال الأستاذ.  ومع صدور كل عدد جديد، ننسي.. فالحياة التي نواجهها أصبحت تحمل في طياتها مفاجآت وربما نقول أقدار مخيفة ومرعبة نعوذ بالله من سوء وعثائها. إن إيماننا بالله لهو الكفيل بنا الى الإستسلام والإيمان بالقضاء والقدر. واللوزي مستمر بجرأة فى كتابة مقالات تغضب الرؤساء والحكام، و الجميع يخاف عليه من أضغاث الشر.

***

من أقوال أفلاطون ” إن الانسان خاضع فى حياته الأرضية لقضاء سابق من أزل الآزال”. ويري الحكيم الفيلسوف أن الانسان لا يختار الشر وهو يعرفه، بل يساق له بجهله، ولا يساق إليه بتقدير الآلهة، لأن الآلهة خير لا يصدر عنها إلا الخير. ولا أعلم اذا كان اللوزي وجرأته إختار الشر كما يقول افلاطون، ام أنه تحدي بها القضاء والقدر إيمانًا بأن كل شئ مكتوب للإنسان.

 ***

 اتخذ اللوزي منذ ترك بيروت موقفًا معارضا و رافضًا للوجود السورى داخل لبنان، ويرى هذا الوجود نوعًا من الإحتلال السورى للبنان أيام الرئيس السورى حافظ الأسد، وكان يشعر بالألم النفسي لما آل اليه حال لبنان ويردد دائمًا فى مجلسه ” أنهم يريدون تخوفينا لنكون موالين لهم”. وبسبب معارضته للوجود السورى داخل لبنان، الذى كان يتدخل أيضًا حتى فى إختيار رؤساء حكومات لبنان- إشتدت معارضته لهذا الوجود.. وكان يرى أن المكتب الثانى السورى فى لبنان هو الذى يحكم لبنان. لكن رغم موقفه المعارض، فاجأنا الأستاذ بخبر سفره الى طرابلس ليتقبل العزاء فى شقيقه مصطفي الذي تعرض للإغتيال وهو يستجم على شاطئ مدينة طرابلس، واستقبلته زوجة أخيه: مصطفي قتل بسببك..

وعندما عاد اللوزي للندن رفض أن يتقبل مني ومن أسرة الحوادث التعازي. وبدأ كتابة مقالات ضد النظام السوري متهمًا مخابراته بقتل شقيقه. كان من مصادره الصحفية المتعددة عدد من السوريين الأصدقاء له أمثال راشد المقدم، ورجا صيداوي، وسليم حسن ورجا الشوربجي وآخرين من السوريين الهاربين في جلسات طويلة في بيته في لندن، وقد حدث ذلك في أواخر 79.. كتب ’اللوزي المقال الأول تحت عنوان: “.. وغداً إذا ما اغتالتني المخابرات العسكرية (السورية) أكون قد إستحققت هذا المصير لأنني أحب بلدي وأخلص لمهنتي”.

وكتب اللوزي “وأنا في هجرتي الثانية في لندن خسرت أخي مصطفى، ومصطفى بريء وأنا المذنب وذنبي أنني صحفي”.

وفى مقال آخر “وغدا إذا نجحت المخابرات العسكرية في تنفيذ الحكم الذي أصدرته باغتيالي وهي قادرة على ذلك بوسائلها المختلفة فإني أكون قد إستحققت هذا المصير، وعزاء زوجتي وبناتي وأولاد مصطفى التسعة أنني أحببت بلدي وأخلصت لمهنتي”. وبعد نشر مقاله هذا نصحه صلاح الدين البيطار، أحد مؤسسي حزب البعث والمعارض لحكم الأسد، بأن يكف عن تعريض نفسه وعائلته للهلاك.

وبعدها التقى سليم اللوزي في باريس مع صلاح البيطار، القيادي البعثي السوري المنفي الذي تم اغتياله فيما بعد، وحذره من الخوض في الممنوعات السورية وطلب منه أن يبعد عن الشر… ولكنه لم يتراجع وكتب مقالاً ثانياً عنوانه: “قال لي صديقي الدمشقي: كنت خائفا عليك من التصفية، فأصبحت خائفا عليك مما هو أشد وأقسى!” ونشر الحوار الذي دار بينه وبين ’البيطار‘ وقال فيه:

“هل يمكن تجاهل القمع الدموي؟ هل يمكن المرور بالمجزرة التي وقعت في مدرسة المدفعية في حلب؟

لست وراء إسقاط النظام وأعرف الثمن الذي ستدفعه سوريا إذا استمر الصراع الدموي الدائر!”.

وكان هجوم اللوزي علي المخابرات السورية مفاجئاً، وهو ما جعلها ترسل إليه رسالة إنذار عن طريق مدير مكتب الحوادث في بيروت وليد عوض قالوا فيها: “قف مكانك… إننا لم نقتل أخاك فلا تفقد عقلك؟!” ولكنه لم يصدق رسالتهم واستمر في حملته وكان متأكداً أنهم قرروا تصفيته.. وفي ذلك الوقت كان غازي كنعان رئيس جهاز المخابرات السورية في لبنان هو الحاكم بأمره، ويفرض هيمنته على الأوضاع السياسية والداخلية اللبنانية بكل الوسائل، وكان اسمه يثير الرعب والفزع!

ولكن سليم اللوزي لم يتوقف وكتب “أنا أسكن في سلون افنيو وبيتي رقم 19 المنطقة السابعة جنوب لندن.. ومن يريد قتلي فليتفضل”.

وبعد أسابيع هدأت أعصاب اللوزي، وفكر بالتفرغ لكتابة روايات عاطفية وسافر الى نيويورك ليقابل عدنان خاشقجي كي يرد على كتاب أصدرته مطلقته وروت أسرار حياتها معه. وهناك وصله خبر وفاة أمه في بيروت، بعد ستة أشهر من وفاة أخيه. وقرر العودة ليتقبل العزاء فيها رغم المحاذير والنصائح العديدة بعدم الذهاب، ولكنه إتخذ قرارا لا رجعة عنه.

قرّر العودة إلى لبنان ليحضر مأتم والدته، غير عابئ بالتهديد والوعيد.. وعندما نصحه أحد أصدقائه بالعدول عن قراره لأن أيدي الشر تتربص به، أجابه: “ولو… ألا يحترمون حرمة الموت؟ إنني ذاهب لأدفن  والدتي”.. وتوسلت إليه زوجته من أجل بناته الصغيرات، وأصر بعناده على الذهاب إلى بيروت.. واقترحوا عليه التوجه إلي لبنان عن طريق الشام، ولكنه أصر على الدخول من مطار بيروت…

وعندما وصل صباح 21 فبراير “شباط ” 1980 طلبه ياسر عرفات وكان وقتها يتواجد في لبنان مع الفصائل الفلسطينية وأبلغه بأنه سيخصص له حراسة فلسطينية، ولكن اللوزي رفض واعتذر وبقي بلا حراس. . وكانت زوجته أمية قد سبقته في العودة إلى بيروت والتقت في منزل أبو حسن سلامة بقائد الأمن الفلسطيني بسام أبو شريف الذي قال: يبدو أن أمية اللوزي ستدخل في عداد الأرامل قريبا.

كان المفروض أن يغادر سليم اللوزي مع زوجته أمية صباح السبت بطائرة الخطوط اللبنانية إلى لندن، ولكنه تلقى رسالة عبر النائب رينيه معوض بأن الرئيس اللبناني الياس سركيس سيقابله السبت، لذلك أجل السفر إلى يوم الأحد. وبكت ’أمية‘ (زوجته) عندما عرفت بالتأجيل لأن قلبها كان يستشعر الخطر على زوجها خصوصا بعدما وضعوا حاجزا عسكريا أمام البيت، ويبدو أن ذلك كان جزءا من خطة الإغتيال المدبرة وبقائه يوما آخر لترتيب العملية!

وانتظر’سليم‘ في البيت تحديد موعد مقابلة الرئيس صباح السبت ولكنه لم  يتلق أية مكاملة هاتفية، فلم يطق الإنتظار وخرج وحده -وبدون علم زوجته- وتجول في بيروت، وكأنما يودعها ويلقي النظرة الأخيرة عليها. ثم ذهب إلى جريدة “النهار” والتقى مع المحررين هناك، وعاد متأخراً ورأى حاجزين للجيش السوري في الشارع..!

وجاء يوم الأحد ٢٥ فبراير/ شباط وتم حزم الحقائب، وخرجت ’أمية‘ في الصباح الباكر لتسدد الحساب قبل المغادرة. وعند عودتها فوجئت بانقطاع الكهرباء عن المبني وكان المسكن في الطابق العاشر وطلبت من الحارس أن يصعد ليطلب من زوجها النزول.. وتأخر ’سليم‘ لأنه كان في إنتظار إثنين من زملائه لمرافقته إلى المطار ولم يحضرا.. وكان الجو يسوده التوتر والريبة من شيء مجهول، وكما روت ’أمية‘ بعد ذلك في لندن مأساتها الحزينة: “اتجهنا إلى المطار في سيارتنا وجلست بجانب ’سليم‘ في المقعد الخلفي، وتصحبنا سيارة مدير الإعلانات في شركة “بيجو”. وعلى جانبيّ الطريق إلى مطار بيروت كانت تنتشر قوات الردع. وعند الحاجز الرئيسي أوقفتنا مجموعة “ضابط وثلاثة جنود” وصوبوا أسلحتهم نحونا وطلب الضابط جوازات السفر وقال ’سليم‘: اعتقد أنني المطلوب!

…وللحكاية بقية

 

 

شاهد أيضاً

عشق الرائحة فى الصحافة المطبوعة !

  لاشك انه من المبكر نعي الصحافة المطبوعة . فلديها قرّاؤها ولديها جمهورها ، فعشق …