الرئيسية / صحافة ورأي / عامان من البؤس في لبنان

عامان من البؤس في لبنان

عبد الإله بلقزيزكاتب ومفكر مغربي

في أكتوبر من العام 2019، انتفض اللّبنانيّون لإسقاط الطّبقة السّياسيّة – بعد جولات من الانتفاض على سوء سياساتها وفساد نخبها – فانتهى الأمر إلى إسقاط البلاد والاقتصاد واستمرار سلطان قوى الفساد.

تَبَيَّنَ مع امتناع إمكان زحزحة نفوذ هذه الطّبقة، بأركانها الطّائفيّة وشبكات أمانها الاجتماعيّة، وبقدرة بناها الرّاسخة على احتواء أيّ تغييرٍ سياسيّ أو حتّى موجةِ مطالبَ اجتماعيّة (- من قبيل حلّ مشكلة مَكَبّات النّفايات وقد قادتْها حركاتٌ من قبيل “طلعت ريحتكن”)، أنّ “الثّورة” مستحيلةٌ في بلدٍ ينقسم على كلّ مسألةٍ عامّة فيصطفّ بعضُه ضدّ بعضه الآخر، ويُوزَن فيه أيُّ موقفٍ بميزانٍ طائفيّ صارم!

بعد عامين من المحاولة، لم يقع من تغييرٍ سوى التّغيير للأسوأ: انهيار سعر صرف اللّيرة؛ الحجز على ودائع المواطنين في البنوك؛ انهيار القدرة الشّرائيّة؛ الارتفاع الصّارخ للأسعار؛ رفع الدّعم الحكوميّ عن الكثير من الموادّ الأساسيّة؛ أزمة المحروقات ونفادها من السّوق؛ أزمة الدّواء وفقدانه في مراكز البيع الصّيدليّة؛ أزمة الكهرباء وتَراجُع حصص التّزوّد به إلى ما يشبه العدم… إلخ. تسارعت وتائر الأزمات وتداخلت: أزمةٌ تولِّد أخرى مثل حلقات متسلسلة متّصلة تأخذ واحدتُها بالأخرى بحيث لا تَقْبل العَزْل أو المعالجَة المُفْرَدة.

ولقد كانتِ النّتائج الاجتماعيّة في غاية الإفجاع الكارثيّ؛ إذ سرعان ما تبدَّلت بنيات الاجتماع اللّبنانيّ في امتداد مفاعيل ذلك الصّدع الهائل الذي أحدثته الأزماتُ المتلاحقة بها. وكان من أظهر النّتائج تلك الاختلال الذي حصل في التّراتُب الاجتماعيّ والطّبقيّ للبلاد، فأودى بمكانة طبقاتٍ في ذلك التّراتب ودَفَع بها إلى مراتب محطوطة في أشهُرٍ معدودات. يستوي، في أحكام هذا القانون، وضْعُ الطّبقة الوسطى الذي انهار فأودى بها إلى مصائرَ ما دونَها من طبقات، ووضْع الطّبقات الكادحة الذي نزلت به الأزمة العاصفة إلى حيث صارت طبقات مُعْدَمة ومهمّشة. وحدها الطّغمة الماليّة نجت من نتائج هذا الإعصار، أو استطاعت أن تستوعب ضرباته على مصالحها.

وكما في أيّ نكبة، يوجد هناك من يَتّجر بمعاناة النّاس ويغتني بمراكمة ثروات منهوبة من بؤسهم. وما أغنانا عن البيان أنّ مافيات الأزمات هذه عادةً ما يكون لها سَهْم كبير في مفاقمة المعاناة الاجتماعيّة العامّة، والتّكثير من أسبابها وظواهرها؛ فإليها ترجع أفعالٌ نكراء مثل التّلاعب بسعر العملة، وحجب السّلع الأساسيّة عن الأسواق وتخزينها في المستودعات قبل إعادة تسويقها بأسعار خياليّة والتّربُّح الخرافيّ من ذلك. وهذا عين ما حصل في لبنان، طوال العامين المنصرمين؛ حيث استفحلت أزمات سعر صرف العملة، وشحّة موادّ المحروقات والأدوية نتيجة احتكار هذه العصابات لها والتّلاعب بأسعارها. وكما يحمي الكثير من هذه المافيات نفسَه بعلاقاتٍ تشدُّهُ بمراكز في السّلطة تغطّي جرائمَه وتتقاسم معه الأرباح، أو تتحصَّل حصّتها منه لقاء خِدْماتها، كذلك يَستفيد من ضَعْف الدّولة وأجهزتها ووهن همّتها في الضّرب، بيد القانون، لشبكاته الإجراميّة قصد حماية المجتمع وحقوق مواطنيه من استغلالها الفاحش.

والأطمّ من طامّة هذه الأزمات المتلاحقة، التي تشدّ بخناق لبنانَ واللّبنانيّين، أنّها جرت وتجري في سياق مفاعيل نكبتين عظيمتين أَلَمَّتا به وسدّتا عليه منافذ الخروج ممّا هو متوحِّلٌ فيه؛ أولاهما – وهو يشترك مع غيره من البلدان في الأذى الذي ألْحقتْه بمن أصابتْه – هي جائحة وباء كورونا؛ وثانيهما كارثة انفجار مرفأ بيروت. والنّكبتان تيناك أَتَتا تغذّيان أزمات لبنان بمزيدٍ من الوقود الذي تَزْنُدُ به جمْراتُها، وتراكبتْ معهما على النّحو الذي زاد معه استعصاءُ ردّ اللّبنانيّين على آثارهما الفاجعة.

لم يَقْو لبنان على التّماسُك في وجه ضغط الوباء عليه؛ فإلى أنّ نظامه الصّحيّ عانى نقصاً حادّاً في الأطر – جرّاء هجرة الأطبّاء البلادَ لوطأة الأزمة الماليّة عليهم – أضعف قدرتَه على استيعاب الأعداد الهائلة من المصابين المتدفّقين على المراكز الاستشفائيّة، فقد تعرّض لمشكلاتٍ لا حصر لها من قبيل نفاد الغاز والفيول الضّروريّ لتشغيل مولّدات الكهرباء – تعويضاً عن الخصاص النّاجم من حصص التّغذيّة الشّحيحة بالكهرباء – الأمر الذي ألقى على عمله قيوداً كابحة. هكذا أتتِ الجائحة تفرض عليه أسوأ امتحانٍ يمكن أن يمرّ به، بعد أن كانت الثّقة في النّظام الصّحيّ اللّبنانيّ مستقرّة إلى حدٍّ مّا.

أمّا انفجار المرفأ فلم يكن أقلّ أثراً في الوضع الاجتماعيّ اللّبنانيّ من الوباء إن لم يكن أسوأ. يكفي أنّه ضرب في مقتلٍ المراكزَ الاقتصاديّة وعشرات الآلاف من الدّور والمنازل، وألحق بمصالح عشرات الآلاف من الأسر المتضرّرة أبلغ الخسائر؛ ويكفي أنّه استجرّ عجزاً فادحاً في الموارد المعيشيّة التي ما عادت تَقْوى على جبه الارتفاعات المَهُولة المتكرّرة في أسعار موادّ الاستهلاك الشّعبيّ الأساسيّة، ثمّ – فوق ذلك – أحدث في البلد أزمةً سياسيّةً جديدة حول المسؤوليّات والتّحقيق القضائيّ فيها.

جرى ذلك كلّه فيما الطّبقة السّياسيّة عاجزة، تماماً، عن الجواب عن معضلات المسألة الاجتماعيّة في البلاد ومنغمسة في مناكفاتها ومناقراتها السّياسيّة، بل عاجزة حتّى عن التّوافق على تشكيل حكومات إنقاذ. وأيّاً تكن حدّة الأزمات التي عصفت بالبلاد في هذين العامين، فإن سلوك هذه الطّبقة السّياسيّة ساهم في تفاقُم أوضاعها، وأضاع على لبنان فرص مواجهتها والتّخفيف من حدّة آثارها، تماماً مثله مثل مساهمة الوباء وانفجار المرفأ في تصعيد المأساة.

 

 Sky News      

شاهد أيضاً

حياة صاحب “الفصول الأربعة” العاطفية عبر السينما

حتى إن لم يكن المستمع إلى الموسيقى في أيامنا هذه، مطلعاً على تاريخ الموسيقى الكلاسيكية …