اتخذ التنافس بين الولايات المتحدة والصين على الهيمنة في قطاع الذكاء الاصطناعي شكلا جديدا خلال الأعوام الماضية، وبدلا من أن يقتصر على قوة النماذج والشرائح المشغلة لها، أصبح يشمل العاملين بهذا القطاع وعلمائه. فبينما صعبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمبعلى الشركات الأمريكية توظيف الباحثين الأجانب، تحاول حكومة الصين تسهيل استقطاب أفضل العلماء حول العالم، سواء أكانوا صينيين أم من جنسيات أخرى.
وخلال العامين الماضيين، فتحت الصين أبوابها أمام الباحثين الدوليين في قطاع الذكاء الاصطناعي، وذلك عبر استحداث منظومة تأشيرة دخول العلماء وعرض منح بحثية مغرية، وفق تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.
وعلى النقيض، سلكت إدارة ترمب اتجاها مخالفا في تغيير منظومة التأشيرة الخاصة بها والتي كانت تتيح للشركات جذب الخبرات من أي مكان في العالم.
ورغم التسهيلات التي تقدمها حكومة الصين، فإنها ما زالت تواجه عزوفا من الأجانب عن القدوم إليها، مما يعرقل طموحات الدولة في التوسع بمجال الذكاء الاصطناعي. وما يزيد الأمر سوءا بالنسبة لطموحات الصين، أن عدد العلماء الصينيين العاملين في الولايات المتحدة ارتفع بدلا من أن ينخفض، حسب دراسة أجراها مركز مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
ويقول داميان ما الذي قاد الدراسة، إنه رغم التوترات بين الولايات المتحدة والصين، فإن عدد العلماء من أصل صيني العاملين في الولايات المتحدة ارتفع بنحو 4 نقاط مئوية بدلا من انخفاضه بالمقارنة بالأعوام الثلاثة الماضية.
كما أشارت الدراسة إلى أنه مقابل كل 30 باحثا صينيا في الذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة، عاد باحث واحد فقط إلى الصين في رحلة عكسية للعقول.
الوصول قبل قيود ترمب الجديدة
وأفاد تقرير نيويورك تايمز بأن دراسة كارنيغي تحصي عدد العلماء الذين انتقلوا من الصين إلى الولايات المتحدة، وذلك دون النظر إلى توقيت انتقالهم أو أي تفاصيل أخرى متعلقة بهذا الانتقال.
ولهذا، ترى أستاذة علم الاجتماع في جامعة سيراكيوز ينغ ما التي تدرس الطلاب الآسيويين في الولايات المتحدة، أن الدراسة تقيس تأثيرا متأخرا، إذ إن الباحثين الذين رصدتهم الدراسة اتخذوا قرار الانتقال قبل سنوات.
وكانت إدارة ترمب غيرت سياسة الاستقطاب وتأشيرات العمل عن بعد الخاصة بها التي كانت تعرف باسم “إتش 1-بي“، إذ رفعت الإدارة رسوم التأشيرة إلى 100 ألف دولار بدلا من ألف دولار.
وفي الوقت ذاته، سعت الصين لتقديم تأشيرة جديدة تحت اسم “كيه فيزا” (K Visa)، وهي أكثر مرونة وأقل كلفة من حيث الإجراءات والرسوم.
الرهان على النشء
وأوضح تقرير نيويورك تايمز وجود زيادة في عدد المؤسسات الصينية بين أفضل 30 مؤسسة تنشر أوراقا بحثية في مؤتمر نوريبيس، إذ ارتفع عددها إلى 12 مؤسسة بدلا من 6 فقط في عام 2022.
وتصدرت جامعة بكين وجامعة تسينغوا قائمة المؤسسات العلمية متفوقة بذلك على مؤسسات أمريكية كبرى مثل معهد إم آي تي وجامعة ستانفورد وجامعة كارنيغي ميلون.
كما شكل الباحثون الصينيون 41% من المؤلفين المشاركين في نوريبس بالعام الماضي متفوقين بذلك على الباحثين الأمريكيين الذين بلغت نسبتهم 34%.
وتضمنت هذه الجهود البدء في توظيف مهارات الذكاء الاصطناعي الفذة في أعمار صغيرة مثل طلاب المدارس الثانوية، فضلا عن تقديم مجموعة من برامج التمويل والتدريب المخصصة لصغار السن لتأهيلهم للعمل في قطاعات الذكاء الاصطناعي، وفق تقرير موقع “ريست أوف ذا ورلد” التقني.
قيود على المغادرة
وتسير الحكومة الصينية في عدة اتجاهات للحفاظ على مهارات الذكاء الاصطناعي الفذة لديها، ومن بينها فرض قيود صارمة على مغادرة خبرات الذكاء الاصطناعي البلاد.
وربما كان فرض الحكومة الصينية قيودا على سفر مؤسسي شركة “مانوس” للذكاء الاصطناعي أحد أبرز هذه القيود، وتوسعت هذه القيود لاحقا لتشمل أسر الباحثين الصينيين ورواد أعمال الذكاء الاصطناعي.
ومن ناحية أخرى، تحاول الصين إقناع المهارات الموجودة داخلها بالبقاء والعمل في شركاتها، إذ يقول مؤسس صندوق إنتركونيكتد كابيتال للاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي كيفن شو إن العمل في شركة ديب سيك يماثل العمل في شركة أوبن إيه آي الأمريكية من ناحية المكانة المهنية والنجاح المستقبلي.
وقد يفسر صعود شركات الذكاء الاصطناعي الصينية رغبة غالبية باحثي الذكاء الاصطناعي في البقاء في البلاد، وفق تقرير نيويورك تايمز.
كما تحاول الصين جاهدة استعادة علماء الذكاء الاصطناعي التابعين لها والموجودين داخل الولايات المتحدة، وكانت قد نجحت في استقطاب أحد باحثي أوبن إيه آي السابقين ياو شونيو ليصبح رئيس علماء الذكاء الاصطناعي في شركة تيلسينت الصينية .
وبينما نجحت جهود الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية في جذب العلماء من مختلف بقاع العالم، فإن الجهود الصينية الجديدة والقيود الأمريكية لن تظهر نتائجها خلال الأعوام القريبة، وسننتظر حتى يظهر الجيل الجديد من العلماء بتقنيات جديدة حتى نرى أثرها.
مجلة 24 ساعة