الرئيسية / كلمة العدد / الذكاء السوبر .. وثقافة الجمال الجديدة !
مودي حكيم

الذكاء السوبر .. وثقافة الجمال الجديدة !

 

حاولت هذا الأسبوع أن أخرج طواعية – وأنا سعيد – من كوكب التكنولوجيا، والهروب من حصار الذكاء الاصطناعي، أو الذكاء الخارق Super كما اسماه ، وبأوامر من السيد دونالد ترامب الرئيس الأميركي . فلجئت لشاشة التلفاز ، باحثاً عن التسلية والبهجة ، وعلى ثلاث شاشات ، وأكثر فوجئت بمذيعات ونجمات متشابهات فى الشكل والقوام ، من الصعب التفرقة بينهن ، وتذكرت الكم الهائل من اللوحات الإعلانية المنشرة على كوبري 6 أكتوبر ، أكثر المواقع حيوية فى قاهرة المعز ، لمراكز طبية وجراحي تجميل ، أضخمهم إعلان نحت الجسم ، ولم افهم المقصود بتعبير النحت ، وبالتحري فهمت أنه أجراء تجميلي يهدف إلى إزالة الدهون الموضعية العنيدة وتنسيق القوام ، وليس بهدف إنقاص الوزن الزائد.
.. وليتني ما سألت أو تحريت .
فقطاع جراحة التجميل شهد تَحُوًل غير مسبوق بدخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى غرف الجراحة – عفواً الذكاء الخارق – حتي لا يغضب السيد ترامب ، ومعه بدأت الفتيات والنساء يلجأون لأطباء التجميل حاملين صوراً مُولدة رقمياً ب ” الخارق ” لوجوههم وأجسادهم ، تُظهر ملامح مبالغاً فيها لشفاه ممتلئة وعيون واسعة بشكل غير واقعي، في طلب غريب وصادم ، مقارنة بالصور التقليدية التي كان النساء يحضرونها سابقاً للنجوم والمشاهير ، صور خارج التوقعات الجمالية . تصاميم رقمية نتاج أدوات وبرامج ، مثل «شات جي بي تي»، وتطبيقات توليد الصور، ما يخلق فجوة متزايدة بين الخيال الرقمي وإمكانيات الطب الواقعي ، بملامح غير واقعية، مثل بشرة بلا مسام أو ملامح وجه مبالغ في تنسيقها. تغيير للشكل يتجاوز حدود الممكن طبياً . اليوم اختلفت الأماني طلبات التغيير تحت مسمي التجميل ، عن الأمس الذى فيه التمني أن يحصل الإنسان على شكل أكثر الاشخاص جاذبية فى المجتمع ، أو بأشهر نجم سينمائي .
أصبحت الوجوه اليوم لا تشبه أصحابها ، كلها متقاربة تغمرها نعومة غريبة ، أنف ضيق على نحو غير طبيعي ، وشفتان ممتلئتان وبارزتان ، ووجناتان غائرتان برفق ، كأنها دمية باربي زُرعت فيها عينان بشريتان .
فمنذ عامين تقريبا خرجت علينا من منتديات الإنترنت منصات التواصل الاجتماعي بصيحة شبابيّة نشأت من عالم الرجال انتشرت كالنار في الهشيم ، وعلى نطاق واسع ، تعني بالسعي لرفع مستوى الجاذبية والمظهر الجسدي ،ليبرز مصطلح “لوكسماكسينج Looksmaxxing ، أي تحسين المظهر إلى أقصى درجة ممكنة، من خلال مواقع المؤثرين، ممن يروجون لممارسات خطرة مثل محاولات كسر العظام لإعادة تشكيلها، وانظمة غذائية قاسية ، وتكبير الذقن، سعياً إلى ملامح أكثر حدة ونحتاً، لكن الهوس نفسه لم يعد حكراً على الرجال، فلحقت نار الهوس بالمظهر بالنساء للوصول إلى معايير جمالية غير واقعية ، ومصنوعة رقمياً ، ليغيرن ملامحهن سعياً إلى بلوغ صورة صنعها الرجال للمرأة ، مصنوعة رقمياً ، حولت الجسد الأنثوي إلى ما يشبه السلعة المعروضة للتقييم الدائم عبر الإنترنت .

اطلقوا علي النموذج الأنثوي الجديد اسم “ستايسي” ، نموذج تولد من بعض التحسينات التي أدخلها برنامج الذكاء الاصطناعي “جروك” التابع لإيلون ماسك ، ليخلق نموذج تحتذي به فتيات العالم ، ويشير إلى أعلى فئة من الجمال الأنثوي ، وفق تصور صارم لصفات بعينها، منها العيون الواسعة، وعظام الخد البارزة، وانخفاض مؤشر كتلة الجسم، والأنف المرفوع، والشفاه الممتلئة، أما من لا تمتلك هذه الصفات، فتُختزل في تصنيف آخر هو “بيكي”، أي المرأة العادية في قاموس هذه المجتمعات. وهو مصطلح نشأ في مجتمعات الـ “مانوسفير” Manosphere وهو فضاء رقمي يضم شبكة غير منظمة من المجتمعات والمواقع الإلكترونية المؤيدة للذكورية ، والمناهضة للنسوية لنشطاء حقوق الرجال يكزون على الادعاء بأن المجتمع منحاز ضد الرجال تجمع متنوع من المواقع الالكترونية على الإنترنت .

تسابق المؤثرون و المؤثرات فى اشكالهم الجديدة على ” تيك توك ” و انستجرام ” ، فى تقديم النصائح وعرض أساليب كيفية الوصول إلى جمال ” ستايسي ” لفتيات فى سن المراهقة 12/ 13 عاماً ، على تطبيق الدردشة “ديسكورد”، تبحث فتيات في الـ 13 والـ 14 عن نصائح تساعدهن في الصعود إلى مرتبة “ستايسي”، وحتى إن لم يجدن ضالتهن هناك فيمكنهن اللجوء إلى تطبيقات الذكاء الصناعي للحصول على لمحة عما قد يصبح عليه مظهرهن، ومعها دليل مفصل وخطر إلى طريق التحول.

كشفٌ صادمٌ لثقافة الجمال الرقمي ، بدءًا من البوتوكس وفلاتر إنستجرام وصولًا إلى تحريك الشفاه وتطبيقات التعديل، وواقع النضج في العالم الرقمي.
نعيش في عصرٍ جديدٍ للجمال. عصر اللحم الرقمي فمع التطورات في جراحة التجميل، والعلاجات الفورية، وفلاتر الواقع المعزز للوجه، وتطبيقات تعديل الصور، والتعرض لكمٍ هائلٍ من الصور، أصبح الجنس الناعم قادر على صياغة الصورة التي يريدها حتى يراها الجميع. يقرصن ، ويشدن ، ويعصرن ، وينتفن ، و ينعمن ، ويشوهن انفسهن حتى لاتكاد الأنثى أن تعرّف نفسها .

ولكن هل ثقافة الجمال الجديدة هذه ستُمكّنهن وتمنحهن جمالاً حقًا ؟ أم ستزيدهن قبحاً؟ . هل هن حقًا من يتحكمن ؟ أم تجار الذكاء السوبر الجدد يعملن من أجل التحكم والسيطرة أكثر فى العالم ليزدادوا غني ؟! … اجابات لأسئلة يجب أن نجدها ، قبل أن نكتشف خروج المفسدون فى الآرض يأجوج و مأجوج ، وطلوع الشمس من مغربها ، وظهور المهدي المنتظر ، وقبل أن نصيح – وعلي الأرض الخراب – ….. ثقافة سأكمل الحكي عنها .

شاهد أيضاً

«الطبيب الروبوت» والاستشارات الذكية

  تسألت فى مقالي السابق عن محاولة الصين أعادة صياغة النظام العالمي بالروبوتات ، ومدي …