ترتكز على العنف باعتباره آلية ضرورية في فلسفة الفيلم وتصدم المشاهد بصورة تحاول تكريس البطل الأميركي كأيقونة تشكل أفلام الويسترن تراثاً سينمائياً كبيراً داخل المؤسسات الإنتاجية الهوليوودية، إذ استطاع هذا النوع الفيلمي بلورة تصور سينمائي أنطولوجي جديد أكثر تماهياً مع فضاء "واقعي" بات يسمى داخل الأدبيات التاريخية بـ"الغربي الأميركي". تتميز سينما "رعاة البقر" في كونها تنطبع بخصائص جمالية وميكانيزمات فنية تجعلها تتشابه من ناحية الفضاء والتصوير والأكسسوار والموضوع الذي غالباً ما يرتكز على المطاردات البعيدة، وشكل سينمائي يقوم على السرد البطيء الذي يحاول المخرج السينمائي من خلاله وضع المشاهد في رحابة عالم ينتصر فيه الخير على الشر. وبصرف النظر عن الطريقة التي يحاول بها المخرج مقاربة الواقع، يظل الاشتغال على عنصر التاريخ أساساً في تضاريس الصورة السينمائية، ذلك أن التاريخ يحتل مكانة فكرية مرجعية توجه أفلام الويسترن وتجعلها تبني تصورها الوجودي للواقع انطلاقاً من الماضي. بيد أن الاهتمام بالتاريخ داخل أفلام الويسترن لا يأتي من زاوية مركزية، وإنما من خلال مفهوم الهامش. ذلك أن التاريخ في العلم السينمائي لا يبني المركز جمالياته، بل الهامش الذي يدفع المخرج إلى البحث عن مكبوت الواقع واجتراح صورة سينمائية مغايرة عن هذا الواقع الذي ننتمي إليه. المشاهد لهذا النمط من الأفلام، يجد نفسه أمام صور تتشابه من ناحية العناصر الفنية (مواقع التواصل) من ثم، فإن المشاهد لهذا النمط من الأفلام، يجد نفسه أمام صور تتشابه من ناحية العناصر الفنية مع اختلال كبير من ناحية القصص والحكايات. ترتكز أفلام الويسترن على العنف باعتباره آلية ضرورية في فلسفة الفيلم، وهو ما يعطي لكثير من النقاد شرعية معرفية لاعتبار أفلام الغرب الأميركي تشكل سينمائياً البوادر الأولى لتطور سينما الأكشن. مع العلم أن هذا النوع السينمائي لم يحظ بأهمية بارزة في كتابات الباحثين والنقاد، فهو يدخل في عداد الأنواع الفيلمية الأكثر تهميشاً على مستوى التفكير والبحث. يبرر البعض عدم اهتمام نقاد السينما بهذا اللون السينمائي بكون الفيلموغرافيا المؤسسة له تظل غائبة، إذ يصعب بالنسبة إلى الناقد العثور على أفلام ويسترن صورت خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الـ20، فغالب ما هو موجود من الويسترن ينتمي إلى ستينيات القرن الماضي. سينما لا مفكر فيها والحقيقة أن هذا الأمر، يعد في طليعة العناصر التي تجعل النقاد والباحثين يظلون بمنأى عن الاهتمام بالويسترن، إذ إن غياب الأرشيف الفيلموغرافي يسهم في تهميش هذه الصناعة التي عمرت طويلاً داخل المشهد السينمائي الهوليوودي، كذلك فإن مشكل غياب مؤرخين متخصصين في تاريخ السينما بالعالم يجعل المهمة صعبة، حتى لو توفرت أحياناً أفلام داخل مؤسسات فنية، لذلك لا تطالعنا مونوغرافيات أكاديمية تقرأ التاريخ الأميركي من خلال سينما الويسترن، وتحاول عبر سلسلة الأفلام المتراكمة تأويل تمثيل الذات والكشف عن نتوءات الواقع، والطريقة التي بها عمل المخرجون السينمائيون في الاشتغال على الجسد ومسرحته داخل فضاء الغرب الأميركي. لذلك فإن كل ما يوجد مجرد مقالات نقدية تقدم تحليلاً فيلمياً لبعض النماذج الأميركية والإيطالية. مع العلم أن أفلام الويسترن ليست نوعاً سينمائياً فحسب، بل تكاد تكون إرثاً مؤسساً للسينما الأميركية، فهي بمثابة وثائق بصرية تصور حال "التوحش" الذي كان يسيطر على فضاء الغرب الأميركي. لذلك يعتبر الفرنسي أندري بازان أن هذه الأفلام تشكل هوية حقيقية للسينما الأميركية، بل تكاد تكون روحها الأولى والنمط الحقيقي المؤسس لهذه السينما، إذ تشكل صورها انعكاساً حقيقياً للواقع اليومي الأميركي بكل ما يطبعه من تغيرات سياسية وتحولات وجودية. فهذا يعني أنها سينما واقعية تتعامل مع الواقع باعتباره إطاراً فكرياً، لكن من دون أن تجعل من الصورة عبارة عن محاكاة لهذا الواقع، إذ يصطدم المتفرج بنوع من الصورة التي تعلي من قيمة البطل الأميركي وتحاول تكريسه باعتباره أيقونة، وهو نمط تصويري يتكرر في كل المتون السينمائية بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن الـ20، لذلك نشعر خلال المشاهدة بنوع من التكرار البصري والإكليشيه الفني الذي يجعل المرء يتساءل حول تشابه المشاهد واختيار كادرات التصوير نفسها وارتفاع منسوب العنف من فيلم إلى آخر. تغول الجغرافيا والتاريخ تمنح أفلام الغرب الأميركي بالنسبة إلى المتفرج فسحة للضياع الوجودي في عوالم غير مفكر فيه، ذلك أن الصورة تزج بالمشاهد في فضاءات متوحشة خالية من البشر، فكل الأفلام تحاول أن تشتغل سينمائياً على وحشية الفضاء الذي يصبح داخل الصورة عبارة عن قصيدة سينمائية يتلوها الفراغ، بيد أن اختيار الغرب الأميركي مسرحاً للأحداث السينمائية ليست له أحياناً دوافع جمالية، بل نابع من التأثير الذي كثيراً ما مارسته الحكايات الشعبية الأميركية على الغرب الأميركي، بوصفه مكاناً لميلاد الأساطير، لذلك فإن امتداد الماضي في جسد الحاضر يعد شرطاً ضرورياً لأفلام الغرب الأميركي، فالثقافة الشعبية تؤدي سلطة رمزية مرجعية في بناء متخيل أفلام الويسترن. بيد أن توجيه الهامش للمركز يكاد يشكل ملمحاً جمالياً، لأن هذه القصص الشعبية تمنح لهذه الأفلام سمة جمالية مدهشة تجعلها حكراً على السينما الأميركية، لكن ما يميز أفلام الويسترن أنها تقوم على صناعة عنف يكاد يكون الشرط الجمالي الضروري لبناء متخيل الفيلم، إذ يصعب العثور على أفلام الغرب الأميركي خالية من العنف، لكون الصورة لا تسعى دائماً إلى البحث في مجهول الفضاء، بل تبني شرعيتها السينمائية انطلاقاً من تغول الواقع وحرارته اليومية من ناحية الأحداث التي يشهدها، لذلك تطالعنا المشاهد عبارة عن مختبر لصراع واقعي بين أفراد وجماعات يختلفون اجتماعياً وثقافياً ويدخلون في صراعات مسلحة لا تنتهي. لكن العامل الذي يجعل العنف "مبرراً" أن الصورة السينمائية تروم أحياناً إلى أن تكون بمثابة إطار فكري يمنح مساحة للأخلاق التي لا تخرج في مجملها عن ثنائية الخير والشر، لذلك يطالعنا الغرب الأميركي، باعتباره عالماً سلطوياً ينتصر فيه القوي على الضعيف، لكنه في مجمله عبارة عن عالم يحتضر وتتآكل فيه المواضعات الأخلاقية، وهي تئن تحت سلطة الجغرافيا والتاريخ والإنسان. بداية ستينيات القرن الـ20 ظهرت بعض النماذج الإيطالية تحررت من الأبطال المثاليين، إذ راهن بعض المخرجين في أفلام من قبيل "الطيب والشرس والقبيح" و"جانغو" على نوع من الصورة لا يهمها البطل الأيقوني ومصائره المتقلبة داخل جغرافية الغرب الأميركي، بل تصوير الواقع بكل قسوته ونتوءاته. هنا ستظهر مجموعة من الأفلام الإيطالية التي حاولت أن تتخلص من الأسطورة وذاكرتها وتراهن جمالياً على الواقع كما يتجلى في الغرب الأميركي. بيد أن هذا النزوع الجمالي صوب الواقع كان في عمقه يبلور تصوراً جديداً للسينما الإيطالية حول أفلام الويسترن بطريقة تخلص الصورة من أوهام الماضي، وتوجه عدسة الكاميرا صوب يوميات الواقع، وهي نظرة سينمائية مغايرة تقوم على منح الواقع مساحة داخل الكادر السينمائي كمحاولة جمالية لتخليص فضاء الغرب الأميركي من أساطيره وحكاياته الشعبية المكررة من عمل سينمائي إلى آخر. مع المخرج سيرغيو ليوني أسس ما بات يسمى "الويسترن الإسباجيتي"، إذ تحرر الصورة من القتل والبطولات الأيقونية صوب البحث عن أبطال يتميزون بنوع من الواقعية. فهذه الأفلام الجديدة التي كانت تصور داخل إيطاليا وإسبانيا نفسها انتشرت في العالم العربي وأثرت بصورة قوية في ذاكرة النقاد والمخرجين السينمائيين وعشاق السينيفيليا بصورة عامة، بحكم ما قدمته من تصور سينمائي جديد أكثر وعياً بالتحولات الجمالية التي كانت تخترق الشاشة الكبيرة خلال مرحلة الستينيات. وحظيت هذه الأفلام بمتابعات النقاد العرب وأنتجت تراكماً نقدياً كمياً ليس بالضرورة يفكك ماهيتها وعوالمها، ولكنه في الأقل أسهم إلى حد كبير في التعريف بها وشرحها والتوقف عند أهم أعلامها وروادها الذين جعلوا الويسترن يدخل مرحلة جديدة في عالم الفن السينمائي. Independent News