
المدير التنفيذي لمؤسسة “مستقبل حرية التعبير”، وأستاذ باحث في جامعة فاندربيلت الأميركية
وجاء هذا التحول رداً على الهيمنة المتزايدة لمنصات التكنولوجيا الأميركية، التي تقوم نماذجها على تعزيز تفاعل المستخدمين، مما أثار مخاوف من احتمال استخدام دول وجماعات معادية لها سلاحاً لنشر الدعاية وتقويض المؤسسات الديمقراطية. ومنذ إعادة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عام 2024، وفي ظل تقرب قادة “وادي السيليكون” من إدارة تناصب المؤسسة السياسية الأوروبية العداء علناً وتدعم الشعبويين الذين يتحدونها، ازداد شعور صانعي السياسات الأوروبيين بالحاجة إلى فرض السيطرة على ما وصفه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بأنه “غرب رقمي متوحش”.
وقد التزمت أوروبا بالفعل تعزيز قدراتها التكنولوجية وتقليص اعتمادها على منظومة التكنولوجيا الأميركية، من خلال إجراءات مثل “قانون الرقائق الأوروبي”، الذي يهدف إلى زيادة إنتاج أشباه الموصلات، ومشاريع مثل “غايا-أكس”، وهي مبادرة للبنية التحتية السحابية صممت لتسهيل نقل البيانات بصورة آمنة.
لكن تبني القارة مفهوم السيادة الرقمية بات يتجاوز بكثير السياسة الصناعية والبنية التحتية الحيوية، إذ أصبح يشمل أيضاً تنظيم التعبير، فيما تضغط الحكومات على منصات التواصل الاجتماعيلمراقبة ما يصنف، بعبارات فضفاضة، على أنه تضليل أو تلاعب أجنبي أو خطاب كراهية أو استغلال للأطفال.
وباسم حماية الديمقراطية، باتت المجتمعات المفتوحة تتبنى سياسات مستمدة من أنظمة سلطوية تصفها، عن حق، بأنها معادية لحرية التعبير. فقد تبنى الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء نهجاً مركزياً لفرض القيود على المحتوى، فيما وسعت إدارة ترمب نطاق المراقبة والتدقيق الأيديولوجي والضغوط على منصات التكنولوجيا.
ولم يفت الأوان بعد لإحياء وعد الإنترنت المفتوح بإتاحة المعلومات بحرية عبر الحدود. لكن ذلك يقتضي التمييز بوضوح بين مساءلة منصات التكنولوجيا وإخضاعها لرقابة الدولة، مع رفض الرقابة بحزم وتشجيع تصميم المنصات بما يكفل مساءلتها.
حلم رقمي مؤجل
في يوليو (تموز) 2012، تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالإجماع قراراً تاريخياً يؤكد مبدأً بسيطاً: “إن الحقوق نفسها التي يتمتع بها الناس خارج الإنترنت يجب أن تحظى بالحماية على الإنترنت أيضاً، ولا سيما حرية التعبير، التي تسري بصرف النظر عن الحدود ومن خلال أي وسيلة إعلام يختارها المرء”. وفي مقالة نشرها في صحيفة “نيويورك تايمز”، أشاد وزير الخارجية السويدي كارل بيلدت بالتصويت، واصفاً إياه بأنه “إنجاز بالغ الأهمية”، ومؤكداً أن “التدفق الحر للمعلومات على الإنترنت مطلب عالمي، وليس أمراً تدفع إليه قلة من الدول الغربية وحدها”. وللحظة وجيزة، بدا أن ديمقراطيات العالم أقرت بأن الإنترنت المفتوح سيكون الجهاز العصبي للحرية الحديثة.
لكن حتى في تلك اللحظة التي بلغ فيها التفاؤل التكنولوجي ذروته، كانت هذه الفكرة تواجه تحديات بالفعل. فبعدما استخدم نشطاء مؤيدون للديمقراطية في روسيا وسائل التواصل الاجتماعي لتنسيق احتجاجات جماهيرية ضد انتخابات تشريعية مزورة عام 2011 والانتخابات الرئاسية عام 2012، تعامل الكرملين مع المعارضة على الإنترنت بوصفها تهديداً للأمن القومي. واتهم جهاز الأمن الفيدرالي الروسي المدونين الروس وشبكات التواصل الاجتماعي الأميركية بنشر دعوات غربية إلى “إطاحة النظام السياسي القائم”.
وفي الشهر نفسه الذي أُقر فيه قرار مجلس حقوق الإنسان، مرر مجلس الدوما قانوناً قدم رسمياً على أنه يهدف إلى حماية الأطفال، لكنه أنشأ عملياً قائمة سوداء وطنية واسعة النطاق، وخول هيئة تنظيم الإعلام “روسكومنادزور” حجب أي موقع من دون أمر قضائي إذا عد مروجاً لتعاطي المخدرات أو الانتحار، ثم لأي محتوى يصنف في نهاية المطاف على أنه “تطرف”. ووضع القانون الأساس لما بات يعرف بـ”الشبكة الحمراء” الروسية، وهي منظومة رقابة ومراقبة موجهة من الدولة، عزل الكرملين من خلالها الروس تدريجاً عن المعلومات المستقلة، وأسكت المعارضة السياسية على الإنترنت، ورسخ قبضة الرئيس فلاديمير بوتين على السلطة.
وكانت جهود الصين للسيطرة على الفضاء الرقمي أكثر طموحاً. فبعد عام من صعود شي جينبينغ إلى رئاسة الحزب الشيوعي الصيني عام 2012، عممت اللجنة المركزية ما أصبح يعرف بـ”الوثيقة رقم تسعة”، وهي مذكرة تحذر من إمكان “تسلل” الديمقراطية الدستورية الغربية و”القيم العالمية” والمجتمع المدني وحرية الصحافة إلى الصين عبر الإنترنت. وكان العلاج المقترح ذا شقين: فرض الانضباط الأيديولوجي من خلال “توحيد الفكر”، و”تنقية” الرأي العام على الإنترنت، وفق تعبير الوثيقة. وعملياً، عنى ذلك توسيع “الجدار الناريالعظيم” في الصين بصورة كبيرة، من خلال الحجب المنهجي لـ”فيسبوك” و”غوغل” و”تويتر” ومعظم المؤسسات الإخبارية الغربية، مع إضافة طبقات جديدة من متطلبات التسجيل بالأسماء الحقيقية، واعتماد تصفية خوارزمية للكلمات المفتاحية على المنصات المحلية مثل “ويتشات” و”ويبو”، وتكثيف اعتقال المدونين والنشطاء بسبب ما ينشرونه على الإنترنت. ومنذ ذلك الحين، وسع الحزب الشيوعي الصيني هذه البنية التنظيمية لتشمل شركات الذكاء الاصطناعي، التي تخضع لمتطلبات صارمة تلزمها حجب كل مخرجات تتعارض مع “القيم الاشتراكية الأساس”.
وشهدت أوروبا والولايات المتحدة بدورهما تحولات منذ صدور قرار عام 2012. ففي أوروبا، دفعت المخاوف من تأثير التضليل الروسي في الانتخابات الأميركية عام 2016، ومن “وباء معلوماتي” انتشرت خلاله ادعاءات صحية كاذبة ومضللة إبان جائحة كورونا، إلى جانب دعم إدارتي ترمب للشعبويين الأوروبيين وعدائهما لتنظيم الاتحاد الأوروبي للإنترنت، صانعي السياسات إلى تبني مفهوم السيادة الرقمية. أما في الولايات المتحدة، فقد وسعت إدارة ترمب الثانية صلاحيات السلطة التنفيذية واتخذت إجراءات عقابية بحق منتقديها، فيما نددت بما تعده نزعة أوروبية إلى فرض الرقابة.
ذعر التضليل
شدد قرار الأمم المتحدة عام 2012 على أهمية حماية حقوق الإنسان على الإنترنت وخارجه، ولا سيما حرية التعبير. لكن القادة الأوروبيين يتسابقون اليوم إلى فرض مزيد من القيود على التعبير عبر الإنترنت. ففي فبراير (شباط) الماضي، دعا المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى إنهاء إخفاء الهوية على الإنترنت، قائلاً خلال مناسبة نظمها “الاتحاد الديمقراطي المسيحي”: “أريد أن أرى أسماء حقيقية على الإنترنت. أريد أن أعرف من الذي يتحدث”. ويتعارض اقتراح ميرتس تعارضاً عميقاً مع تقليد عصر التنوير الذي جسده سبينوزا وفولتير ولوك، وجميعهم لجأوا إلى النشر من دون ذكر أسمائهم لتحدي الرقابة. ومن شأن اقتراحه أن يتيح فرض قيود على التعبير أشد مما تفرضه ألمانيا بالفعل. فقد ارتفع عدد التحقيقات مع ألمان بسبب الإساءة إلى شخصيات سياسية من 2598 عام 2023 إلى 4792 عام 2025، أي بزيادة تقارب 85 في المئة. وفي مطلع يونيو (حزيران) الجاري، فرضت غرامة على مستخدم ألماني لـ”فيسبوك” لأنه وصف ميرتس بأنه “فريتز الكاذب”، فيما دين ألمان آخرون بسبب انتقادات مماثلة لوزراء بارزين.
وفي فرنسا، وصف الرئيس إيمانويل ماكرون فكرة اعتبار توزيع المحتوى خوارزمياً صورة من صور حرية التعبير بأنها “هراء محض”، وشدد على الحاجة إلى قوانين جديدة لحماية الديمقراطية من الدعاية الأجنبية. ودعا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحجب “المعلومات الكاذبة” أو “المعلومات التي تمس كرامة شخص” على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما سيمثل توسيعاً كبيراً لقانون فرنسي صدر عام 2018 يمنح القضاة سلطة الأمر بإزالة المعلومات الكاذبة على الإنترنت خلال الفترات الانتخابية.
ووسعت دول أوروبية أخرى، بينها النمسا والدنمارك وإسبانيا، قوانينها الوطنية المتعلقة بخطاب الكراهية، فيما يقترح الاتحاد الأوروبي جعل خطاب الكراهية جريمة في جميع دوله الأعضاء. ولهذا التوسع في الفئات الواسعة والملتبسة للمحتوى غير القانوني، سواء في القوانين الوطنية أو الأوروبية، تداعيات كبيرة، لأن “قانون الخدمات الرقمية” الذي أقره الاتحاد الأوروبي عام 2022 يلزم منصات التواصل الاجتماعي إزالة هذا المحتوى. وبعبارة أخرى، كلما توسعت القيود على التعبير في الدول الأعضاء وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، ازدادت مسؤولية شركات التكنولوجيا عن مراقبة ما ينشر على الإنترنت، وازداد احتمال أن تقيد هذه الشركات أصوات المستخدمين بدلاً من تعزيزها، تجنباً للغرامات القاسية والتحقيقات الطويلة .
قد يبدو أن المستهدف بهذه المبادرات هم مليارديرات التكنولوجيا، الذين يمكن لمنصاتهم أن تؤجج الاستقطاب، وتضخم انتشار محتوى لا ينشره أي محرر مسؤول، وتبقي الأطفال ملتصقين بالشاشات. ولا شك في أن قوة المنصات الخاصة مصدر قلق مشروع لأوروبا، إذ تسهم حفنة من الشركات المملوكة لأجانب بالفعل في تحديد أي خطاب يجري تضخيمه وأي خطاب يهمش. لكن الطريقة التي تستجيب بها الدول تخلق تهديداً أكثر ديمومة من أي مالك منفرد لشركة تكنولوجيا. فمتى أنشئت بنية تحتية للرقابة، بات من الصعب تفكيكها، والأرجح أنها ستنتقل إلى كل حكومة مستقبلية، بما في ذلك حكومات تسيطر عليها أحزاب اليمين الشعبوي التي تتقدم حالياً في استطلاعات الرأي في أنحاء القارة.
ولن يكون الذين يدفعون الثمن مليارديرات “وادي السيليكون”، بل ملايين المستخدمين العاديين للمنصات في الديمقراطيات الأوروبية، ممن يصلون إلى المعلومات والأفكار ويتبادلونها ويناقشونها في قضايا تثير استياء ممثليهم المنتخبين.
وأدى الخوف من التدخل الأجنبي عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى دفع صانعي السياسات إلى التقليل من قدرة الديمقراطيات الأوروبية على الصمود ومن قدرة مواطنيها على التفكير النقدي. وتميل الحكومات الأوروبية إلى المبالغة في تقدير مدى انتشار التضليل عبر الإنترنت وتأثيره في الانتخابات، وقدرته على تغيير القناعات الراسخة بصورة دائمة. وقد خلصت مجموعة متنامية من البحوث التجريبية إلى أن التعرض للمعلومات المضللة على الإنترنت يتركز لدى أقلية صغيرة من المتحزبين الملتزمين سلفاً، وأن تأثيره الإقناعي المباشر في السلوك الانتخابي محدود. ولذلك، يرجح أن يكون دعم الأحزاب الشعبوية في أوروبا أقل ارتباطاً برسائل حركة “ماغا” أو التضليل الروسي على منصة “إكس”، وأكثر ارتباطاً بمخاوف حقيقية نابعة من الداخل في شأن الهجرة والاقتصاد، حشدت على مدى أعوام ناخبين مناهضين للنخب ضد الحكومات المتمسكة بالمؤسسات، قبل وقت طويل من وصول ترمب إلى الرئاسة وتحول “تويتر” إلى “إكس”.
إن تنوع الآراء وانتقاد القرارات السياسية، سواء كان مصدرهما داخلياً أو خارجياً، يقعان في صميم حرية التعبير. واعتبار هذا النقد هجوماً على الديمقراطية يعني ضمناً أن سياسات القادة المنتخبين ديمقراطياً وأولوياتهم ينبغي أن تكون بمنأى عن التدقيق. وعلى رغم أن ميرتس وغيره وصفوا جهودهم بأنها تستهدف “أعداء المجتمع المفتوح والليبرالي”، فإن المحظورات التي يقترحونها تشبه بصورة لافتة سياسات الأنظمة غير الليبرالية التي تستخدم السيطرة على الإنترنت للاحتفاظ بالسلطة وخنق المعارضة. وليس من قبيل المصادفة أن تفرض قواعد إثبات الهوية بالأسماء الحقيقية في الصين وإيران وروسيا وفيتنام.
تباعد عبر الأطلسي
ولا تقدم الولايات المتحدة ثقلاً موازناً موثوقاً في مواجهة الانجراف الأوروبي المقلق. فعلى رغم انتقادات إدارة ترمب الحادة لسياسات الاتحاد الأوروبي في ضبط المحتوى والتعبير على الإنترنت، يظل التزام واشنطن حرية الإنترنت في عهد ترمب متناقضاً في أحسن الأحوال. ويتجلى ذلك في ضغوط الوكالات الأميركية على منصات التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي لكشف هويات أصحاب الحسابات المجهولة وحذف ما ينشره المستخدمون عن تحركات عناصر إنفاذ قوانين الهجرة. ووسعت إجراءات التدقيق في الزوار والطلاب إلى ما يتجاوز الفحوص الأمنية المعتادة، لتشمل مراجعة حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن محتواها الأيديولوجي. وعندما رفضت شركة الذكاء الاصطناعي “أنثروبيك” السماح لوزارة الدفاع الأميركية باستخدام منتجاتها في المراقبة الجماعية للمواطنين الأميركيين أو إنتاج أسلحة ذاتية التشغيل، صنفتها الإدارة “خطراً على سلسلة التوريد”، وأمرت جميع الوكالات الفيدرالية بقطع علاقاتها بها. ولا تزال القضية منظورة أمام المحاكم، لكن قاضياً فيدرالياً أصدر في مارس (آذار) الماضي أمراً قضائياً أولياً لمصلحة “أنثروبيك”، واصفاً التصنيف بأنه “إجراء انتقامي تقليدي بسبب ممارسة حق يحميه التعديل الأول من الدستور”.
وفي السياسة الخارجية، يبدو التناقض بين انتقاد الولايات المتحدة لأوروبا وأفعالها أكثر وضوحاً. ففي فبراير الماضي، أفادت وكالة “رويترز” بأن وزارة الخارجية الأميركية كانت تعمل على إنشاء موقع يتيح للأوروبيين الوصول إلى محتوى تحجبه قوانين الاتحاد الأوروبي والقوانين الوطنية. لكنها لم تبذل جهداً مماثلاً لمصلحة مواطني الصين أو إيران أو روسيا، الذين يواجهون رقابة أشد بكثير، ومن دون سبل الاحتكام الديمقراطي المتاحة للأوروبيين. بل إن واشنطن قلصت بهدوء مبادرات حرية الإنترنت، ومنها “صندوق التكنولوجيا المفتوحة”، الذي أنشئ أصلاً لمساعدة الناس في الدول السلطوية على تجاوز الرقابة على الإنترنت.
ومن المؤكد أن مقاربتي واشنطن وبروكسل للتعبير على الإنترنت ليستا متماثلتين. فمهما اتسمت إجراءات إدارة ترمب بالعشوائية واستنادها إلى السلطة التنفيذية والنزعة الانتقامية، فإنها تبقى مقيدة بالحماية التي يوفرها التعديل الأول، وهي حماية يفتقر إليها الأوروبيون إلى حد كبير. أما قوانين التعبير في أوروبا، فعلى رغم غموض نطاقها وعدم وضوح كيفية إنفاذها في كثير من الأحيان، جاءت نتيجة مداولات داخل مؤسسات منتخبة. ومع ذلك، يشترك الطرفان في الابتعاد من الالتزامات الطموحة التي سادت خلال العقد الثاني من القرن الـ21، وفي رفضهما تقديم بديل ديمقراطي حقيقي للسيادة الرقمية الاستبدادية.
السلطة للشعب
بالنظر إلى الماضي، يصعب تفادي الاستنتاج بأن النموذج الصيني – الروسي للسيادة على الإنترنت هو الذي ينتصر في الصراع مع مشروع الإنترنت المفتوح الذي قاده الغرب. لا يزال الفضاء الرقمي في الديمقراطيات الغربية أكثر انفتاحاً بكثير مما تتيحه الصين وراء “جدارها الناري العظيم” أو روسيا عبر “شبكتها الحمراء“. لكن قرار مجلس حقوق الإنسان لعام 2012، الذي أكد الحقوق على الإنترنت، يبدو اليوم في الولايات المتحدة وأوروبا كأنه بقية من عهد ولى. فقد قلب كثيراً من مبادئه رأساً على عقب، ووضع تصور بيلدت المتفائل تكنولوجياً لإنترنت عالمي ومفتوح على الرف بهدوء.
لم يكن الوعد الحقيقي للإنترنت المفتوح يوماً أن تكون المنصات حراس بوابات محايدين، أو أن يكون منح الجميع فرصة التعبير المجاني والفوري على نطاق واسع عملية خالية من الاحتكاك والمشكلات. بل تمثل الوعد في أن يحظى المواطنون العاديون بصوت أكثر مباشرة في الشؤون العامة، وبفرصة أفضل لمحاسبة حكوماتهم. وكان هذا المثل الأعلى محكوماً دائماً بأن يكون فوضوياً، لا خلاصياً.
وعلى رغم كل القلق من إمكانات منصة “إكس” المعادية للديمقراطية في ظل ملكية قطب التكنولوجيا المتحالف مع ترمب إيلون ماسك، فقد قدمت المنصة مثالاً قوياً على تطبيق هذا الوعد عملياً. فبعدما انتشر على منصة “إكس” مقطع صوره أحد المارة لمقتل أليكس بريتي على يد عناصر الهجرة الأميركية في مينيابوليس، لجأ المستخدمون إلى خاصية “ملاحظات المجتمع” لتصحيح ادعاءات كاذبة ومضللة صدرت عن مسؤولين حكوميين كبار. وكان من بينهم نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر، ووزيرة الأمن الداخلي آنذاك كريستي نويم، ومدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل، إلى جانب الحساب الرسمي لوزارة الأمن الداخلي. ونتيجة لذلك، لم يكن أمام إدارة ترمب خيار سوى التراجع عن محاولتها الأولى لإغراق الفضاء الإعلامي بادعاءاتها.
وفي أوروبا، ينبغي أيضاً أن يدفع انتصار المعارضة المجرية الأخير على رئيس الوزراء فيكتور أوربان بروكسل إلى التفكير مرتين في مفهوم السيادة الرقمية. فبعد أكثر من عقد من إحكام السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية، اعتمد الصحافيون المستقلون الباقون في المجر والمعارضة المحاصرة اعتماداً كبيراً على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لمحاسبة الحكومة الفاسدة وغير الليبرالية، ثم لحشد الأصوات التي أنهت في نهاية المطاف حكم أوربان المستمر منذ 16 عاماً.
وهذه الاستجابات العفوية التي تنطلق من القاعدة إلى القمة هي تحديداً ما يجعل الأنظمة السلطوية تخشى الاتصال بالإنترنت. فعندما قمعت إيران الاحتجاجات في يناير (كانون الثاني)، فرض النظام ظلاماً رقمياً وقطع الإنترنت في أنحاء البلاد لمنع العالم من مشاهدة ما يجري. وألقى سفير إيران لدى الأمم المتحدة باللوم في الاحتجاجات على إرهاب منظم من الخارج، وأكد “الحق السيادي” للنظام في وقف “عمليات البث غير المصرح بها”. وكان قطع الإنترنت أقصى تجسيد لسيطرة الحكومة على تدفق المعلومات، وينبغي أن يكون تحذيراً لصانعي السياسات الغربيين من النهاية المنطقية التي تقود إليها فكرة السيادة الرقمية.
لكن أمام الديمقراطيات الأوروبية خياراً آخر غير السيادة الرقمية المفروضة مركزياً، إذ يمكن بناء فضاء إلكتروني أكثر لا مركزية، وقابلاً للتشغيل البيني، ويعزز التماسك الاجتماعي، بحيث يحد من الانقسامات السياسية والجغرافية بدلاً من تأجيجها، من دون الاضطرار إلى المفاضلة بين المساءلة الديمقراطية والسلامة على الإنترنت. وتستطيع الحكومات الحريصة على الأمرين حماية خصوصية المستخدمين، وتشجيع تدقيق الحقائق بمشاركة الجمهور، وفرض قدر أكبر من الشفافية في تصميم المنصات بما يمنح المستخدمين، لا الشركات المالكة لها، مزيداً من التحكم. ويمكنها تطبيق القوانين القائمة لمكافحة الاحتيال والتحريض واستغلال الأطفال، من دون إنشاء منظومة جديدة للرقابة. وباختصار، يمكنها الالتزام بروح قرار عام 2012، من خلال حماية حقوق الإنسان على الإنترنت بدلاً من مد سيطرة الدولة إلى الفضاء العام الرقمي.
ترجمة عن “فورين أفيرز”، 10 يونيو (حزيران) 2026
جاكوب مكانغاما هو المدير التنفيذي لمؤسسة “مستقبل حرية التعبير”، وأستاذ باحث في جامعة فاندربيلت، وشارك جيف كوسيف في تأليف كتاب “مستقبل حرية التعبير: عكس مسار التراجع العالمي لأهم حريات الديمقراطية”.
Independent News
مجلة 24 ساعة