
فالسينما ليست مجرد مادة فكرية ورؤية بصرية في اختراق الواقع، بل غدت صناعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بعدما أصبحت الهند تتفوق من ناحية عدد إنتاج الأفلام سنوياً على المؤسسات الهوليوودية، هذه الأخيرة، لم تعد تستطيع أن تقوى على مواجهتها أو منافستها داخل أسواق الفن السابع، ذلك أن السينما الهندية تكتسح بقوة آسيا والعالم العربي وتدفع بالفيلم الأميركي منذ سبعينيات القرن الـ20 إلى الوراء.
أولت الهند أهمية كبيرة للفن السابع وأسهمت بقوة في تشجيعه ودفع الناس إلى الانخراط اليومي في عالم السينما ومتخيلها، بل يكاد لا يصدق المرء كيف لبلد يعرف أكبر نسبة من الفقر يُقبل بهذا الشكل على السينما لدرجة تصبح فيها مدن من قبيل مومباي ونيودلهي وكالكوتا بمثابة العواصم الحقيقية للهند، بحيث تعيش هذه المدن على الإنتاج السينمائي الذي يصوّر فيها بصورة يومية، بما جعلها تغدو إمبراطوريات سينمائية تسهم في تنشيط السياحة المحلية وتكريس الفن السابع، بوصفه آلية ضرورية لتحديث المجتمع وإخراجه من الطابع التقليدي الذي يرزح تحته منذ الاحتلال البريطاني، ونظراً إلى الدور الذي تؤديه السينما في توفير اليد العاملة داخل الهند، حرصت المؤسسات الرسمية على تسهيل كل الأمور الإدارية لتشجيع المؤسسات الإنتاجية ورجال الأعمال على الاستثمار في السينما، ومحاولة تغذية الشعور المجتمعي بقيمة هذا الفن ودوره في إبراز الهوية الهندية وتاريخها وذاكرتها.
بوليوود تنافس هوليوود
نجحت الهند في أن تكون أكثر بلد في العالم ينتج بصورة ذاتية عدداً كبيراً من الأفلام التي تتجاوز معدلات المؤسسات الهوليوودية، بل وقد أصبح الأمر مريباً لعدد من المنتجين الأميركيين الذين يجدون أنفسهم في ورطة حقيقية كلما طرحوا فيلماً جديداً يصادف فيلماً لبعض نجوم بوليوود مثل شاه روخ خان أو أمير خان أو سلمان خان، إذ تتسبب صورة هؤلاء النجوم في أزمة، وهو أمر اضطر من خلاله النجم الأميركي براد بيت إلى تأجيل فيلم له حتى لا تؤثر شعبية شاه روخ خان في شباك تذاكر فيلمه، لأنه كان يدرك جيداً الشعبية التي يحظى بها صاحب “العاشق المجنون” (1995) في العالم. ولا يتعلق الأمر بهذا النجم، بل بالسينما الهندية ككل، ما دامت أنها تحرص على التأثير في وجدان المشاهد ودفعه إلى مشاهدة الإنتاج الهندي وترقّب أخبار النجوم وعلاقاتهم وصورهم التي اكتسحت قلوب الناس في الوطن العربي.

يتميز الفيلم الهندي بخاصية مركيز تجعله مختلفاً عن بقية الأشكال الأخرى في العالم، فهو يمزج في طياته بين الحكاية والموسيقى والغناء والرقص، لكونها عناصر فنية مكونة للفيلم الهندي ومن ثم يصعب العثور على فيلم هندي من دون هذه الخلطات الجمالية التي باتت بمثابة هوية أنطولوجية للمتون الفيلمية.
ويحرص صناع الفيلم الهندي على تأليف أغانٍ خاصة بالفيلم وفق آلية تقوم على توزيع الأشكال الغنائية على مسار الفيلم بالاستناد إلى عنصر الحكاية وتدرجاتها داخل المشاهد. وتعد بعض العواصم الخليجية والمدن العربية أكثر الفضاءات التي تؤدي دوراً كبيراً على مستوى مداخيل الأفلام الهندية بين الثمانينيات والتسعينيات، إذ شهدت بعض الصالات في المغرب والجزائر وتونس سيطرة الأفلام الهندية، بحكم قدرتها على جلب الزوار للسينما وضخ دماء جديدة في شرايينها.
ففي اليوم الواحد كانت دور السينما تعرض فيلمين، الأول أميركي أو فرنسي والثاني هندي، ونظراً إلى السلطة الرمزية التي يمارسها الفيلم الهندي على وجدان المشاهد، فقد غدت الصالات تُكثر من عرض المنجز الهندي بسبب الإقبال الجماهيري الكبير الذي يجد نفسه أمام أفلام تمتزج فيها الموسيقى بالغناء والرقص بالأحلام الرومانسية. وإذا ما تتبعنا مسار تلقي الفيلم الهندي داخل المنطقة المغاربية سنجد بعضاً من تأثير هذه السينما في الإنتاج المحلي، لا سيما على مستوى أسلوب كتابة القصص وتمطيط الحكاية والحلم خارج مدارات الواقع.
يشيّد معمار الفيلم الهندي على فلسفة وجودية تبدو في تجلياتها الفلسفية امتداداً للديانة الزردشتية القائلة إن جوهر العالم عبارة عن صراع بين الخير وقوى الشر. من هذا المنطلق، تأتي جماليات السيناريو الذي يظهر دائماً قوة البطل ودوره في القضاء على الشر، لكن البطل في السينما الهندية يظل رومانسياً وجذاباً وقوياً كأنه قادم من التراجيديات القديمة. هذا الامتداد للماضي في الحاضر يكاد يكون عنصراً جمالياً في كل الأفلام الهندية من دون استثناء.
جماليات الفيلم الهندي
لقد أضحت شركات من قبيل “ياش راج فيلم” و”إيروس إنترناشيونال” و”تيبيس فيلمز” و”أمير خان للإنتاج” مؤسسات عابرة للقارات، بسبب سطوتها الإنتاجية وقدرتها على منافسة كبرى الشركات الإنتاجية في العالم، لكن شهرة بوليوود لا ترتكز على الشاشة الكبيرة، بل نجد أن الوسيط التلفزيوني يؤدي دوراً مهماً في الترويج للسينما الهندية ونجومها، حيث يعمل كثير من المخرجين والمنتجين على كتابة وإنجاز برامج فنية يشاهدها ملايين الناس في الهند وتستضيف سلسلة من النجوم الجدد الأكثر انتشاراً وذيوعاً في العالم. نجحت الشاشة الصغيرة في الهند في الاستفادة من سحر السينما، بما جعلها تستقطب كثيراً من النجوم داخل برامجها التي لا تنتهي، التي يجري إعدادها سنوياً لدرجة أضحت تشكل امتداداً حقيقياً للسطوة الإنتاجية البوليوودية.
بينما اكتسبت مؤسسات فنية شهرتها من خلال حرصها سنوياً على تنظيم جوائز مثل “زي سيني أورد” التي يجري من خلالها جمع كل صناع السينما في هوليوود، حيث يغنون ويرقصون ويشاركون في تقديم حوارات شهيرة لهم من داخل أفلام فوق خشبة المسرح. وتحظى “زي سيني أورد” بمشاهدات عالية تجعل نسخها ناجحة، لأنها لم تعد مجرد حفلات لتوزيع الجوائز، بقدر ما غدت من العناصر المشكلة للمنظمة الفنية داخل الإمبراطورية البوليوودية، لكونها تسهم بسلاسة في شهرة السينما الهندية وتحقيق عائدات كبيرة لها.
في السبعينيات برزت تجارب سينمائية قوية حاولت إخراج السينما الهندية من طابعها “الساذج”، بعدما عمل المخرج الشهير ياش تشوبرا (1932 ـ 2012) على وضع السينما في رحاب السياسة، لكن من دون أن يقوم بالإخلال بشروطها الفنية ومواضعاتها الجمالية. ففي فيلم “فير زارا” (2024) ينجح المخرج في تحطيم أرقام قياسية على مستوى شهرة فيلم هندي الذي أصبحت صوره وموسيقاه منتشرة على جغرافيات العالم العربي، حيث نجح شاه روخ خان وبريتي زينتا وراني موخيرجي في تقديم أداء سينمائي مذهل، يتتبع قصة طيار هندي يكلّف بمهمة جوية فيلتقي بفتاة باكستانية ويُغرم بها، لكن الأمر لا يتوقف عند باب الحب، بل يزج بنا ياش تشوبرا بطريقة ساحرة في صراع سياسي هندي ـ باكستاني يبدأ يتبلور شيئاً فشيئاً انطلاقاً من أفراد العائلة.
حرص صاحب “أنا وأنت” (2004) في جعل السينما الهندية تغدو عالمية من خلال مسار سينمائي مختلف، يسهم في تأصيل السينما الهندية ويجعلها ذائعة الصيت والانتشار. وحققت أفلامه مراتب متقدمة من ناحية مداخيل الأفلام، إذ دائماً يظل ياش تشوبرا في قائمة الصالات السينمائية بطريقة تجعله يتفوق على مداخيل بعض الأفلام الهوليوودية، إذ من خلاله تعرّف العالم العربي إلى السينما الهندية وآمن بها وبسحرها وبقوتها في رسم معالم سينمائية تُطلق العنان للخيال الإنساني، مع إبراز قيمة المشاعر باعتبارها أرقى ما يملكه الإنسان
Independent News
مجلة 24 ساعة