
الأدب الكبير أو الخالد ليس وكالة سياحة وسفر أبداً، والأديب الروائي ليس وكيلاً سياحياً لبلده وليست تلك مهمته مهما كان حبه لوطنه ودرجة ارتباطه به، وبهذه المقاربة فمهمة الأدب الخالد ليست عميلة تسويق لصورة بلد الكاتب، والمقصود هنا بكلمة تسويق هي الترويج من خلال نصوص روائية أو شعرية مكتوبة بحس الـ “بروباغاندا” السياسية أو الاجتماعية، حتى لتبدو مهمة الأدب شبيهة بما تقوم به الإعلانات التلفزيونية أو يافطات التي تحاصرنا في الشوارع وعلى جنبات وسائل النقل العمومية تلك التي تروج للشمبوان أو الجبنة أو البيتزا أو العطور أو غسالات الملابس وغيرها من وسائل الاستهلاك.
فخ الأدب الأكبر هو التسويق بمفهومه الدعائي الموسمي الأيديولوجي أو السياحي، وعندنا يختلط الأمر ما بين مفهومي البلد والنظام السياسي الذي يحكمه، وهذا ما يحدث غالباً في البلدان العربية والمغاربية، فأمام مأزق التمييز ما بين النظام السياسي من جهة وصورة البلد من جهة أخرى يصبح المقصود بمطالبة الأدب بتولي مهمة تسويق الصورة الإيجابية للبلد هو المطالبة ضمنياً بالتسويق لصورة إيجابية للنظام السياسي أو الديني أو الاقتصادي الحاكم والكف عن نقده، وفي البلدان التي تريد أن يكون أدبها تسويقاً لصورة أنظمتها تجري محاصرة جميع النصوص التي لا تستجيب ولا تتماهى وهذه الرؤية الاستهلاكية الدعاوية، ويمنع تدريسها في الثانويات والجامعات ويحظر تداولها في المكتبات، وفي مقابل ذلك تدرّس النصوص التي تطبل وتشتغل على النفاق الاجتماعي والأخلاقي وتعمل على المداهنة السياسية والأيديولوجية، وفي ظل ذلك يتحول الدرس الأدبي في البلدان التي تعمل على أن يكون الأدب وكالة سياحة وسفر إلى درس سطحي، مثلما هي الحال في كثير من مقررات وبرامج التعليم في البلدان العربية والمغاربية، إذ نجد تدريس النصوص الأدبية وتحليلها ينزلق على السطح في جمل وعبارات مثيرة للضحك والحزن، مثل شرح عاطفة الكاتب الجياشة ووصف الطبيعة الجميلة والتوقف عند الأحاسيس الداخلية وتحليل الأسلوب الرشيق والوصف الجميل، وما إلى ذلك من عبارات فارغة ومكررة مع كل نص ومع كل مستوى تعليمي.
انطلاقاً من رؤية الترويج أو التسويق التي تحاصر الإبداع والمبدعين فإن كل أديب ينقد أو ينتقد أو يعرض صوراً سلبية عن مجتمعه في نصوصه الروائية أو الشعرية يوضع اسمه على لائحة المغضوب عليهم، ويصبح بين عشية وضحاها قلماً مشكوكاً في وطنيته ومخوناً ومنبوذاً وزنديقاً، ويصنف أدبه في خانة الممنوع أو المرفوض أو المهمش أو الخليع.
إن الأدب لم يوجد كي يكون وكالة سياحة وسفر، ومهمته ليست الترويج بمفهومه التسوقي البضائعي، ففلسفة الأدب وماهيته هو النقد وإثارة السؤال والبحث عن الأجمل دائماً في الكائن والممكن واللا ممكن، وقراءة الأدب الروائي ليست جولة سياحية، والنص السردي ليس بطاقة سياحية إغرابية إيكزوتيكية، أن يقرأ القارئ نصاً روائياً لا ليتجول في بستان من الزهور المتنوعة أو يستمتع بمنظر الحدائق المعلقة أو يمشي في المدينة الفاضلة بل يقرأ كي يتساءل ويضع قناعاته في ميزان الشك وامتحان القلق الفلسفي، وكل ذلك كي يعيد تركيب المدينة من جديد في رأسه.
الأدب الخالد ليس وكالة سياحية ولا جمعية خيرية، فالأدب منشغل بشؤون أخرى مختلفة تماماً، وهذا لا يعني أن الأدب ضد السياحة، ولا يعني أنه ضد عمل الجمعيات الخيرية، ولكن دور الأدباء وماهيتهم تختلف عن دور الوكلاء السياحيين ورؤساء الجمعيات الخيرية والدعاة، فهو يدافع عن قيم أخرى وبطرق أخرى، ومسألة الربح والخسارة لديه تختلف عنها في السياحة، والدفاع عن الخير في الأدب يختلف عنه في الجمعيات الخيرية، فللأدب رؤية للعالم خاصة به.
يفتخر بعضهم بروايات بعض كتّابهم لأنها سوّقت لصورة مدينتهم ومجتمعهم، وكذلك لشخصياتهم التاريخية أو الدينية، وهم في ذلك يرون أن هذا الكاتب المحبوب والمفضل قدّم صورة إيجابية عن مدينتهم فحوّلها إلى مدينة فاضلة، وحوّل الشخصيات التاريخية أو الدينية التي تمثل مرجعياتهم إلى ملائكة لا يأتيهم لا الخطأ ولا الباطل أبداً، وكي يظل الأدب أدباً في جوهره فعلى الأديب أن يحافظ على مخالبه وحسه النقدي، وبذلك تصبح الحياة جميلة واللغة جميلة أيضاً، فالنصوص المدجنة تولد ميتة.
إن الأدب الخالد كما تجسده بعض النماذج العالمية مثل كتاب “ألف ليلة وليلة” أو “دون كيشوت” لسرفانتيس، أو “الحرب والسلم” لتولستوي أو “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي، أو “مكتبة بابل” لخورخي لويس بورخيس، أو “موت أرتيميو مروز” لكارلوس فوينتيس، أو “ميرامار” لنجيب محفوظ، أو “نجمة” لكاتب ياسين، أو “100 عام من الغربة” لغابرييل غارسيا ماركيز، أو “مدار السرطان” لهنري ميلر، أو “العجوز والبحر” لهمنغواي وغيرها، فهذه الكتب السردية أصبحت خالدة لأنها منشغلة بجوهر الإنسان في معركته من أجل الكرامة والحرية والعدل والجمال بصورة مطلقة وإنسانية، وليست رهينة فكرة تسويق صورة بلد ما أو نظام سياسي ما، وهي منشغلة أيضاً ببناء النصوص جمالياً باعتبار الأدب قيمة لغوية وبنائية، وحين نقول إن الأدب ليس عملية سياحية ولا يقتصر دوره على الترويج والتسويق فإن هذا لا يعني أن الأديب لا يحب وطنه أو شمس بلده، بل لأنه يحبه يريد أن يكون نقده له ضرورياً، لا من أجل تحطيمه أو لأنه يعيش حالاً مرضية تتمثل في التمتع بجلد الذات، بل من أجل أن يكون متخلصاً من القبح والشر.
أعتقد بأن التسويق الإيجابي لصورة البلد والذي يجب أن يتبناه الأدب ويدافع عنه هو الدفاع عن حاسة النقد، وكلما كان الأدب كذلك، ناقداً وجريئاً وحراً، كان البلد الذي يكتب عنه وفيه وله محترماً في عيون الآخر، فكلما كان النقد مسموحاً به وواضحاً في النصوص الأدبية، كان البلد قادراً على الانفتاح على العالم وكان المواطن متوازناً، وكانت صورة البلد الأدبية صادقة وكان التعامل مع الآخر شفافاً وبنّاء.
Independent News
مجلة 24 ساعة