” أن معرفة ماهية الثقافة ودراستها باستمرار أمرٌ بالغ الأهمية، لأنها تُبقيني مُلاحظًا، مُفكرًا بحرية، مُبدعًا، عاقلًا، مُتعلمًا، مُنتجًا، مُتطورًا، مُتساءلًا، مُتمردًا، وفي الوقت نفسه، أسعى دائمًا للبقاء على تواصل مع من حولي” .
الكلمات للنجم الأمريكي والمخرج السينمائي جيمس موريسون .
المحاضر في كلية الإعلام بجامعة بورنموث في إنجلترا .
فنانون .. ضمير عصرهم :
عادل أمام
فى بداية تسعينيات القرن الماضي عدت من غربتي الثانية فى العاصمة البريطانية حاملاً معي مسؤولية إصدار مجلة ” هنا لندن ” من القاهرة ، التي كانت تصدرها هيئة الاذاعة البريطانية BBC ، وكانت تطبع فى بدائها ببيروت ، ثم انتقلت للطباعة فى لندن بعد الحرب الاهلية اللبنانية .
عدت وفى صحبتي الإنجليزي المشرف على تحريرها ” كين ويتنهام ” ، لحضور طباعة العدد الأول من الإصدار القاهري ، وفى جعبته مخطط لاحتفالية يعلن فيها عن الانطلاقة الجديدة ، بأحد أفخم فنادق العاصمة يدعوا إليها علية القوم من سادة العلم والفن . المدهش أن ويتنهام يتحدث العربية بطلاقة وبلهجة أبناء المناطق الشعبية من الدرب الأحمر ، أو الجمالية ، السيدة زينب ، المغربلين ، ومصر القديمة ، ليس هذا بغريب فالرجل تعلم اللغة العربية عند حضوره لمصر لدراسة اللغة لمدة عامين فى بداية السبعينات فى كواليس و أروقة مسرح الحرية بالشيخ ريحان ، وكوته بالإسكندرية ، حيث تعرض مسرحية ” مدرسة المشاغبين ” التى قدمتها فرقة الفنانين المتحدين عام 1973 ، وقتها تقرب الطالب الإنجليزي من الممثل عادل امام واصبحوا أصدقاء .
بعدها بحوالي عشرون عاماً ، عاد الخواجة الإنجليزي لمصر كما كان يطلق عليه الممثل عادل امام وهو فى شوق للقاء صديقه وأستاذه فى النطق بالعربية النجم الأول جماهيرياً . لبي النجم عادل امام ، دعوة صديقه الخواجة الإنجليزي لحضور حفل الإعلان عن انطلاق مطبوعة ” هنا لندن ” من مصر ، وفى استقباله بالقاعة الكبري بروف الفندق الشهير شاركت ويتنهام فى الترحيب بالنجم المتألق عادل امام .
فى فندق هيلتون النيل ، رافقت النجم ، وتابعته وهو يجول بنظره فى الحضور ، ليقع اختياره على شخصيات من رواد الثقافة فى بلدنا يستأنس بهم ، ويروي حقل المعرفة عنده بالحديث اليهم ، انيس منصور ، سمير سرحان ، و يوسف إدريس ، وقتها علمت من صديق العمر د. سمير سرحان ، أن عادل امام يعمل منذ فترة على تعليم وتثقيف نفسه من خلال مصادقته للكتاب والأدباء ، مؤمنا للغاية بأهمية أن يكون الممثل مثقفًا، واسع المعرفة، وفضوليًا تجاه العالم ، وأن هذه الصفة حيوية لتنمية التعاطف، وفهم الشخصيات المتنوعة، وإضفاء العمق والأصالة على أدائه .
لم يستمر لقائي بالنجم الكبير طويلا ، ولم يتخطي القرب منه أو يتعدي إلا هذه الساعات القليلة ، وأنا أراقب مشاعره المترابطه ، وهو يصغي باهتمام وتطلع واعجاب لدردشة وتعليقات أدبائنا الكبار ، ويومها قررت متابعة هذا الفنان .. ولا انسي حديثا اذاعياً له عام 1979 تحدث فيه عن أمنيته في تقديم روايات مسرحية من تأليف كتاب مسرحيين كبار أمثال يوسف إدريس وأنيس منصور وعن سعيه لاقناعهم بالعودة للكتابة روايات مسرحية له في تلك الفترة، هذا الحديث في عز نجاحه التجاري في مسرحية شاهد ماشافش حاجة ولكن يدل على مدى وعي عادل وإنه يريد أن يقدم كوميديا ذات بعد إجتماعي وفكري.
نجح عادل إمام فى أن يكون فنان مثقف تجاوز دائرة ذاته ليصل إلى المجتمع الأكبر ، وأن يجعل مشاكل الآخرين هموم شخصية له فأصبح ضمير عصره ، بقراءته فى كافة المجالات، التاريخ والسياسة والروايات والفن والشعر وغيرها، كان صديق لهيكل وأسامة الباز ويوسف إدريس وفرج فودة الذى كان زميلا له فى كلية الزراعة، بجانب صداقته بالمفكر فرج فودة، وتأثره بوفاته لدرجة أنه هتف في جنازته :«بلادي، بلادي» ، وفى جلسات خاصة مع اصدقائه يحكى عن الجبرتى ويلقى بعض النصوص التى يحفظها عنه وأيضًا يحفظ أشعار بيرم التونسي.
بثقافاته وفنه أثري عادل امام فى وجدان الشعب المصري والعربي لم يكن فقط صانع ضحكة، بل كان ضميرًا فنيًا حيًا، يعبر عن الوطن وهمومه وآماله، وعادل إمام هو البسمة التي رافقت الأجيال، وصوت الناس في زمن الصمت، وذاكرة لا تمحى من وجدان العرب . صاحب رأي وموقف وقضية، وقد برز ذلك بوضوح في العديد من أعماله الفنية التي ناقشت الإرهاب، والفكر الظلامي، وتحديات الدولة المصرية .
***
وعن فنانينا والثقافة .. أكمل الحديث
مجلة 24 ساعة