لطالما ارتبطت كلمة «النووي» في الوعي الجمعي بالخطر، من الضربات العسكرية إلى الكوارث البيئية، وصولاً إلى الحرب الباردة وأفلام نهاية العالم. وقد أعادت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل هذه المخاوف إلى الواجهة، حيث تصاعدت التحذيرات بشأن ضربات محتملة أو حوادث إشعاعية.. لكن خلف هذا المشهد المتوتر، هناك قصة أخرى تتشكّل بهدوء، قصة لا تتعلق بالخوف، بل بالطلب، لا بالحرب، بل بالتكنولوجيا.
السبب المفاجئ للعودة القوية للطاقة النووية هو الذكاء الاصطناعي، وتحديداً الطفرة الأخيرة في تطوير وتشغيل النماذج العملاقة مثل ChatGPT من OpenAI وGemini من Google.
هذه النماذج تتطلّب قدراً هائلاً من الطاقة لتدريبها وتشغيلها، ما يدفع بشركات التكنولوجيا إلى البحث عن مصادر طاقة موثوقة، ومستقرة، وخالية من الانبعاثات الكربونية.
تقرير حديث صادر عن وكالة الطاقة الدولية (IEA) توقع أن يصل استهلاك مراكز البيانات حول العالم إلى 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، أي أكثر مما تستهلكه اليابان بأكملها.
وفي الولايات المتحدة وحدها، تُشير التقديرات إلى أن مراكز البيانات ستستهلك 9% من إجمالي الكهرباء في البلاد بحلول نهاية العقد، مقارنة بـ4.4% فقط عام 2023.
الطاقة النووية.. من المجهول إلى الخيار المفضّل
أمام هذا النمو الهائل في الطلب على الكهرباء، تواجه شركات مثل Meta وAmazon وGoogle تحديات كبيرة في تأمين الطاقة.. والحل؟ الطاقة النووية؛ فهي لا تعتمد على الظروف المناخية، وتنتج كهرباء بكثافة عالية دون انبعاثات، ويمكن تشغيلها بشكل مستمر.
في خطوة لافتة، وقّعت شركة Meta عقداً لمدة 20 عاماً مع مفاعل نووي أميركي لتأمين الكهرباء الخاصة بمراكزها المخصصة للذكاء الاصطناعي، ما يعكس تحوّلًا في طريقة تفكير الشركات تجاه هذا المصدر التقليدي والمثير للجدل في آنٍ واحد.
طفرة استثمارية.. النووي يعود إلى بورصة وول ستريت
هذا التحوّل في الطلب انعكس بشكل مباشر على أسواق المال، فأسهم الشركات في مجال التكنولوجيا النووية شهدت قفزات ضخمة خلال عام 2025.
على سبيل المثال شركة Oklo، المتخصصة في بناء مفاعلات نووية صغيرة (SMRs)، ارتفع سهمها بأكثر من 170% منذ بداية العام.. أما شركة NuScale Power التي تعمل في المجال نفسه فشهدت زيادة بنحو 150%.
للمقارنة، سهم Nvidia، الشركة الرائدة في تصنيع المعالجات المطلوبة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ارتفع بنحو 27% فقط.
الرسالة واضحة: المستثمرون يرون في الطاقة النووية فرصة جديدة، مدفوعة بمحرّك جديد بالكامل: الذكاء الاصطناعي.
دعم سياسي أميركي واضح
هذا التوجه لا يقتصر على القطاع الخاص.. فعلى المستوى السياسي، تدفع الولايات المتحدة باتجاه تسريع نشر المفاعلات النووية.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد وقّع على أربعة أوامر تنفيذية لتسريع الترخيص والتوسع في بناء المفاعلات النووية والتي تهدف إلى رفع القدرة النووية الأميركية بمقدار 300 غيغاواط بحلول 2030.
أوروبا… مقيدة بتاريخها البيئي
في المقابل، لا تسير أوروبا على الوتيرة نفسها، فعلى الرغم من الحاجة المتزايدة للطاقة، لا تزال السياسات البيئية والرأي العام يُشكّلان عائقاً كبيراً أمام العودة الواسعة للطاقة النووية، باستثناء فرنسا، التي لطالما اعتبرت الطاقة النووية حجر أساس في استراتيجيتها الطاقوية.
هذا التردد يعود بجزء كبير إلى كارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011، التي دفعت دولاً مثل ألمانيا وبلجيكا إلى إغلاق مفاعلاتها، أو وضع خطط للخروج التدريجي من الطاقة النووية.
مفاعلات صغيرة لعالم رقمي عملاق
ما يُميّز الطفرة الجديدة في الاستثمار النووي هو التركيز على المفاعلات الصغيرة المعيارية (SMRs)، التي توفّر حلولاً مرنة ومناسبة لمراكز البيانات وشركات التكنولوجيا، بعكس المفاعلات التقليدية الضخمة التي تحتاج إلى سنوات طويلة لبنائها.
شركات مثل Oklo وNuScale تقود هذا التوجه، وتُراهن على أن المفاعلات الصغيرة ستكون حجر الزاوية في البنية التحتية الرقمية الجديدة.
نظرة إلى الأمام.. هل نعيش عصر «الذكاء النووي»؟
قد يبدو غريباً الربط بين الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي، لكن الواقع هو أن كل ضغطة زر، وكل نموذج لغوي، وكل محرك توصية يعتمد على بنية تحتية كهربائية هائلة… وهذا يتطلب حلولاً تتجاوز الطاقات المتجددة وحدها.
ومع تسارع التطورات التكنولوجية، يبدو أن العالم يسير بثبات نحو مشهد تكون فيه الطاقة النووية أحد الأعمدة الأساسية في دعم الذكاء الاصطناعي، لا كأداة حرب، بل كركيزة لنظام جديد من الإنتاج والمعرفة.
فالنووي، الذي كان لعقود طويلة رمزاً للدمار، قد يتحوّل بفضل الذكاء الاصطناعي إلى أداة للبناء.
CNN News
مجلة 24 ساعة