
باحث وكاتب
ومن هنا تؤكد جولييت قائلة، “لقد أثبت الباحثون في آثار مصر وقبورها ونقوشها العديدة المنتشرة في صعيدها وريفها وجميع نواحيها، أن أصول قدماء المصريين ترجع إلى ثلاثة عناصر: العنصر السامي والعنصر النوبي في بادئ الأمر، ثم انضم إليهما بعدئذٍ العنصر الليبي. وإن الحكم في مصر كان مثله في جميع الأمصار العتيقة بأيدي الطوائف الكهنوتية التي استولت بقوة سلطانها ورقي مدارك رجالها على جميع الأسرار العلمية والاجتماعية والصناعية. وكانت مصر تحت هذا الحكم الديني منقسمة مملكتين وكل مملكة مقسمة إلى إمارات عدة وكانت كلمتها مشتتة بين قبائل مستقلة في وادٍ واحدٍ، ولكنها منذ أن تولى حكمها ابنها الأول (منا أو مصريم) ألَّف من شتاتها وحدة ومن ضعفها قوة وجعلها مملكة واحدة هي مملكة مصر التي أصبحت من ذلك الأوان أي منذ أكثر من 60 قرناً من الزمان خاضعة لملك واحد ونظام واحد أقام فيه قدماء المصريين ديانتهم على وجود الله الواحد الصمد خالق الخلق ومالك الملك، إذ كانوا يمثلونه عز وجل في معابدهم بما خلق من قوى سماوية أو أرضية كالشمس والقمر أو كبعض الطيور والحيوان التي نالت احترام قدماء المصريين، كما نالته القوة في جميع مظاهرها الطبيعية معتقدين أن الروح خالدة لذلك كانوا يحنطون الأجسام بعد موتها حتى إذا ما عادت إليه الأرواح عادت سيرتها الأولى من الحركة والعمل”.
80 قرناً من الحضارة
وترى جولييت أنه “كان في مصر حضارة علمية واجتماعية وصناعية وإدارية منذ 80 قرناً، ولما تولى (منا) حكمها منذ 50 قرناً قبل ميلاد المسيح عليه السلام حتى قسم مصر من أقصاها إلى أقصاها 36 إقليماً (مديرية) وولى على كل إقليم حاكماً مسؤولاً أمامه ونظم مجرى النيل وسن القوانين المؤيدة للمساواة والموزعة للعمل بين الناس والموطدة لأركان السكينة والأمان في كل مكان. ولقد حذا حذو (منا) من جاء بعده من الملوك والأباطرة ونهضوا بمصر نهضة فرعونية ذكرها التاريخ في جميع أدواره بالإعجاب والتعظيم، فخططوا المواصلات براً ونهراً، والصناعة والزراعة والتجارة التي انتشرت انتشاراً كبيراً. وكذلك فإن الحكم الدستوري و”النظام النيابي” ما عُرفا في بلد من البلدان قبل مصر التي أوجدتهما منذ 50 قرناً من الزمان فقد كان في أقاليمها مجالس محلية ينتخب الشعب أعضاءها ليرشدوا الحكام إلى مطالبه وإصلاح مرافقه، كما كان فيها وزراء ومجالس عالية وجماعة قومية عمومية وطنية تجتمع ثلاثة أشهر في كل عام بسراي (ليبرنت) الشهيرة بالفيوم لتمحص القوانين وتضع من المشاريع ما يحقق آمال الأمة المصرية ويسد النقص في حياتها الاجتماعية. وكذلك احترم قدماء المصريين المرأة من الوجهة الدينية والوجهة الاجتماعية احتراماً (فائقاً) وأحلوها من أنفسهم أسمى محل من الإجلال والاعتبار واتخذوا منها رمزاً لمخلوق مقدس فكانوا أسبق الأمم إلى تولية أمرهم امرأة”. وهنا تضيف الكاتبة، “كلنا لا ينسى تاريخ الملكة (كتموفريس) التي حكمت مصر في نهاية الأسرة السادسة الفرعونية، أي قبل أكثر من 50 قرناً، وقامت بإصلاحات جمة وكذلك الإمبراطورة (حتشبسوت) أخت وزوج الإمبراطور (تحتمس) الثالث من أباطرة الأسرة الـ18. فإنها حكمت مصر نحو 20 سنة في القرن الـ15 قبل الميلاد، وسجل لها التاريخ صفحة ناصعة اللون جليلة القدر”. وتخلص السيدة آدم إلى القول، “إن لمصر على العالم أيادي بيضاء في العلم والاختراع والصناعة والزراعة والتجارة والتقنيات، كما أن لها عليه إحساناً كبيراً في الضائقات المالية والأزمات الغذائية، فلقد سطر تاريخها تلك الصحيفة القيمة التي تعود إلى القرن الـ16 قبل الميلاد، يوم جف الضرع في كل مكان فأنقذت الأمة المصرية ما حولها من شعوب بما قدمته لهم من حنطة أرضها وحبوب واديها معونة وإحساناً حباً في عمل البر وصوناً لحياة الملايين من بني الإنسان. وهي واصلت تقديم الغذاء سبع سنين متتالية بيد المشرف على خزانتها في ذلك الحين نبي لله يوسف الصديق عليه السلام قدمته لبني سام وبني إسرائيل من آشورين وحتيين وغيرهم، كما قدمته للعرب جميعاً إبان القحط الذي حل بدياريهم في القرن السابع بعد الميلاد…”.
Independent News
مجلة 24 ساعة