فى رحلتي علمت أن مشروع قطار غزة بدايته كان مشروع عثماني ، بدأ في أواخر الدولة العثمانية للربط بين مصر وفلسطين خاصة وبين الدول العربية في آسيا وإفريقيا بشكل عام، وبدأت المحاولة من مسار وادي السيسب التابع لمركز الحسنة بوسط شبه جزيرة سيناء المصرية، حيثُ توجد آثار تعود لقرن مضى، تحكي عن محاولة عثمانية طموحة لم تكتمل لوصل الأقطار العربية . الربط بينها لم تكن الفائدة الوحيدة لذلك الخط العثماني بل ستصبح شرياناً للحياة بين البلدين لو تم، لكنهم رحلوا فجأة عن المنطقة لدخول تركيا في الحرب العالمية الأولى . فعام 1916 كان عاماً حزيناً على أحلام العثمانيين لخلق قنوات اتصال من السكك الحديدية بين الدول العربية؛ وفى نفس العام أيضاً توقفت “سكة حديد الحجاز” عن العمل، بعد تعرضها للتخريب بسبب معارك الحرب العالمية الأولى ، وقد أنشأتها الدولة العثمانية لتربط بين العاصمة السورية دمشق والمدينة المنورة بأرض الحجاز، لخدمة حجاج بيت الله الحرام.
و في عصر الانتداب البريطاني تمَّ إحياء هذا الخط الرئيسي ضمن خطوط السكك الحديدية الفلسطينية، حيث امتد من القنطرة في مصر إلى حيفا في فلسطين، ومنها إلى بيروت، وكان واحداً من الخطوط التي أدت إلى ازدهار مدن وقرى فلسطينية بأكملها، خاصة تلك التي تقع على مسارها وسميَ بـ”خط سكك حديد سيناء العسكري” ، أقامه الإنجليز عندما كانوا يحتلون مصر في بداية الحرب العالمية الأولى لخدمة أغراضهم العسكرية في فلسطين، وأنشأوا لذلك كوبري الفردان الأول، وبحلول كانون الثاني/ يناير 1917 وصل الخط إلى العريش ومن ثم رفح في نيسان/ مارس 1917، وبعد أن استقرت بهم الأوضاع في فلسطين، مدوا هذا الخط إلى داخل مدنها مثل القدس وبئر السبع.
قامت القوات البريطانية بالاستيلاء على بئر السبع في تشرين الأول/ أكتوبر 1917 ودخلت غزة في تشرين الثاني/ نوفمبر، وقد تم تحويل فرع من هذا الخط إلى القدس بحلول حزيران/ يونيو ليستمر إلى طولكرم على مسار سكة الحديد الشرقية، ومنْ هناك قام الإنجليز ببناء خط مقياس معياري على شمال غرب الطريق الجديد إلى الساحل ثم شمالاً ليصل إلى حيفا بحلول نهاية عام 1918م.
وفي الفترة ما بين 1936-1939، ثار الفلسطينيون ضد الحكم البريطاني، لمعارضتهم الهجرة الجماعية اليهودية الى فلسطين، وكانت السكك الحديدية بما فيها “خط سيناء العسكري” أحد أهم الأهداف للثوار، فقام البريطانيون بتحصين الجسور وزيادة الدوريات العسكرية المنتظمة على طول خطوط السكك الحديدية لصد الثوار.
كانت غزة تحت الإدارة المصرية بدأت الإدارة المصرية لقطاع غزة فى عام 1948 حتى أكتوبر 1956 ، ومرة أخري من مارس 1957 حتى يونيو 1967 . وتاريخ القطارات فى مصر مع اراضي فلسطين يحمل الكثير من القصص والروايات بعضها احتفظت به ذاكرة الصحف . فخط سكة الحديد الذي يربط بين القاهرة والقدس بناه الانكليز وبقي يعمل حتى العام 1948 واستخدمته القوات البريطانية لنقل البنزين من مصر الى الدبابات الاسرائيلية بعد الحرب، أثناء الحرب العالمية الأولى بدأ الإنجليز يفكرون في إقامة خط للسكك الحديدية يربط بين مصر وفلسطين لخدمة المجهود الحربي، وبالفعل بدأ العمل في بناء الخط من القنطرة شرق على الضفة الشرقية لقناة السويس وحتى غزة، واكتمل البناء عام 1918 وأدي اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 – 1919 وبعدها اندلاع الحرب العالمية الثانية 1940 – 1945 إلى ازدياد أهمية السكك الحديدية لدى البريطانيين لاستخدام تلك الخطوط في نقل العتاد والذخائر والجنود واعتمادها الرئيسي على تلك الخطوط في النقل . أدارت مصر السكة حتى عام 1967، وكانت تربط القاهرة بالقطاع، وتستخدم للتبادل التجاري والسفر، و بعد النكسة عام 1967 كانت إحدى نتائجها سيطرة الاحتلال على الضفة والقطاع وسيناء، استولت “دولة الاحتلال على السكة، وغيرت مسارها بدءًا من ميناء السويس المصري وحتى حيفا، واستخدمته لأغراض عسكرية ، بعد أقلّ من عام على اندلاع حرب أكتوبر عام 1973، توقف هذا القطار نهائيًا عن العمل بعدما دارت عجلاته آخر مرة عائدًا من غزة إلى (تل أبيب)”. وهناك من ينقل مشاهدته عن وجود محطة للقطار في مدينة العريش تصل الى غزة بفلسطين.. من ضمن الوثائق التي تسجل هذه المرحلة ، وثيقة عبارة عن فاتورة صادرة من شركة فرج الله للسياحة عام 1946 وهي ثمن تذاكر ‘للامراء والاشراف’ عبدالحميد وحسن عبدالعزيز ، هؤلاء ‘الامراء والاشراف’ حسب الموسوعات والخلفية التاريخية يعودون بنسبهم الى الهاشميين او ‘بني هاشم’ ويعرف الاحفاد المباشرون للإبن الاكبر الإمام الحسن ‘بالاشراف’ وهم من حكموا منطقة الحجاز في الفترة ما بين 967 و 1201م وهم من اسس مملكة الاردن. ثمن التذكرتين بالدرجة الاولى من القاهرة الى القدس وتذكرتين بعربة النوم هو اربعة عشر جنيها واربعمائة وخمسون مليما، ايام الاستعمار الانكليزي وكان خط القاهرة ـ القدس مفتوحا بالاتجاهين وبعد ذلك زادت السواتر وقامت دولة اسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، وزادت الحواجز والسدود ثم اعيد فتحها بواسطة خطوط الطيران المعلقة في السماء وليس على الارض .
وبين قراءة الكتاب الذي اصطحبني ، وصحبة اصدقائي الفنانين إسماعيل شموط ومصطفى الحلاج ، اللذان وضحا لى الكثير من صفحات الكتاب ، مرت الساعات الثمان سريعاً وصلنا إلى غزة . هبطنا من القطار لنستقر في بيت ضيافة على مشارف شارع عمر المختار المكتظ بالأسواق والحرفيين في شتى المجالات ، فهو عمود فقري في جسد مدينة غزة جغرافياً واقتصادياً، ومقصد كل شرائح المجتمع الغزي بمختلف طبقاتها ومستوياتها الاجتماعية، فكل منهم يجد ما يحتاجه، ويلبي ذوقه .
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة