الرئيسية / كلمة العدد /
الغربة الثانية (18)
خسارة أم هروب!
مودي حكيم
مودي حكيم

الغربة الثانية (18)
خسارة أم هروب!

ما وضعه رياض نجيب الريس على الورق راح ينفذه. إعتمد على مكتبين رئيسين, واحد في بيروت, وثانٍ في القاهرة, وبدأ في تشكيل جهاز التحرير.

مكتب الجريدة في المحروسة استقطب عدداً من الصحفيين الشباب, في مقدمهم عماد الدين أديب المتخرج حديثاً من كلية الإعلام في جامعة القاهرة والمعين في جريدة ” الأهرام”, فأصبح يراسل “المنار” أسبوعيا، ومعه دفعته و زميله بالكلية عمرو عبد السميع, ابن رسام الكاريكاتور المعروف عبد السميع الذي أسهم أيضا برسومه, أسامة سرايا كمحرر إقتصادي, ومعهم آمال بكير التي تولت الأخبار الفنية والثقافية.

من المصريين أيضاً الذين عملوا في “المنار” الروائي والكاتب فاروق منيب, وكان بدأ حياته الصحافية مشرفاً على الصفحة الأدبية في جريدة ” المساء” المصرية , ثم انتقل إلى جريدة ” الجمهورية “, أسلوبه الواقعي فى أعماله القصصية كان يعكس صورة الحياة في الريف المصري, فهو  ابن قرية “عزبة منيب” ابو كبير- الشرقية. إعتلَّ منيب صحياً, فترك القاهرة الى لندن للعلاج, وتمكن من الحصول على تأمين صحي سمح له بإقتناء جهاز غسيل الكلى في بيته, فتدرب على استخدامه, وخضع لنظام علاجي اسبوعى صارم. وفى فترات الراحة بين جلسات العلاج , كان يحضر ترافقه زوجته الفاضلة ” ثريا” الى الجريدة لتقديم مقالاته الأسبوعية.

وكان للصديق حسين قدري على صفحات “المنار” غير سبق صحفي, عبر اللقاءات والأحاديث مع نجوم فى الفن و الأدب والسياسة الذين كانوا يأتون الى لندن, وهات إصبعك لنعد عليها: محمد عبد المطلب, شريفة فاضل, محمد جمال, سعاد حسني, سعاد محمد, وديع الصافي, عبد الحليم حافظ… وما مرَّ وزير أو سياسي عربي, وما حط في لندن كاتب أو روائي, إلا وكان يجلس الى حسين قدري و”يفضفض” كما كان يحلو له أن يصف أحاديثه وحواراته مع النجوم والسياسيين والأدباء.

وتعاون رياض نجيب الريس مع رفقاء دربه في “النهار”، وكان أولهم حافظ ابراهيم خيرالله, ثم عادل مالك.      و من السعودية عثمان العمير,  وكان فى بدايات عهده مع القلم والورق والعمل الصحفي, متخصصا فى الشؤون اليمنية, فكان يوقع ما يكتبه باسم عمر سيف, وهو إسم مستعار كان يتخفى خلفه لحساسية المادة اليمنية, وطابعها الإشكالي المرتبط بدموية الصراع على النفوذ والحكم اليمني, فكتب العمير تحت بابه ” يمانيات” بشكل يبدو انه يرصد الأحوال اليمنية بعد إغتيال الرئيس الحمدي, على الرغم من أنه لم يزُر صنعاء بحكم عمله الأساسي في جريدة ” الجزيرة” السعودية، فلم يكتب إلا من السعودية.

ومن سوريا, إستعان الريس بالكاتب فاروق منجونة, الذي أثار حوله وحواليه الكثير من الأقاويل والجدل بعد زيارته “تل أبيب” مع عدد من المثقفين, وشارك فى احتفال لمناسبة الذكرى الأولى لإعلان المبادئ الإسرائيلي –الفلسطيني, وقدّم نفسه أمام المسؤولين الإسرائيليين على أنه “كاتب سوري” يقيم فى لندن, فما كان من علي عرقة عرسان, رئيس “اتحاد الكتاب العرب” فى حينه، إلا أن اصدر بياناً أعلن فيه أن لا صلة لفاروق منجونة بالإتحاد, مؤكدا أنه لايعتبر من الكتّاب وهو لايعبر عن أي موقف أو رأي يتصل بالكتّاب السوريين.

***

مع البدء فى الإعداد لإصدار عدد “المنار” الأول (صدر في أكتوبر/ تشرين الأول سنة 1977), كلفت هيئة التحرير الصحفي المصري الشاب محمد الشبّة  للمراجعة اللغوية للمادة التحريرية, قبل وبعد تنضيدها. كان الشبّة فى بداية حياته العملية بعد تخرجه من قسم صحافة في جامعة القاهرة , ترك المحروسة مع زوجته الى لندن بحثاً عن فرص للعمل, بعدما توسعت هجرة الصحافة العربية الى عاصمة الضباب. إستغل رياض نجيب الريس حماسة الصحفي الشاب للتأكد بأن نصوص الجريدة على المستوى اللغوي الصحيح. إلا أن إغتراب محمد الشبّة لم يدُم طويلاً. وبعد عودته الى القاهرة بفترة وجيزة, تسلم رئاسة تحرير مجلة “كل الناس” ثم جريدة “نَهضة مصر”, وإنخرط في العمل التلفزيوني مع مجموعة قنوات MBC, فتنقل بين البرامج السياسية والإجتماعية والترفيهية، ثم قنوات التلفزيون المصري ببرنامج “ماسبيرو”, وأعدّ وقدّم أول برنامج “أحاديث”Talk Show  في التلفزيون المصري, وانتقل بعدها للعمل في ” دريم” و”المحور”… وأصبح من أهم الباحثين والمُعدّين الجيدين, لخلق صورة تلفزيونية متميزة ومحتوى جيد.

كان العمل اليومي في تنضيد صفحات الجريدة يستغرق منا ساعات طويلة تمتد الى منتصف الليل, وتصل الى ساعات الصباح الأولى… كانت أصابع منتصر الزهار تلملم الأحرف بسرعة يحسد عليها, فهو درّب أصابعه على مواقع مفاتيح الأحرف, فكانت تكرج وتتنقل على تلك المفاتيح بسهولة, وكان زميله إبراهيم لا يقل عنه حرفة. والإثنان يبذلان جهداً خارقاً للإلتزام بالمواعيد, وكانت زوجتي تأخذ عنهما مهمة التنضيد لفترة راحة, يستأنفان بعدها عملهما المضني. وكان عليَّ ادارة وتشغيل “الفيلم سيتير” Film Setter لإستخراج بروفات “برومايد” لمحمد الشبّة لمراجعة التنضيد و تصحيح الأخطاء الطباعية إذا ما أُرتكبت, والحقيقة أنها لم تكن أخطاء منتصر أو إبراهيم, إنما كانت نتاج البرنامج الإلكتروني الذي صممه المبرمج الأميركي. وللأمانة   هاهنا, كانت الشركة السويسرية متفهمة لمشاكلنا التقنية مع أجهزة” بوبست “الجديدة , و اعتبرونا شركاء معهم فى تحسين تقنيات نظامهم للصف الإلكتروني, فكان مطار “هيثرو” الدولي يشهد أيام الآحاد من كل أسبوع هبوط المبرمج الأميركي بطائرته الخاصة الآتية من نيويورك، فكنت أصطحبه من المطار الى المكتب في “ريجينت ستريت”, فأقضي اليوم معه حتى يجد حلولا لمشاكل ” تشكيل الحرف العربي” والنقاط المتحركة عن أماكنها,     والمسافات بين الأسطر, ونهايات الأحرف وغيرها من مشاكل الحرف العربي المعالجة بأيد لاتعرف اللغة وقواعدها وأصول كتابتها. تكررت زيارات الخبير الأجنبي حتى نجحنا فى الوصول الى نتيجة مرضية و مقبولة.

كان العمل لإنتاج “المنار” بالإمكانيات البسيطة المتوفرة لدي مجازفة خطيرة.  وعلى الرغم من ذلك, تغلبنا على المنغصات, ونجحنا بالتزامنا وبالجهد المكثف أن تصدر الجريدة بشكل منتظم.

شعرت, ووافقتني زوجتي الشريكة في الشركة, أن مكتبنا في “مورلي هاوس” بات يضيق بنا وبآلاتنا, والجهاز العامل معنا, ومع تزايد عقود الترجمة والتصميم التي راحت تنهال علينا, كان لابد من زيادة عدد جهاز العاملين, إن في التنضيد أم التصوير والتجهيزات الطباعية الأخرى , وهؤلاء يحتاجون بالضرورة الى مكان أوسع وأرحب.

فبدأنا فعلياً نفكر بترك “مورلي هاوس” الى مكاتب أوسع وأرحب.

إلا أن وازعاً في داخلي كان يشدّني الى التريث في إتخاذ أي خطوة مكلفة مادياً, قد تكون متعجلة, ففشلها يعني نهاية الشركة والعودة الى البطالة, والبدء من صفر في غربة لا ترحم.

وفضّلت إنتظار أن يمضي وقت أطول على صدور “المنار”, خصوصاً أن الريس بدأ يخالف ما إتفقنا عليه حول سداد فواتير إنجاز الأعداد, وأخذ التحويل المصرفي يتأخر عدداً بعد عدد.

وكنت على صواب.

***

كنا نتلقى المادة التحريرية صباح كل يوم إثنين, و بعد صدور العدد رقم 36 الذي كان صدر يوم السبت الأول من يوليو / تموز سنة 1978، انتظرنا يوم الإثنين الذي يليه وصول المادة التحريرية, وإنتصف النهار و لم تصلنا أي مادة للملزمة الأولى. إتصلت بمكتب الجريدة  من دون جدوى, فلا أحد رفع سماعة الهاتف وأجاب. إستحوذ علي القلق, عاودت الإتصال الهاتفي, مرة, ومثنى, وثلاث مرات, وكل عشر دقائق…

فى الثانية بعد الظهر, أجاب وليد الحاج بأن المواد فى الطريق إلينا, إنتظرت المرسال الذي عادة يستخدم قطار الأنفاق Underground في مسافة لاتتعدى الدقائق العشر, وطال الإنتظار … فكان لا بد من حسم الأمر. توجهت الى مكاتب الجريدة ودخلت مكتب الريس الذي كان مجتمعاً مع وليد الحاج و عبدالغني مروة  والصمت رابعهم, يتطلع كل منهم الي الآخر في حيرة وإرتباك, قطع الريس الصمت والوجوم بمفاجأة قاسية:

” خسرت كل شيء… كل شيء, على مدار الأشهر الأخيرات واجهت متاعب ومصاعب في توزيع الجريدة في عدد من الدول العربية, فالرقابة كانت تصادر الأعداد, وتتراكم الخسائر المالية”.

أكمل بحرقة:

” حاولت كثيراً إيجاد تمويل, أو حتى بيع الجريدة لمن يسدد ديونها”.

شعر بقلقي وتوجسي, وهول كلامه عليّ, فتعجّل القول:

” لاتخف… سأجد من يشتري الجريدة, وبالتالي تحصل على ما لك في ذمتي”.

أخذ نفساً عميقاً وأردف:

“سنتوقف عن الصدور أسابيع معدودات, هناك ممول عربي أتفاوض معه سيعيد اصدارها. وبالطبع سينتقل تعاقدك مع المالك الجديد … فلا أريدك أن تقلق البتة “.

أصابتني المفاجأة بالدوار، وكأن الارض قد إنسحبت من تحت قدمي, فقدت التوجه بالكامل, لم يعد لجسمي إستقرار, تملكني القلق والذعر, إرتخيت على المقعد في صمت شل تفكيري، والريس مستمر فى الكلام, فما عدت أسمع ما يقوله, فالمفاجأة سدّت أذني, ارتفع وانخفض ضغط الدم فى رأسي, و أصبحت غير قادر على الحركة والوقوف وغير قادر على موازنة خطواتي. حاول ثلاثتهم التخفيف عني, فقط سمعت صوتًا صادراً من أحدهم:

” اذا فشلت المفاوضات وتوقفنا وإحتجبنا, وتوجه كل واحد فينا الى بيته, فإن ما ندين لك به سيبقي فى أعناقنا الى يوم الدين”.

وذات صباح, إتصل بي رياض نجيب الريس, وقال بصوت متهدج أن مفاوضاته مع الثري العربي المزعوم لم تكن موفقة, كما باءت جميع محاولاته فى ايجاد مشترٍ آخر بالفشل, فكان لابد, والحال هذه, من إطفاء “المنار” وإغلاق مكاتبها, وإنهاء الارتباط مع المتعاقدين من صحفيين, وعاملين, وموردين …

ونسي أو تناسى أنني أعرف أنه يملك مجموعة نادرة من الرسومات الزيتية, شاهدت بعضها عندما دعاني وزوجته زينات نصار الى العشاء في بيته. كما عاينت مجموعة من الكتب النفيسة النادرة من ذوات الطبعات الأولى, فكان بإمكانه بيع لوحة واحدة, أو كتاباً واحداً نادراً فيسدد ما لي في ذمته ويفيض.

ووعدني بسداد ما لي في ذمته في أقرب فرصة، شفاهة وكتابة. لكن وعده بالسداد ظل وعداً لم يتحقق, وكلام نهار يمحوه الليل, والحبر جف وبهت في الورقة الذي كتبها بخط يده. كل ذلك  على الرغم من انه بعد سنوات, أنشأ دارًا لنشر الكتب, عمل معه فيها وليد الحاج وعبد الغني مروة, الى أن إختلفا وكان ما كان بين مروة والريس

ليس هاهنا منفسح للحديث عنه, ومكتبة سمّاها “الكشكول” في “ناتسبريدج”. وأصدر مجلة “الناقد” و ثم “النقاد” بتمويل من وفيق سعيد.

أطفأ رياض نجيب الريس “المنار”, وخسرت أنا مبلغ 45 ألف جنيه إسترلينى قيمة الفواتير المستحقة. وتساءلت مراراً: هل هي فعلاً كانت “خسارة” كما إدعى الريس والثنائي الحاج ومروة, أم هي تهرب من السداد, ثم ماذا عن أرقام التوزيع والبيع والمرتجع الضئيل, وكل الكلام المعسول الذي كان يتشدق به عبد الغني مروة, ويتباهى وليد الحاج أمام رياض نجيب الريس, فيزهو مثل الطاووس؟

والأنكى, أنه كلما ما إلتقاني, كان رياض نجيب الريس يردد:

” أنا مش ناسي… أنا مش ناسي”.

ولكنه نسي.

 

مودي حكيم   

 

 

شاهد أيضاً

فنانون ضمير عصرهم «4»
العمدة .. صلاح السعدني

  آخر مرة التقينا فى صالون محمود لبيب ” حلاق ” الرؤساء والمشاهير، وأصر صلاح …