يواصل مهرجان لندن السينمائي تكريس نهجه في الاحتفاء بالتعددية الثقافية والتركيز على حقوق الأقليات والفئات المهمشة وتحديدا كفاح السود ضد التمييز ونضال المرأة من أجل حقوقها.
ويستمد هذا النهج جذورة من طبيعة لندن، المدينة التي ينطق المهرجان باسمها، بوصفها إحدى أبرز الحواضر الثقافية في العالم، وعاصمة أمبراطورية قديمة باتت اليوم ساحة للتنوع العرقي والحضاري والتعددية الثقافية.
وضمن هذا النهج جاء افتتاح دورة المهرجان الخامسة والستين مساء الأربعاء بفيلم جمع عددا من المواهب السينمائية السود، إخراجا وانتاجا وتمثيلا وموسيقى، وإن ظل موضوعه ضمن تيار السينما السائدة وتحديدا “جنرة” أفلام الغرب الأمريكي.
وحضر معظم نجوم الفيلم في حفل الافتتاح على السجادة الحمراء التي فرشت لحضور النجوم والجمهور المباشر بعد غياب لنحو عامين جراء جائحة فيروس كورونا، يتقدمهم مخرج الفيلم المغني والموسيقي البريطاني جيمس صموئيل (ذي بوليتس)، ونجومه من أمثال أدريس ألبا و جونثان ميجورز وريجينا كينغ فضلا عن منتج الفيلم مغني الراب الشهير جاي-زي.
يدين المخرج جيمس صموئيل في هذا الفيلم بالكثير لأسلوب المخرج الأمريكي كونتين تارانتينو، ويستعير الكثير من ملامحه؛ بدءا من مشاهد العنف المفرط على خلفية من الموسيقى الصاخبة، والطريقة الغريبة في تقديم شخصياته التي تبدو أقرب إلى مجلات الكوميكس، وإيقاف الصورة واستخدام الكوادر الثابتة، والحوارات الغريبة والطريفة؛ بيد أن صموئيل حرص أيضا على أن يضفي بعض لمساته الخاصة وتحديدا في مجال الموسيقى ورسم إيقاع فيلمه؛ الذي كانت الموسيقى في كثير من أجزائه تقود الانتقالات بين المشاهد، وينتظم إيقاع الفيلم على إيقاعها. فصموئيل جاء إلى السينما من الموسيقى بوصفه مغنيا وكاتب نصوص غنائية ومنتجا موسيقيا، ( سبق أن عمل مستشارا موسيقيا لألبوم “غاتسبي العظيم: موسيقى من فيلم باز لورمان” مع مغني الراب الشهير جاي-زي، الذي يميل صموئيل للتعاون معه دائما وسبق أن اخرج فيلما قصيرا عنه بعنوان “جاي-زي: الأسطورة” 2017. قد أنتج جاي زي فيلم صموئيل الأخير إلى جانب المنتج لورانس بندر الذي أنتج كثيرا من أفلام تورانتينو الأولى.
كما بدت تلك اللمسات واضحة في تلك المشاهد التي حاول فيها استخدام كنايات تعبيرية مبالغ فيها تتجاوز الشرط الواقعي؛ كما هي الحال مع تصويره للمدينة التي يسكنها البيض بصورة يبدو فيها كل شيء أبيض حتى اسفلت وتراب شوارعها.
وتنسحب تلك المبالغة، بل قل الرؤية المتطرفة، على تقديم الشخصيات البيضاء التي تظهر في الفيلم بطريقة هامشية مبالغ فيها، وغالبا ما تتسم بالجبن والضعف أو تكون عرضة للموت في مشاهد العنف المفرط (مشهدي ايقاف القطار وسرقة البنك).
ولعل تلك المعالجة تمثل بنظرنا محنة فيلم صموئيل والمأزق الذي سقط فيه. فعلى الرغم من سعيه الى إعادة تقديم ما يراه محذوفا ومهمشا من تاريخ جنرة أفلام الغرب الأمريكي، إلا أنه لم ينج من أسر قواعد وقيود النوع الفني الذي استخدمه الذي يتوسل التسلية والامتاع وينأى عن تحليل الواقع الاجتماعي واختلالاته التي انتجت العقلية العنصرية ويركز على مشاهد الإثارة والتشويق والعنف المفرط بدلا عن ذلك.
فلا يمكن لجنرة أو نوع فني أن تنشأ بعيدا عن سياقات المجتمع الذي نشأت فيه، فغياب السود عن هذه الأفلام لم يكن نتاج النوع الفني نفسه بل نتاج جذور الاختلالات العنصرية في المجتمع الذي أنتجه، لذا فإعادة زرع السود في قلب هذه الجنرة لم تكن إصلاحا لهذا الاختلال بل جاءت مجرد صورة مقلوبة، لكنها في حقيقتها تخضع للقواعد ذاتها وإن بصورة أخرى.
لقد هاجم كثير من الفنانين السود فيلم تارانتينو عند عرضه، على الرغم من محاولته تقديم رجل كابوي أسود كشخصية رئيسية فيها. وكان التعليق الأقوى للمخرج سبايك لي حينها الذي رفض مشاهدة الفيلم قائلا “إن العبودية الأمريكية لم تكن مجرد فيلم ويسترن سباغيتي للمخرج سيرجيو ليوني، بل كانت نوعا من الهولوكوست ‘الإبادة'”.
و لا يكفي هنا أن يكون مخرج الفيلم أسود ليكون فيلمه منصفا لقضية السود، فالحبكة التي زج فيها صموئيل شخصياته الحقيقية ظلت هي ذاتها حبكة أفلام الغرب “البيضاء”؛ كما نراها في أفلام وَين وأيستوود، وإن بدت بشرة ممثليها مختلفة لكنها قائمة على العنف والتشويق نفسه.
وقد انتهى الفيلم إلى الفشل في استثمار سير شخصياته الحقيقية التراجيدية الخارجة منذ فترة قصيرة نير العبودية وتقديم حياتها في الواقع بعيدا عن التنميط الذي تفرضه طبيعة أبطال أفلام الغرب الأمريكي؛ ففي الوقت الذي أعدم بعضهم في الحياة الحقيقية، نراهم في الفيلم في صراع ضار في ما بينهم، يُصفّون بعضهم بعضا عبره. ويتقدم هذا العنف الإجرامي المجرد إلى مقدمة الصورة ويغيب عنف العبودية وتاريخ اغتراب السود واضطهادهم في تلك المرحلة.
ولعل مثل هذه الخلاصة تحيلنا هنا إلى استخدام استعارة مقلوبة لعنوان عنوان كتاب فرانز فانون الشهير “بشرة سوداء، اقنعة بيضاء” لنقول أننا في هذا الفيلم، رغم النوايا الطيبة التي تحكمه، كنا أمام بشرة بيضاء بأقنعة سوداء.
مجلة 24 ساعة