يواجه الفن المصري في مراحل الهبوط وانحسار الأحلام ،قيود الرقابة التي تسعى لخنق الأبداع ،لأن الفن يحتاج لحرية ومجتمع مستنير يشجع الإبداع.
رغم أن مصر ،خاضت حرب ١٩٥٦ ،وخرجت سالمة بعد طرد المستعمر ،غير أن بؤر الرجعية ظلت تطارد الفن لقمعه في عصور العبودية والقيود .
لعل معركة أغنية فايزة أحمد ( يا مة القمر على الباب) تعكس مرحلة مهمة لمحاولة حصار الفن المصري ،مع انطلاق تلك الأغنية بصوت جميل هو لفايزة أحمد من كلمات مرسي جميل عزيز وألحان محمد الموجي.
الأغنية تتحدث عن فتاة تخاطب الأم ،في تعبير صريح عن تغيير عصف بمفاهيم مختلفة ،فبعد مراحل تصف المرأة وصوتها بالعورة ،جاء مرسي جميل عزيز ليضع على لسان فتاة تتغنى بلغة صريحة وتطلب من الأم فتح الباب أم الحبيب ،الذي يطوف حول المنزل وغير قادر على الدخول .
تطالب الفتاة بصوت الرجاء ولهجة الأمر بفتح الباب حتى يدخل القمر ،لأنه عطشان وعينه على البيت ،الذي هو مكان الحبيبة.
يقول مرسي جميل عزيز ،على لسان الفتاة العاشقة ،لم يعد هناك كسوف ،قومي(للأم ) اعملي معروف افتحي له الباب.
هذا النداء الذي يمزج التوسل بالأمر ،لغة تعبر عن مصر أخرى ،اذ لا يمكن لوطن حارب الغزاة ،أن تنكسف فيه النساء وتصمت على كبت المشاعر.
الغرب ،بعد الحرب العالمية الثانية تحرر من النازية ،وكان طبيعيا تحرر النساء اذ شاركن في الحرب بتشغيل المصانع وإدارة الحياة العامة.
كان منطقيًا خروج النساء للشوارع بعد إعلان هزيمة النازية ليعلن عن بهجة وحب لسقوط هذاالفزع ،الذي هدد العالم والحرية.
مصر أيضا بعد حرب ٥٦ ،سقط حاجز الكسوف ،لأن الدول المحتلة مكسوفة ،والنساء خلف الجدران لوجود غرباء في الشوارع وعلى شاطىء القناة.
خرجت مصر ورأسها مرفوعة من معركة عسكرية ،لذلك كتب مرسي جميل عزيز تلك الأغنية بكلمات تعبر عن فتاة حرة غير خائفة ،لذلك تطلب من الأم فتح الباب حتى يدخل القمر ،ويشرب ،لأنه عطشان.
منح الموجي الجميل لحنًا متدفقًا ،استلهمه من الريف المصري وغناء البنات على حافة النهر وفي مواسم جمع القطن حيث يختلط الفرح بالسعادة والبهجة وتقام الإفراح والأعراس.
هذا لحن عبقري ،يعبر عن شخصية مصر ،عندما يفيض النيل بالخير والإهم الحب.
التقى لحن الموجي البديع بكلمات مرسي جميل عزيز ،وانطلق بصوت فايزة أحمد بنت حلب التي عانقت النيل وأرضه ومحبه التي تثمر الزرع والخير في ارض الدلتا .
استعان حسين فوزي المخرج بالأغنية وصوت فايزة في فيلمه الجميل ( تمر حنة) واستعان بنعيمة عاكف : اجمل ما أثمرت مصر من نساء في زمن بهجتها قبل غزو الأشرار اصحاب شنق النساء ورجمهم.
انتشرت الأغنية لسهولة الكلمات والحديث عن الحب بلا خجل ،والذين يخجلون هم العبيد ،وليس الأحرار ،ومصر كانت حرة ،لا يحتل عقلها سلفيون ولا اغبياء ،ولم يكن هاني شاكر موجودًا ليصدر فرمانًا بمنع الإغنية .
ورغم ذلك ثار برلمان العفة في عام ١٩٥٧ وتزعم النائب سيد جلال مطلب منع الأغنية لأنها في منطقه المريض تدعو للفسق ،وهذا المعسكر يصمت على القمع والسجون والأعتقلات ،ويتحرك فقط لمنع الغناء تحت شعار الأخلاق.
كان النظام وطنيًا يدرك أهمية الفن ،وأنه يملك لغة خاصة لابد السماح له بالتعبير فلم تتحمس حكومة هذا الزمان لقرار المنع ،لأنها تحتاج الفن في مهمة تحرير العقول من جمود طويل.
حاول جليل البنداري ،في أخبار اليوم إشعال معركة بشأن الأغنية لمنعها بدعوى أن مؤلفها سرقها من أخرى شعبية، كانت تغنى في الأفراح ،والموالد ،ودافع المؤلف عن الأغنية واستمرت ،غير أن الأردن منعتها بدعوى خروجها على الآداب العامة.
لكن مصر استمرت تسمع هذا اللحن الجميل حتى الآن ، لأنه لم يكن هاني شاكر ولا حلمي بكر يملكان سلطة قرار المنع كما يفعلان الآن ،بصورة مؤسفة وحزينة لأن الفن ،لا يمكن منعه ،لأنه يتسرب مثل الهواء ،وضرورة لحياة الشعوب وبهجتها.
الكاتب يسري حسين
لندن
مجلة 24 ساعة