و أن…..!

الأنبا إرميا
الأنبا إرميا

الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ الشَّهَادَةِ الَّتِى كَانَتْ «وَلَمَّا فَتَحَ الْخَتْمَ الْخَامِسَ، رَأَيْتُ تَحْتَ الْمَذْبَحِ نُفُوسَ عِنْدَهُمْ» (رؤيا يوحنا ٦: ٩).. مع اقتراب احتفالات الكنيسة القبطية بعيد النيروز «رأس السنة القبطية»، أود أن أبدأ الحديث عن الاستشهاد فى الكنيسة القبطية التى وُصفت بأنها «كنيسة الشهداء»؛ حيث قدَّمَت عددًا من الشهداء رجحت كِفَّتُهم على جميع شهداء العالم؛ إذ قُدِّر عدد شهداء الأقباط فقط بقُرابة ثمانى مائة ألف شخص! وقد قيل عنها: «لو أن شهداء العالم كله وُضعوا فى كِفّة ميزان، وشهداء (مِصر) فى الكِفة الأخرى، لرَجَحت كِفّة المِصريين!».

و«الاستشهاد» يرتبط بتقديم الشهداء حياتَهم من أجل إيمانِهم، وقد بدأت تلك القصصُ الخالدةُ من الحب نحو الله مع الكنيسة الأولى التى شهدت قوةَ شهادة وعجائب لم يتمكّن الفِكر البشرى من استيعاب قوتها، مع آلامٍ واستشهادٍ. وفِكْرُ الاستشهاد لم يكن بعيدًا عن فِكر الآباء الرسل، إذ أوضح لهم السيد المسيح عندما قال له بطرس: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ» (لوقا ١٨: ٢٨).. «فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: (الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولًا، لأَجْلِى وَلأَجْلِ الإِنْجِيلِ، إِلاَّ وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِى هَذَا الزَّمَانِ، بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَاتٍ وَأَوْلاَدًا وَحُقُولًا، مَعَ اضْطِهَادَاتٍ، وَفِى الدَّهْرِ الآتِى الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ)» (مرقس ١٠: ٢٩- ٣٠)، كما أعلمهم السيد المسيح: «قَدْ كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ لَا تَعْثُرُوا. سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِى سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ» (يوحنا ١٦: ١- ٢) وأيضًا قال لهم عما سيتعرّضون له من آلام: «وَقَبْلَ هَذَا كُلِّهِ يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعٍ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِى. فَيَؤُولُ ذَلِكَ لَكُمْ شَهَادَةً. فَضَعُوا فِى قُلُوبِكُمْ أَنْ لَا تَهْتَمُّوا مِنْ قَبْلُ لِكَيْ تَحْتَجُّوا، لأَنِّى أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لَا يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا. وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ مِنَ الْوَالِدِينَ وَالإِخْوَةِ وَالأَقْرِبَاءِ وَالأَصْدِقَاءِ، وَيَقْتُلُونَ مِنْكُمْ. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِى. وَلكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لَا تَهْلِكُ. بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ» (لوقا ٢١: ١٢- ١٩). لقد أوضح السيد المسيح الطريق بكل ما يحمل من آلام وضيقات، إنه حمل الصليب والطريق الضيق الذى يقود إلى السماء؛ إلا أنَّ السَّيدَ المسيحَ وعدَ أيضًا بالسلام الذى لا يمكن للعالم أن ينتزعه من الإنسان، وبالمعونة الإلهية التى تُعزِى الإنسان وتقويه وتسنده، فإن سِرْتُ فى وادى ظِلّ الموت لا أخاف لأنكَ أنت معى.

ولم يكن فكر الاستشهاد هو فكر الآباء الرسل فقط، بل هو فكر آباء القرون الأولى فى المسيحية، إذ أدركوا أن كمال محبتهم لله لا يكتملُ إلا بالبَذلِ والإيمان والاحتمال. وقد كان ذلك الدم المنسكب كذبيحة حبٍّ مقدمة لله هو بذرة الإيمان المسيحى، الذى انتشر سريعًا فى العالم بشهادة الدم أكثر من الوعظ والتعليم. لقد كان الشُّهداء أيقونةً حيّةً على قوة الحب، وعمق الإيمان، وثبات الرجاء، الذى لم تستطع سيوف المضطهدين ونيرانهم أن تلتهمه. أما ما أثارَ العَجَبَ فهو ثباتُ المسيحيين فى الإيمان، برغم ما تعرَّضوا له من وسائل شنيعة للقتل، ولكن لم يستطع العالم أن يقهرهم! وفى رسالة ترجع إلى أواخر القرن الأول أو أوائل القرن الثانى موجهة إلى «ديوجنيتس»: «ألا ترى المسيحيين يتعرّضون للوحوش المفترسة لينكروا إلههم، ومع ذلك لم يقهروا؟! ألا ترى أنه كلما كَثُرَ عدد مَن يُعذَّب منهم كَثُرَت البقية الباقية. يبدو أن هذا ليس من صُنع الناس، بل هو قوة الله». إنها تحقيقٌ لوَعْد السيد المسيح: «.. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ» (متى ٢٨: ٢٠).

 

 عن جريدة المصري اليوم

شاهد أيضاً

حتى تربية الأطفال يريدها أرباب التكنولوجيا بالذكاء الاصطناعي

في وقت سابق من هذا الأسبوع، شارك سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة “أوبن أي آي”، …