يرى بعض النقاد أن هناك حالة من فقدان التوجه أو النسق العام للحركة التشكيلية المصرية أو حالة من غياب المشروع الفكري الجماعي

شهد تمثال نهضة مصر لمحمود مختار اكتتاباً شعبياً لاستكماله (رويترز)
ملخص
يرى بعض النقاد أنه لا توجد هوية أو توجه واضح للمدرسة المصرية حالياً في الفن التشكيلي وإنما الأمر تحول لتجارب فردية لا يجمعها رابط ولا يضمها سياق، وأن هناك حالة من فقدان التوجه أو النسق العام للحركة التشكيلية المصرية أو غياب لمشروع فكري جماعي ليتحول الفن لممارسات وتجارب منفردة تفتقد القدرة على تكوين مدرسة أو تيار واضح يميز الفن المصري المعاصر
يشهد هذا العام احتفال نقابة التشكيليين المصريين بمرور نصف قرن على إنشائها بوصفها كياناً يجمع الفنانين المعاصرين، وتواكباً مع هذا الحدث جرى تنظيم معرض يضم إبداعات 250 فناناً مصرياً من أجيال مختلفة، أثار الحدث واليوبيل الذهبي للنقابة نقاشات متعددة، فالبعض ثمّن وأشاد بالحركة الفنية المصرية، بينما آخرون طرحوا نقاشات حول أنه بعد مرور 50 عاماً على إنشاء النقابة، ووجود كيان يضم الفنانين المعاصرين فإنه لا يوجد تيار فني يمثل حركة الفن المصري المعاصر مثلما كان الوضع قبل إنشاء النقابة، مؤكدين أنه لا توجد هوية أو توجه واضح للمدرسة المصرية حالياً في الفن التشكيلي، إنما الأمر تحوّل إلى تجارب فردية لا يجمعها رابط ولا يضمها سياق، وأن هناك حالة من فقدان التوجه أو النسق العام للحركة التشكيلية المصرية أو غياب لمشروع فكري جماعي، ليتحوّل الفن إلى ممارسات وتجارب منفردة تفتقد القدرة على تكوين مدرسة أو تيار واضح يميز الفن المصري المعاصر.
ولا تأتي الفنون من العدم، لكنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً ومباشراً بواقع المجتمع المحلي وتحدياته وظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وأحياناً بما يشهده العالم من أحداث يمتد أثرها على نطاق واسع، والمثال الأبرز هنا هو ما شهده العالم من حربين عالميتين في النصف الأول من القرن العشرين، وما نتج منهما من مدارس فنية تأثر فيها الفنانون بالحرب وتداعياتها، وما تطرحه وتثيره من تساؤلات عبّرت عنها الأعمال الفنية.
وبالمثل، فإنّ الأحداث المتعاقبة التي شهدتها مصر على مدار القرن العشرين ألقت بظلالها على الفنون، فالحس الوطني الذي واكب ثورة 1919 والرغبة في الخلاص من الاحتلال، وما شهدته البلاد من أحداث في النصف الثاني من القرن العشرين ما بين ثورة وحروب ونكسة وانتصار كان لها أثر مباشر في الفنون التشكيلية، باعتبارها مثلت رافداً أساسياً يستلهم منه الفنانون وأحد هموم المجتمع بكل فئاته.
الفن كسلعة لا كقيمة
مع بدايات القرن العشرين، تحديداً في عام 1908، أنشئت مدرسة الفنون الجميلة في القاهرة على يد الأمير يوسف كمال لتكون أول جهة أكاديمية تدرّس الفنون في مصر، والنواة الأولى لتأهيل أجيال من الفنانين تعاقبوا على مدى أكثر من 100 عام، وكان لها دور كبير في وجود حركة فنية في مصر منذ الرعيل الأول من الفنانين الذين قادوا حركة الفن في مصر.
وعلى مدار السنوات بدأ العمل على إنشاء كيانات، سواء كانت أهلية أو رسمية تعنى بالفن والفنانين، ومن أولها جمعية محبي الفنون الجميلة التي جرى إنشاؤها في عام 1923، لتكون ملتقى للتشكيليين، وعلى مدار عشرات السنوات لم يجمع التشكيليين نقابة إلا في عام 1976 منذ 50 عاماً، إذ تحتفل باليوبيل الذهبي هذا العام.
على رغم عدم وجود كيان جامع للفنانين في زمن سابق فإنهم جمعتهم توجهات فكرية وأنماط فنية فماذا حدث مع الزمن؟ وما الأسباب والمعطيات التي أدّت إلى واقع الفن التشكيلي الحالي؟
وفق رؤية الناقد التشكيلي أيمن أبو زيد، فإن “التغيرات المختلفة التي تمر بالمجتمع سواء اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية يكون لها أثر مباشر في الفنون، في مصر حتى مرحلة نهاية السبعينيات أو بدايات الثمانينيات يمكن القول إنه كان هناك توجه معين للفن التشكيلي في البلاد، بعد ذلك كان بداية للتشتت ولظهور أنماط فنية غريبة، وفقدان الطابع الذي كان سائداً، والاتجاه لما أطلق عليه ما بعد الحداثة، الرعيل الأول من التشكيليين المصريين في بداية القرن العشرين أحدثوا صحوة فنية كبيرة، بعد أن شهدت فنون النحت والتصوير انحداراً كبيراً لنحو ألف سنة بفعل سيطرة فنون الزخرفة والمنمنمات، وفكرة أن يكون الفن خدمياً للعمارة الإسلامية، لم يرتبط هذا بكل الأقطار الإسلامية فقد بقى مزدهراً في إيران على سبيل المثال، لكنه تراجع كثيراً في مصر”.
ويضيف أبو زيد، “فنانو بدايات القرن العشرين الذين درسوا بالخارج، وتأثروا بالمدارس الأوروبية كان من أولوياتهم تقديم شيء مختلف، وكان لهم ثلاثة روافد، وهي الواقع حيث عملوا على التعبير عن الحياة المصرية، والارتباط بالتاريخ واستلهام ملامح منه، والتطور الذي شاهدوه في أوروبا، فاتجه بعضهم لتقديم ملامح من الفن والتراث الشعبي، لكن برؤية ومدرسة جديدة من أمثال راغب عياد على سبيل المثال، في الوقت نفسه فإن الفن لا يأتي من الفراغ، لكنه يظهر في سياق ويحتاج إلى وعي ونضج فكري فمثلاً تمثال نهضة مصر العمل النحتي العظيم لمحمود مختار ظهر في وجود صحوة قومية، حتى إنه جرى عمل اكتتاب شعبي لاستكمال التمثال فهل يمكن أن يحدث موقف مشابه اليوم؟”.
ويستكمل، “جزء آخر من الأزمة يأتي من البداية ومن مرحلة تعليم الفنون، فمع التوسع الكبير حالياً في إنشاء كليات الفنون وتخرج آلاف الطلبة سنوياً مع وجود حالة من عدم التطور في طريقة تدريس الفن ذاتها فإن كثيراً من هؤلاء الطلاب يكونون غير قادرين على الإبداع، وبعضهم يتجه إلى مجالات أخرى، وبعض من يستمرون يتعاملون مع الفن كسلعة وليس كقيمة، فيكون هدفه إرضاء السوق وإنتاج أعمال بغرض البيع والربح من دون الاهتمام بقيمتها الفنية، بالتالي فعلى رغم الزيادة الكبيرة في الخريجين لا يؤثر هذا في الحركة الفنية، ولا يخلق توجهاً أو مدارس تشكيلية لها سمات أو توجهات مثلما كانت الحال في السابق”.
بينما تشير الأستاذة بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة علية عبد الهادي إلى أن “الرعيل الأول من الفنانين درسوا على يد فنانين أجانب، وتوجهوا إلى البعثات الخارجية في أوروبا، فرنسا وإيطاليا على وجه الخصوص، فتأثروا بمدارسها الفنية بشكل كبير، وانعكس هذا على منتجهم الفني بشكل مباشر، ولهذا كان لهم توجه عام يجمع أعمالهم، فالمدارس الفنية التي سادت أوروبا في بدايات القرن العشرين انتشرت وتوطدت في مصر في العقود اللاحقة وحتى منتصف القرن العشرين بفعل الفنانين المصريين الذين درسوا وتأثروا بها وأخذوا فترة حتى ظهر منتجهم الفني”.
وتتابع عبد الهادي، “في الوقت الحالي اختلف المشهد تماماً بفعل الانفتاح الكبير الذي حدث في العالم كله في جميع المجالات وقدرة الفنانين على الاطلاع والتأثر بفنانين ومدارس فنية من العالم كله، وهو ما لم يكن متاحاً لفناني بدايات القرن العشرين، فكان أغلب تأثرهم بالحركة الفنية في أوروبا، حالياً المجال أصبح أوسع والعالم أصبح أكثر انفتاحاً”.
أين جمهور الفن التشكيلي؟
لا تنفصل الفنون المختلفة بكل أنواعها عن الجمهور، فهي بالنهاية تستهدفه وتتوجه إليه، بعضها يكون له جماهيرية كبيرة مثل الغناء والسينما على سبيل المثال، وبعضها يصنف أحياناً على أنه نخبوي مثل الفنون التشكيلية حالياً، لكن في عصور سابقة يمكن القول إنه كان هناك حضور أكبر للفنون في حياة الناس بصيغ وأشكال مختلفة، من بينها الاهتمام بالفنون في المدارس وتقدير الفن بين الجمهور العام بصورة أكبر، كان هذا في وقت عدد الفنانين أقل وانتشار قاعات العرض محدود جداً بالمقارنة بالوضع الحالي فعلى رغم تضاعف أعداد الغاليريهات مرات عديدة، إلا أن ذلك لم ينعكس على الجمهور وإقباله على الاطلاع على الأعمال الفنية، ولم يحدث نهضة فنية مع الانتشار والإتاحة.
وفق رؤية الناقد التشكيلي ومدير غاليري قرطبة محمد الجبالي فإن “هناك أزمة وفجوة في علاقة الجمهور بالفن التشكيلي بشكل عام، الفنون ليست فقط للاقتناء، وهي ليست قطعة ديكور، لكنها قوة ناعمة للمجتمع، المجتمع الذي يرعى الفن يقل فيه التطرف والإرهاب والانحراف، وعلى رغم أن هناك عدة مبادرات دُشنت للخروج بالفنون للناس فإنها حتى الآن لم يظهر أثرها، لا شكّ أن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية ألقت بظلالها على علاقة الناس بالفنون سواء الجمهور أو الفنان نفسه، فهناك قطاع من الفنانين أصبح يلبي طلبات السوق، ويتخلّى عن القيم الفنية ليبيع لوحاته بشكل أكبر، ويتغاضى عن أن يكون له اتجاه فني معين، من استطاع الجمع بين الاثنين وتحقيق التوازن هم عدد محدود من الفنانين، لكن السائد هو الأعمال الخالية من المضمون”.
ويضيف الجبالي، “الفن ابن المجتمع، وله علاقة وثيقة به، على سبيل المثال الفن في حقبة الستينيات كان مرتبطاً بأفكار فلسفية وقضايا مرتبطة بالحروب والأحداث التي كانت سائدة في هذه الفترة، وانعكست بصورة مباشرة على المنتج الفني، على رغم وجود أعمال وفنانين على مستوى عالٍ في وقتنا الحالي، لكنّ قطاعاً ليس قليلاً من الفنانين لديهم المهارة ولكن ليست لديهم الثقافة، العمل التشكيلي بالأساس يقوم على الفكر ويحمل فلسفة أو رسالة، ومن يقدّم هذا حالياً عدد محدود من الفنانين، وبالمثل فإن المقتنيين والهواة لم يعودوا مثل السابق، الأزمة في منتج الفن ومتلقيه”.
ويشير الناقد التشكيلي إلى أنه “لا يمكن النظر للفن التشكيلي بمعزل عن بقية الفنون، المنظومة الثقافية متكاملة في المجتمع فإذا كان الأدب والشعر والسينما على مستوى عالٍ ستكون الفنون التشكيلية كذلك، فهو رافد من روافد الثقافة السائدة في المجتمع كله، بل إن بعض الفنانين جمعوا بين أكثر من فن مثل الراحل عز الدين نجيب الذي كان شاعراً ورساماً، وعلى سبيل المثال فإن فنانين مثل حامد ندا أو عبد الهادي الجزار بتتبع مراحل عمرهم كان لديهم مشروع فني وفلسفة تحملها أعمالهم”.
الفن والذكاء الاصطناعي
ضمن مشاركات متعددة لنحو 250 فناناً في المعرض الذي أقيم تواكباً مع مرور 50 عاماً على إنشاء نقابة التشكيليين في مصر فإن أكثر ما أثار الجدل هو ما شهده المعرض من وجود مجموعة لوحات مصممة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار سجالاً كبيراً حول عرضها في احتفالية بالفن المصري، بخاصة أنها لأستاذ فنون مما يثير تساؤلاً عن مستقبل الفن الذي يدور سجال حوله حالياً في العالم كله وليس في مصر وحدها.
يطرح هذا تساؤلات عن هل من الممكن مستقبلاً أن نجد توجهاً فنياً للأعمال المولدة بالذكاء الاصطناعي ومدارس فنية من إنتاج الآلات، بخاصة بعد أن بدأ هذا النوع من الفن يكون له حضور في المحافل الفنية المختلفة، على سبيل المثال افتتح في لوس أنجليس بالولايات المتحدة الأميركية أول متحف للفنون المولدة بالذكاء الاصطناعي، وغالباً سيتكرر الأمر في دول أخرى على النحو نفسه.
حول تقديمها للوحات مولدة بالذكاء الاصطناعي تقول علية عبد الهادي، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة، “شاركت بهذه اللوحات في المعرض، لأن الذكاء الاصطناعي حالياً أصبح واقعاً وأداة لا بد من التعامل معها، ولا يتعارض هذا نهائياً مع إبداع الانسان، وفق وجهة نظري الفنان التشكيلي لا بد أن يكون له اطلاع أدوات الذكاء الاصطناعي المتعلقة بالفن، وأن يجيد استخدامها، ويتابع تطوراتها، وبشكل خاص لو كان يعمل في تدريس الفنون حتى يكون متواكباً مع الأجيال الجديدة، مع العلم أن اللوحات الناتجة من استخدام الفنان الدارس المتخصص للذكاء الاصطناعي تختلف تماماً عن غير المتخصص، لأنه على علم بالقواعد الفنية ويستطيع توجيه الذكاء الاصطناعي نحو توليد لوحات تخضع للقواعد الفنية”.
وتستكمل، “لا يمكن التنبؤ بماذا سيحدث في المستقبل، ولا إن كان يمكن أن نجد حركة فنية لفنون الذكاء الاصطناعي، لكن على أرض الواقع فإن المعارض التفاعلية التي يكون للتكنولوجيا حضور فيها أصبح لها وجود إلى جانب معارض القاعات التقليدية، وكل منهما له جمهور، ولم يلغ أي منهما الآخر، فالأمر يشبه مرحلة ظهور التصوير الفوتوغرافي، واعتقاد البعض أن هذا سيقضي على الرسم والفن التشكيلي، ومرّت سنوات طويلة، ولم يحدث بل إن بعض المصورين أصبح ينفذ أعماله بصورة تقترب من الفن التشكيلي، وليس مجرد يلتقط صورة، فالفنون المختلفة بينها تداخل وتكامل كبير”.
مجلة 24 ساعة



