حاول اللبنانيون التأقلم مع الوضع الجديد و هم فى دهشة مما يحدث من فتنة أهلية قد تنهك أرض الأَرز, من مسلحين إستسهلوا القتل و التدمير. قوى فلسطينية تحمل فى ثناياها تهديداً لهذا الكيان الإجتماعي، و قوي مسيحية تحاول أن تحمي كيان دولة. لم يرضَ كثير من اللبنانيين عن الثورة الفلسطينية, لأنها هددت “التركيب اللبناني”, الإجتماعي و الإقتصادي, الذي يعتمد على قطاعَي التجارة و الخدمات.
حسب التقرير الرسمي من الدولة اللبنانية، و من أرشيف الحرب اللبنانية تأكد أن حرب 1975 لم تبدأ عام 1975 بل بدأت قبل ذلك بكثير يوم إستباح الفلسطينيون الدولة, و ذلك بعد توقيع “إتفاق القاهرة” في3 نوفمبر/ تشرين الثاني من سنة 1969 و الذي تم فيه الإعتراف بالوجود الفلسطيني السياسي و العسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية، و تم فيه تأكيد حرية العمل الفدائي إنطلاقاً من أراضي لبنان. أصبح الفلسطينيون يتصرفون و كأنهم أصحاب الدار أو بالأحرى كأنهم الدولة نفسها. و بدأت شوكة الفلسطينيين تقوى و تجاوزاتهم تتكاثر و تشتد حتى أصبحوا “دولة ضمن الدولة”، و أصبحت الدولة نفسها عاجزة عن ردعهم و إيقافهم عند حدودهم.
كان ريمون إدّه, النائب و الوزير و عميد “حزب الكتلة الوطنية اللبنانية”, أول المعترضين, و المحّذرين من نتائج التوقيع على إتفاق القاهرة, و لم يتردد الرئيس السابق كميل شمعون من إبداء إمتعاضه و إحتجاجه مُحمِلاً الحكومة مَغبّة السماح للفلسطيني اللاجىء أن يقيم حاجزاً عسكرياً على طريق عام في ضواحي بيروت, و يوقف اللبناني, و يسأله عن هويته, و عن وجهة سيره. و قد طلب الرئيس شمعون من رئيس الجمهورية سليمان فرنجية ان يتدخل شخصياً لضبط الفلسطينيين الشذاذ في لبنان لئلاً يؤدي الأمر الى انفجار كبير لا يعلم سوي الله ماذا تكون نتائجه, فإذا بالرئيس شمعون يستشعر الخطر المحدق قبل حصوله.
و لكن يبدو ان رئيس الجمهورية لم يكن قادراً على ضبط الفلسطينيين لأسباب عدة أهمها أن رئيس الحكومة, في ذلك الوقت, كان متعاطفاً مع الفلسطينيين ضد لبنان. و كان الفلسطينيون ينزلون الى التظاهرات بكامل يافطاتهم, و مناشيرهم, و غالبيتها ضد الدولة, من دون أن تُحرك الدولة الضعيفة ساكناً, و اذا حاولت القبض على مجرم فلسطيني، كانت القوى اللبنانية المتعاطفة مع الفلسطنيين ترفض أن تتخذ الدولة إي اجراء بحق ذلك الفلسطيني.
كان عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يزداد يوماً بعد يوم في حين يتناقص هذا العدد في الدول العربية. و يوم وزعت الجامعة العربية اللاجئين الفلسطينيين على الدول العربية كانت حصة لبنان أربعين ألف لاجىء, و لكن بعد سنوات قليلة أصبح هذا العدد أربعمائة ألف فلسطيني, كانوا يهربون من الدول العربية حيث النظام و القوانين تمنعهم من الإنفلات، فيحضرون الى لبنان حيث الحرية, و حيث تراخي الدولة و ضعفها, إضافة الى إنقسام اللبنانيين بين مؤيد للمقاومة في لبنان, و المعارض لوجودها المسلح, و لدورها السياسي الذي بدأ يتطور, و يزداد أثره الضار في الداخل.. مما يدل أن التركيبة اللبنانية هي العامل الأساسي في نشوب الحرب في لبنان عام 1975، فهذه التركيبة لم تستطع بناء دولة بالإضافة الى المصالح الإقليمية و الدولية – عندما نقول نريد بناء دولة فنحن نعي ما نردد، لأن بناء دولة على شكل دولة المزرعــــــة
التي هي موجودة الآن هي سبب أساسي في إعادة إنتاج الفتنة و ظروف الأمس هي ذاتها و لكن بأسماء أخرى و دول أخرى.
كان حزب الكتائب يحتفل في يوم الأحد 13 ابريل / نيسان 1975 بتدشين كنيسة سيدة الخلاص للروم الكاثوليك في شارع مار مارون في عين الرمانة. و قد طلب قسم الحزب في عين الرمانة من رجال قوى الأمن معاونتهم على تنظيم السير فعاونتهم مفرزة السيّار في المنطقة. بينما تزامناً كان الفدائيون الفلسطينيون يقيمون مهرجاناً تأبيناً لشهداء الثورة الفلسطينية. و في الساعة الحادية عشرة صباحا، إخترقت الشارع سيارة “فولكسفاجن” مغطاة الرقم فأوقفها أحد رجال الأمن و سأل سائقها عن سبب تغطية الرقم فأجابه بأنه فدائي، و عندئذِ طلب منه نزع الغطاء عن اللوحة و أن يعود أدراجه لأن إتجاه السير ممنوع في ذلك الشارع. و بعد دقائق إجتاحت الشارع سيارة من طراز “فيات” مسرعة و مغطاة اللوحة أيضاً في داخلها مسلحون راحوا يطلقون الرصاص على جموع المصلين، فقُتل الكتائبيان جوزف أبو عاصي و أنطوان ميشال الحسيني و جُرح بعض الأشخاص. و في هذه الأثناء، مرّت سيارة أوتوبيس تقل عناصر من الكفاح المسلح كانت تتجه الى مخيم “تل الزعتر” فانهال عليها الرصاص من كل جانب و سقط من ركابها زهاء عشرين قتيلاً و جريحاً. و قد نُقل القتلى و الجرحى الكتائبيون الى مستشفى الحياة و مستشفى قلب يسوع، فيما نقل الفلسطينيون الى مستشفى القدس و مستشفى المقاصد.
و بدأت الشائعات تعّم لبنان فوراً فأشيع أن الشيخ بيار الجميل تعرض لمحاولة إغتيال وأن اثنين من مرافقيه قتلا. كما أشيع أيضا في المنطقة الغربية و في مخيمات الفلسطينيين أن مسلحي الكتائب هاجموا الفلسطينيين في مخيم تل الزعتر و قتلوا أكثر من مئة فلسطيني.
و إندلعت النار، و بدأ الرصاص يلعلع في بيروت و ضواحيها أولاً، ثم إمتد الى صور و صيدا و طرابلس. و بدأ الديناميت يتفجر و الصواريخ تتصاعد و القنابل تُدمر الأبنية و المحلات و تقتل الأبرياء من الأهالي. و إشتعلت الحرب…
و كانت الأحزاب اليسارية و الأيدي الخفية تصّب الزيت على النار، و الأموال تتدفق على الأحزاب اليسارية و الأسلحة و الذخيرة تَرِد من بعض الدول العربية الإشتراكية و اليسارية على المنظمات الفلسطينية و على الأفراد لمحاربة ” الكتائب التي تريد تصفية الفلسطينيين…” كما كانوا يزعمون.
و عقدت الأحزاب اليسارية جلسة طارئة إتخذت فيها قراراً “بعزل الكتائب “و مقاطعتها و القضاء عليها قضاء مبرماً. و راح رئيس الوزراء رشيد الصلح، بإيعاز من الفلسطينيين و اليساريين يطوف على سفارات الدول العربية، ليعلن للسفراء أن “حزب الكتائب” يعمل على تصفية الفلسطينيين. و إتسعت الإشتباكات بسرعة فشملت “الشياح”، و”الدكوانة” و”عين الرمانة” و ا”لغبيري” و “المريجة”” و حارة حريك” و “سن الفيل”… ثم امتدت الى “الكرنتينا” و “النبعة”.
و تعمّق إنقسام اللبنانيين: قسم يضم حزبي “الوطنيين الأحرار” و “الكتائب اللبنانية”، و منظمات برزت على أثر الحوادث الدامية، منها حزب “حُرّاس الأَرز” و “التنظيم” الذين كانوا يحاربون من أجل تحرير لبنان من الغرباء, و استعادة الكرامة اللبنانية. و قسم يضم الفلسطينيين و الأحزاب اليسارية. و بدأت الأموال و الأسلحة تتدفق على لبنان لإضرام النار و إشعال الفتنة في البلاد.
***
بدأ الإقتتال اللبناني – الفلسطيني على أرضه، قتال إتضح معه منذ بدايته، أن ما يلحق بلبنان من أضرار من جراء الإعتداءات الإسرائيلية، هو أقل الأضرار التى تلحق به من جراء الإقتتال الفلسطيني. بدأ القتال و القوي المسيحية تنظر الى القضية الفلسطينية نظرة هامشية تبعاً للقرارات التى تضمنها بيان ممثلي الطوائف المسيحية فى 28 مايو (أيار)1975 الذي ناشد فيه الفلسطينين المقيمين بالأرض اللبنانية “أن يقدروا مدى الخدمات التي يؤديها إليهم لبنان” بالإضافة للمذكرة التي قدّمتها “الرابطة المارونية” و الرهبانيات إلى رئيس الجمهورية اللبنانية في 14 أكتوبر(تشرين الأول) 1975، تطالبه فيها بأن يبحث مؤتمر وزراء الخارجية العرب، صراحة، الوجود الفلسطيني في لبنان، و تدخّل الفلسطينيين في شؤون لبنان الداخلية. بيد أن الساحة المسيحية اللبنانية لم تخلُ من تيارات وطنية و قومية. فالكنيسة المارونية، مثلاً، رفضت مبدأ التقسيم. و بطريرك الطائفة الأرثوذكسية في لبنان، إلياس الرابع، حمّل على الإمتيازات الطائفية, و دعا أبناء لبنان إلى الإنفتاح على العالم العربي. إضافة إلى أن مسيرات شعبية عدة، ضمت، خلال الأزمة, كثيراً من المسلمين و المسيحيين المحتجين على الإقتتال الطائفي. علاوة على أن بعض المسيحيين، كانوا متفهمين لأوضاع الفلسطينيين و مطالبهم .
اليسار اللبناني يُعزي قبول المقاومة الفلسطينية إلى روح الضيافة العربية، و إنه مادامت الدول العربية إعترفت بهذا الوجود، و بمنظمة التحرير الفلسطينية، فلا يجوز للبنان التعرض لهما، أو طرحهما بصورة غير قومية. أمّا القوى الخارجية، غير العربية، التي لها تأثير في الحرب اللبنانية، من خلال رفضها الوجود الفلسطيني في لبنان، فقد إرتبط بعضها بهذا البلد بعلاقات مصالح.
كان الدور الأجنبي واضحاً في الأزمة، منذ بدايتها، حتى إن رشيد كرامي صرّح مع بداية الإحتراب بأن “السلاح منتشر في كل مكان، وأن التدريب و الميليشيات موجودة في غير جهة، و السلاح يأتي بصورة رسمية، من طريق الموانئ اللبنانية، و أحياناً، يوزع بواسطة جهات رسمية”. و يأتي في مقدمة تلك القوى الولايات المتحدة , التي أدت دوراً مهماً في تطور الأزمة اللبنانية, سواء في مجالات: التخطيط, أو الضغط, أو تقديم المساعدات المختلفة إلى القوى اليمينية. و على سبيل المثال, كُشف النقاب في واشنطن في 22 يوليه (تموز) 1975، عن صفقة أسلحة أمريكية قدُرت بألف بندقية, أُرسلت إلى لبنان, و إضطلعت السفارة الأمريكية لدى بيروت بدور الوسيط فيها. و لكن الدور الأمريكي كان مستتراً و غير مباشر, حرصاً من واشنطن على تجنّب إثارة الجماهير العربية، و إبعاداً لغيرها من القوى الخارجية عن التدخل, خاصة فرنسا.
أمّا إسرائيل، فهناك مظاهر عديدة تؤكد تورطها في الحرب … لعل أبرزها تحريض إيجال آلون، وزير خارجية إسرائيل السابق، المسيحيين في لبنان على التمرد، في 20 سبتمبر(أيلول) 1974. فضلاً عن إستثارة إسحاق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، الدول المسيحية ضد مسلمي لبنان, بإبداء استغرابه لعدم تدخّل أي رئيس مسيحي لإنقاذ مليون مسيحي في لبنان. أمّا الحكومة الإسرائيلية، فدعت إلى تقديم العون إلى “الكتائب” .
لقد تواصلت غارات إسرائيل و هجماتها على المخيمات و المعسكرات الفلسطينية. و تتابع تهريب الأسلحة بكميات كبيرة إلى لبنان, لدعم القوى اليمينية في القرى المارونية, و فتح الجسور مع أهالي الجنوب, و ضرب الوجود الوطني التقدمي فيه, و الإشتراك في عمليات عسكرية على الحدود مع الإسرائيليين, كما حدث في مرجعيون و بنت جبيل.
مرحلة ما قبل عام 1975, و هي المرحلة التي شهدت معارك الإختبار الأولى، لإستنزاف قواعد الفدائيين الفلسطينيين, في مناطق العرقوب و القرى الجنوبية الأمامية. و شهدت عدداً من العمليات الخاطفة ضد مَواقع حساسة في الأراضي اللبنانية، أبرزها الغارة على مطار بيروت الدولي, و إغتيال قادة “فتح” الثلاثة في شارع “فردان”، و غيرهما من عمليات الكوماندوز، في الفترة الممتدة بين عامَي 1970 و 1974.
مرحلة إنفجار الإحتراب الداخلي، في ربيع 1975، و فيها إتسع هامش النشاط الإسرائيلي، و صار لبنان عرضة للإختراقات الإسرائيلية، على جبهتَي الجنوب و الداخل في آن معاً. و إنتهجت إسرائيل، خلال هذه المرحلة، نهجاً أمنياً مزدوجاً: جانبه الأول، إعتماد نظرية القتال الهجومي, عبْر شن الضربات الوقائية, من الجو و البر و البحر, ضد القواعد المشتركة للأحزاب اللبنانية اليسارية, و منظمات المقاومة الفلسطينية. و جانبه الثاني التسرب السياسي لإختراق الداخل اللبناني. وساعدت البنية اللبنانية المتداعية بفعل التمزق الأهلي, على رفع التصعيد الإسرائيلي إلى درجة الرغبة في إنشاء “كانتونات طائفية” موالية لإسرائيل، بل خلق نظام حكم في لبنان صديق لها.
لقد مثلت الحرب فرصة سانحة لإستغلال إسرائيل مياه جنوبي لبنان، التي طالما طمعت بها. و يتبدّى هذا الطمع في تصريح ليفي أشكولLevi Eshkol، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، بأن “هناك نصف مليار متر مكعب من مياه نهر الليطاني تضيع سنوياً في البحر، و يجب إستغلالها لمصلحة شعوب المنطقة. و لا يَسَع إسرائيل الظامئة أن تقف مكتوفة اليدين، و هي ترى مياه الليطاني، تتدفق إلى البحر. إن القنوات باتت جاهزة في إسرائيل (1967) لإستقبال مياه نهر الليطاني”.
***
تضاربت التفاسير و الأقاويل هل هي حرب فلسطينية لبنانية أم هي حرب إسرائيلية، فيُسعي الى إعادة رسم خارطة المنطقة و القضاء على التعايش المسيحي – الإسلامي، و توجيه ضربة في العمق و في الصميم لضمان إستمرارية النظام العنصري في إسرائيل؟
لقد كان لبنان مضرب مَثَل في الصيغة التي جمعت ثمانية عشر مذهباً في إناء وطني واحد، لنكتشف لاحقاً أن التعايش بين اللبنانيين على إختلاف توجّهاتهم كان نعمة ثم تحوّل الى نقمة.
إنها حرب هؤلاء جميعاً مع أمور أخري كثيرة . الصديق و الزميل الاعلامي عادل مالك في لقاء مع عميد الكتلة الوطنية ريمون إدّه، قال له أنه تلقى معلومات عن « قبرصة لبنان» قبل بداية مسلسل الأحداث. كذلك قال له الزعيم كمال جنبلاط أن سفير دولة كبرى أبلغه «أن الأحداث التي بدأت في لبنان لن تنتهي قبل سنتين على الأقل»، و هذا ما حدث بالفعل.
مسؤول عربي كبير أبلغ بعض اللبنانيين أن يأخذوا عِلماً بعدم الإقدام على أي مشروع يقع خارج حدود منطقة الزهراني في جنوب لبنان، «لأنه ليس مؤكداً أن يبقى الجنوب منطقة لبنانية! » و إضافة الى ذلك، و في لقاء تليفزيوني أجراه عادل مالك مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات بعد إندلاع الحريق اللبناني الأخير بوقت قصير، قال له بالحرف:
« في لبنان كارثة أفظع من كارثة فلسطين»… و قال بانفعال شديد: «ألا تكفينا فلسطين واحدة؟» …
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة