الرئيسية / كلمة العدد / لبنان على  درب الآلام…
مودي حكيم
مودي حكيم

لبنان على  درب الآلام…

 

 

لا أشعار بعد اليوم 

إذا صرعوك يا لبنان 

و إنتهت ليالي الشعر و التسكع 

سأطلقُ الرصاص على حنجرتي 

هذا ما عبر عنه الشاعر محمد الماغوط من خوف عندما نبتت مؤشرات الخطر على لبنان.

كانت أجواء التوتر السياسي تعصف بالبلاد منذ فترة طويلة بين الأحزاب المسيحية اليمينية من جهة, و بين الفلسطينيين و يساندهم قسم كبير من المسلمين و “أحزاب اليسار” التي انضوت تحت ما عُرف فيما بعد باسم “الحركة الوطنية اللبنانية” .

هرول أصدقائي شركاء الحلم خوفاً من الآتي, مع بداية تهديدات هذا الكيان الاجتماعي, و الظروف المصيرية التي قد تواجهه, و الصراع الذي قد ينشأ بين أبناء أمة و شعب أتي لها لاجئاً, و الأضرار المترتبة على وضع قد ينفجر في أية لحظة.

كان لإسلام شلبي صديق من أيام الدراسة في “الجامعة الأميركية” في بيروت, محمد الصباغ, والده سعيد كامل الصباغ, المؤلف للعديد من الكتب الدراسية المتشعبة الإهتمامات, منها التاريخية و الجغرافية … من أجلها قام برحلات جغرافية مشرقية و مغربية و تاج مؤلفاته “الأطلس العربي العام”, الذي كان صدر عن” مؤسسة سعيد الصباغ”. و إعتمدت “منظمة التحرير الفلسطينية” الخارطة الجدارية لفلسطين التى وضعها الصباغ, و أصبحت الخارطة الرسمية المعتمدة في كل المجالات…  و هو من مواليد “حيفا” و نشأ فى “صيدا ” اللبنانية, و بعد وفاته عام 1967، تولي إبنه البِكر محمد إدارة المؤسسة.

نجح محمد الصباغ في تسويق “أطالس” والده, و خصوصاً “الأطلس العربي العام”, الذي اُعتمِد في معظم مدارس و مكتبات الدول العربية. و حدث أن أقنعه إسلام شلبي بشراء حصة الشركاء فى المطبعة, فلم يتردد.

إستخدم الصباغ المعلم ” درويش الدم” و هو واحد من أمهر الطباعين في بيروت, لتولي مسؤولية المطبعة, مع إستمراري في الإشراف عليها.  في الوقت الذي  انهالت فيه العروض علىّ لتجذبني مرة أخري للصحافة .

في تلك الفترة, لاحت في الأفق بوادر دخول لبنان في نفق الإحتراب الداخلي, و خاصة مع بداية هجرة الصحافة اللبنانية, فمنهم من لم يتحمل فكرة الحرب و رحل بعيداً، و منهم من بقي صامداً في موقعه.

***

دق باب مسكني ذات صباح , جاري, الفنان و الرسام و الصديق محمود كحيل, الذي يسكن “منطقة البريستول”, و كان وقتها في تألقه كواحد من أشهر رسامي الكاريكاتور الصحافي، و يعمل مديراً فنياً  فى أكثر من مطبوعة, بينها” الإسبوع العربي “, و ينشر رسومه فى  مجلةMonday Morning  و جريدة Daily Star  و إشتهر برسومه الصارخة بآرائه السياسية و وجهة نظره و تحمل توقيعه أو يستبدله برسم غراب رمزاً للوضع المتقلب للسياسة والدبلوماسية العربية. جاء ليودعني، فقد قرر السفر الى لندن مع عائلته للعمل في جريدة “الشرق الأوسط” السعودية، و يطلب منى أن أتولي العمل في موقعه في مجلة” الأسبوع العربي”, بعد أن وعد ناشرها جورج أبو عضل, أن يقنعني بالعمل معهم…  و قبلت كرمى له.

كان موقع دار نشر” المؤسسة الشرقية للطباعة و النشر” فى “الأشرفية ” في بيروت الشرقية, و هي واحدة من خمس عشرة شركة يمتلكها رجل الأعمال جورج أبو عضل و تصدر عنها مجلة “الاسبوع العربي”, و مجلة Magazine باللغة الفرنسية, التي كانت تنافس مجلة La Revue du Liban  العريقة.

***

عام 1974, جال “كورت فالدهايم” الأمين العام لمنظمة  المتحدة فى بعض الدول العربية , و خلال تلك الجولة التقي ميشال أبو جودة, رئيس تحرير جريدة “النهار” اللبنانية و قال له :

“إن لبنان سيتعرّض الى مؤامرة كبيرة، و أن أمريكا و إسرائيل ضالعتان بها، و هما تريدان خلق فوضى في لبنان”… أما لماذا، فالسبب أن واشنطن  كانت غارقة في “فضيحة ووترجيت”،  و تعاني تداعيات الإنسحاب المُذل من فيتنام، و الإخفاق في “أنجولا” . و كانت تركيا إجتاحت قبرص، و لم تستطع الولايات المتحدة الأميركية أن تفعل شيئاً يعيد إليها الهيبة في الشرق الأوسط، و تقضي في الوقت نفسه على “منظمة التحرير الفلسطينية “.

و كملاحظة عابرة،  أتذكر تلك الأيام و بحكم عملي فى دهاليز الصحافة اللبنانية وقع فى يدي تقرير سري:

Confidential US State Department Central Files  يشير الى أهمية إيجاد موقع جديد في العالم لصراع مسلح بعد فيتنام، فمصانع السلاح مهددة بالإغلاق مما يضر بمصالح المستثمرين من رجال الأعمال الأمريكيين.

إندلعت إشتباكات في منطقة الدكوانة فى صيف 1974 بين بعض الميليشيات و فصائل المقاومة الفلسطينية,   و إعترض رئيس الوزراء حينئذ تقي الدين الصلح في لقاء مع الزعماء الموارنة  على العلنية في إنشاء و رعاية مخيمات التدريب التابعة لهم و طالب بإغلاقها…

إستقال الصلح، و عين فرنجية رشيد الصلح رئيساً للحكومة. و فى شهر يوليو/ أيلول، حذر جوناثان راندل مراسل “واشنطن بوست”، من قرب إشتعال حرب أهلية فى لبنان، مما أدي الى طرده من لبنان لمدة ستة أشهر. أما إسرائيل، فهناك مظاهر عديدة تؤكد تورطها في الحرب الأهلية، لعل أبرزها تحريض إيجال آلون, وزير خارجية إسرائيل السابق، للمسيحيين في لبنان، بإبداء استغرابه لعدم تدخّل أي رئيس مسيحي لإنقاذ مليون مسيحي في لبنان.

تسارعت الأحداث مع بداية 1975 ، فقد أطلق الرقيب في الجيش اللبناني مارون داود النار على النائب اللبناني معروف سعد الذي كان على رأس تظاهرة إحتجاجية لصيادي الأسماك في مدينة صيدا في شهر فبراير/ شباط، فأصابه إصابة بالغة توفي على أثرها، و كانت تلك الحادثة هي الشرارة التى أشعلت براميل البارود المعدة سلفًا.

فجأة ظهرت المتاريس في شوارع بيروت و مسلحين يقدمون أنفسهم كأنصار لتيار معين يقطعون طرقاً غرب    و شرق العاصمة اللبنانية ، يطلبون هوّية كل من يمر على هذه الحواجز من دون تمييز.

في البداية قبل أن تتأزم الامور، و للوصول الي أياً من مقرات عملي، كان لابد من الحصول علي تصاريح بالمرور, خصوصاً أني قبلت, و أنا لما أزل أعمل في “الأسبوع العربي”,  عرض عمل آخر من الصديق الصحافي الخلوق ياسر هواري للإشراف الفني على “مجلة الديار”، التى كان يرأس تحريرها بمنطقة فردان ببيروت  و من دون رغبة أو إيمانًا بالإنتماء لأي من الفصائل أو الأحزاب العديدة علي الساحة العقائدية و السياسية,

أصبحت فلسطينيا بهوية من منظمة ” فتح ” عن طريق معلم الطباعة ” درويش الدم “, بعد أن نجح فى الحصول على معظم مطبوعات المنظمة – بحكم انه فلسطيني-  لطباعتها بالمطبعة تحت إداراتها الجديدة, (كان مقاتلو المنظمة يحرسون المطبعة أثناء الحرب و يتولون حمايتها , فلقد كانت المطبعة الوحيدة العاملة في منطقة خطرة و شهدت أحداثاً جسيمة فى الحرب). و  الي جانب الهوية الفلسطينية، حملت هوية ” كتائبية ” يَسِّرَ لها         و أصدرها جورج أبو عضل/ لكي أصل الى المنطقة الشرقية من بيروت، و بطاقات “هوية” أخرى كثيرة حملتها فيما بعد. كان من الصعب معرفة طبيعة كل حاجز و الحزب التابع له، و كانت مهمة صعبة إستغرقت وقتا طويلا، حتي تمكنت من إظهار الهوية المناسبة في الحاجز المناسب.

كان حادث عين الرمانة بداية إنطلاق الحرب اللبنانية – الفلسطينية يوم الأحد  13 ابريل/ نيسان 1975،     و مُزّقت البلد جرّاء المواجهات العنيفة و السرقات و أعمال التخريب و التدمير و الكمائن، و قسّمته و برزت خطوط التَماس الأولى ” الشياح- عين الرمانة “، و بدأ تكريس التقسيم بين بيروت الشرقية و بيروت الغربية.

و راح لبنان يمشي على  درب الآلام.

 

مودي حكيم

 

 

شاهد أيضاً

فى عالم مجنون «2»
المجنون والسياسة !

فى فوضى سياسية واقتصادية متسارعة يتجه العالم نحو مرحلة شديدة التعقيد ، فى عالم مجانين …