“المعلم الياس حلاق “الأستاذ”… و الأستاذ سعيد فريحة يبدأ نهاره في مكتبه مع “المعلم الياس”, حيث إعتاد أن يحلق ذقنه, فيضع وجهه بين يديه, و يتركه يُمرر الموسى عليه بتؤدة و طول بال, يقضم الشعيرات التي تمد رأسها من مسام جلد وجهه.
و كان “قش ذقن” الأستاذ, (كما يقول اللبنانيون عن حلاقة الذقن) يطول. فقد كان “المعلم الياس” الصبور, الجليد, يرفع الموسى عن وجه الأستاذ عند دخول أحد المحررين أو ضيف ثقيل أتي من دون ميعاد, و في أحايين كثيرة, ليرد الأستاذ على المكالمات كلما جن جرس الهاتف من الرنين.
و الأستاذ سعيد, ما تذكرته في سويعات التأمل في ماضي ما كان, إلاَّ و قَفَزَ الى ذهني التناغم الدائم و الفاعل, بين القدر و حياة البشر.
و “القدر” هو الذي نظَّمَ, و رتَّبَ, و دَبَّرَ, و تدَبَّرَ, حياة ذلك الصبي, الذي عرف اليُتم باكراً, فحُرم حنان الأم, و لم ينعم بحضانة الأب. ظلمته الحياة, فتحَمَّلَ ضَيْمَها, عارك الدهر, و شقي في تضاريسه, ساكناً, صبوراً, جليداً على الوجع و الجوع.
رماه “القدر” في “حلب”, صبي حلاق, يكنس الدكان, و ينتظر “البقشيش” من الزبون. ما كان يعرف “فك الحرف”, فَتَعَلَّمَ على نور مصابيح الطرقات, من خوف أن يراهُ شقيقه, و هو يحمل كتاباً و يفك رموز و أشكال أحرف ليتعلمها, و يحفظها, و يتعود بالمران و التكرار على كتابتها. و قد حباه الله بذاكرة حفّاظة, و بذكاء لمَّاح.
لما بلغ الحلم, أصبح شديد المراقبة, لا يقع بصره على شيء إلا و تحرّاهُ, في فضول المثابر, الملحاح, كل ذلك الى ثقة في النفس عارمة, و غامرة, تصنع في العادة “العصاميين”, غير الهيّابين للعقبات, فيقتحمون “المجهول”, و يستسهلون الصعاب.
و المستحيل، عند الرجال من خميرة و عجينة سعيد فريحة, ليس برجاً عاليا بلا سلم, أو نجماً في الفلك نعجز عن بلوغه, “المستحيل”, كما قال لي الأستاذ سعيد في جلسة صفاء في حديقة ” أوتيل شتورا بارك” عند صاحبه الحميم نجيب حنكش:
” المستحيل هو منا نحن, و يكفي أن نتجاهله ليزول, و متى زال من نفسك و ذهنك, فُتحت أمامك أبواب النجاح”.
و لأنه هكذا كان ينظر الى الحياة, واجه قَدَرَهُ و تحدّاهُ, و تحدّى الدنيا كلها.
و وضع سن القلم على الورق و كتب, و كلماته الملزوزة, العفوية, التي كانت تنقل الخبر و الحادث, كما هو, من دون تزويق و تلوين, بدأت تسترعي الإنتباه.
كان “المخبرون” في صحافة الثلاثينات قلة, و غالباً لا يجيد بعضهم نقل ما يسمعون أو يرون, بشكل يُسّهِل على “مطبخ” الأخبار في الجريدة, من إعادة الصياغة و النشر.
و برع سعيد فريحة في رسائله و إخبارياته, و أصبح من أبرز “المخبرين” الصحافيين, تنشر له “التقدم”, و تتهافت عليه “القبس” الدمشقية, و”الأحرار ” البيروتية, التي كانت, في أحايين كثيرة, تنشر رسائله على الصفحة الأولى. و تحول سعيد فريحة, الى كتلة زخم دائمة الحركة, يُقْدِمُ و لا يَتَرَدّدُ, يستشف الخبر, فيسبق الكل إليه, و الى كشف ما إستتر, و غَمُضَ, و إنغَلَقَ, بجرأة, تحسب للعواقب و لا تأبه بها.
عروبي… و عروبته تعلمها من مدرسة “الكتلة الوطنية” السورية, العالية الباب و القباب, التي كانت بيدها مصائر سوريا, و تتلمذ على إبراهيم هنانو, سعد الله الجابري, عبد الرحمن الكيالي, و سائر أبناء لفيفهم من الوطنيين.
و يعود سعيد فريحة الى بيروت التي أحب, فنقلت “الحديث”, و كانت جريدة لها وزنها و إنتشارها, و تُرفع لمحرريها القبعات. و يلعب “القدر” مرة أخرى في حياة الأستاذ سعيد, فيتم اللقاء الأول بينه و بين رياض الصلح, فبذل له السياسي الأريب المحنك ودَّهُ و مكانه، و رغب في صداقة مديدة أثمرت صدور “الصياد”, فتدبر له الصلح العون و المدد, و مع ولادة الإستقلال اللبناني, ولدت تلك المجلة, و بطلب من رياض الصلح, تكفل الثري نجيب صالحة في بناء بيت “الصياد” الأول في الحازمية.
كانت مجلة “الدبور” التي أصدرها يوسف مكرزل سنة 1933 المجلة الكاريكاتورية, النقدية, الساخرة الوحيدة في لبنان, فإنتشرت , و راجت, و أصبحت على كل لسان و شفة, (صار يُتندر بها كلما أراد واحد ذم آخر فيقول: “وجهه مثل التي ترسمه الدبور”), و كانت لا تحابي الصلح و لا ” الإتحاد الدستوري” و كتلته البرلمانية , و هو حزب الرئيس بشارة الخوري, فشاء الصلح أن تكون “الصياد” صنو “الدبور”, و تزيحها من مكانها و مكانتها. و كان ما كان .
و إذا كان سعيد فريحة أخذ عروبته من “الكتلة الوطنية” الدمشقية, فإنه أخذ لبنانيته و عنفوانها من رياض الصلح و بشارة الخوري, أول رئيس للجمهورية اللبنانية المستقلة.
***
إنتفخ بالزهو, و هو يعطيني نسخة من عدد “الصياد”, مرّ على عينيه بريق نشوة غامرة, تسربت, من دون أن يدري, وراء إبتسامة شعر أنها ضرورية لكسر جليد الجلسة.
تنحنح, تأهبت لسماع سبب طلبه الإجتماع بي مجدداً, دارت عيناه في محجريهما دورة سريعة, تأنى في مخارج الكلمات:
“عرفت من بسام أنك رفضت ما عرضه عليك للعمل معنا…”.
صمت قليلاً, حكّ جلدة رأسه, عرف أنه شدّ إنتباهي, وهبت نفسي لكل الظنون, أكمل:
“دعك من بسام… أنا أريدك معنا في الدار”.
قَلَبَ فنجان القهوة في جوفه دفعة واحدة, راح يفتش بعينيه قبل يديه, في الطاولة المعجوقة بالأوراق, تعثرت حركات يديه, إهتدى أخيرا الي ما كان يفتش عنه. أخرج من ملف كبير “ماكيت” ملونة لمجلة, قَرَأَ إسمها بتلذذ و نشوة:
“سَمَرْ… هذي سَمَرْ”.
و مدَّ يدَهُ و أعطاني “الماكيت” المصممة بإتقان و حِرفية, و قبل أن أفُرَّ صفحاتها باصابعي, سَبَقَني الى الكلام:
” أريدك أن تتعاون معنا على إخراجها… و أطلب المبلغ الذي يرضيك, من دون أن تكون في “كادر” و جهاز الموظفين في الدار… سمي نفسك يا سيدي مخرج بالقطعة”!
و أطلق ضحكة مجلجلة إهتزَّ لها كل كيانه. ظلّ في نفسه شيئاً يدفعه الى الكلام:
“كلما أنجزت عدداً تمر على قسم المحاسبة فتجد مستحقك جاهزاً … و حبة مسك, كما نقول نحن اللبنانيين. هذا ما قصدت بكلمة مخرج بالقطعة”…
تناثرت عباراته, تمددت إبتسامة على شفتيه, غالبت تجمد الكلام على طرف لساني, قلَّبتُ صفحات التصميم القشيبة باصابعي الملهوفة, و معها الأفكار المتلاطمة في رأسي, أعجبتني فكرة المجلة, و راقت لي أبوابها, أعادني صوته الى رشدي:
“إيه… شو رأيك … متفقين؟”
و سكت, سحب سيجارة من علبة السجائر, حبسها بين شفتيه و أشعلها, إحمر رأسها, عبّ نفساً عميقاً, نَفَثَ الدخان, إنتظر أن أقبل, أدرك في قرارة نفسه أنني سأقبل.
و… قبلت.
***
و قد لمست الحرية التي كان اللبنانيون ينعمون بها و يتفيأون ظلها. فالحرية شرطاً أساسياً لبلوغ المعرفة. و هذه الحرية فتحت الباب وسيعاً امام شركات توزيع الكتب و المطبوعات, لتوزيع كل صحف العالم بلغاتها شتى, و ثمار مطابع دور النشر العربية و الدولية, فكنت تمر على المكتبات تلملم من على أرففها ما شاء لك من جرائد و مجلات, و كتب عربية و أوروبية و أميركية.
في الستينات, راجت في بيروت مجلات “الروايات المصورة” Photo Roman التي كانت رأت النور في “إستوديو لانسيو” في روما, إلا أن التجربة ظلت خجولة الى أن قام الأخوين Del Duca في تطويرها سنة 1947, فكانت مجلة ll Mio Sogno (حلمي), ثم مجلة Bolero التي أطلقت صوفيا لورين, و كانت في السادسة عشرة من سنيها, و جينا لولو بريجيدا, و أورنيللا موتي…
و كالعادة غارت باريس من روما, فصدرت فيها سنة 1949 مجلة Festival أول مجلة “فوتو رومان”, ثم كرّت حبات السبحة: Film complet و Roman Magazine الى أن صدرت مجلة Nous Deux سنة 1950, فتربعت على عرش تلك الموجة من المجلات. و كانت توزع أسبوعياً مليون و نصف المليون نسخة في فرنسا و الدول الفرانكوفونية.
و أصبحت Nous Deux الأولى في بيروت و لم تستطع Hebdo Roman التي كانت صدرت بعدها بحِلّة مختلفة, و متعوب عليها, زحزحتها عن عرشها.
و إستلهمت إلهام فريحة من تلك المجلات فكرة مجلة “سَمَرْ”, فكانت أول مجلة “فوتو رومان” في العالم العربي.
و بعد لقاءات عمل معها لبلورة الفكرة, بدأت في وضع التصاميم و الرؤية للصفحات, و المشاركة في إختيار أحرف العناوين, و”التراويس”, و أحرف النصوص.
و لم تقتصر ” سَمَرْ” على الروايات المصورة, و غالبيتها مترجمة, بعد الحصول على حقوق نشرها و ترجمتها, إنما أدخلت عليها أبواب مثل مشاكل المراهقات, علم النفس, التدبير المنزلي, الطهي , و الرياضة و الأبراج…
و أُختير الزميل الراحل حافظ محفوظ, ليكون المدير المسؤول.
و إنطلقت “سَمَرْ” أسبوعية, فاستقبلها القراء بلهفة, و أقبلوا عليها, فأخذت بعد العدد الخامس تحقق إنتشاراً ملحوظاً, و تتزايد تدريجياً نسبة المبيعات, و يقل المرتجع, و لم توصد في وجهها أبواب الخليج, التي تسهل الحصول على الإعلانات و جني الارباح, فتربعت في المكتبات, و تخاطفها القراء.
و نجاح المجلة أوجد منافسين لها, مشوا على خطاها, فصدرت “ريما فوتو رومان”, و تبعتها مجلة “نورا”, و الأكثر جدية في المنافسة كانت مجلة “دليلة” التي تخلّت عن نقل و ترجمة الرويات المصورة, و إعتمدت لأول مرة, ممثلين بارزين في التلفيزيون اللبناني, أمثال: أحمد الزين, أكرم الأحمر, جاكلين, علي دياب, شوقي متى و غيرهم من ممثلين ذياك الزمن.
و من نجاح “سَمَرْ” ولدت “فيروز”, التي تحولت الى مجلة المرأة العربية الأولى, تنافس و تزاحم “حواء” شيخة المجلات النسائية, بحجمها و ورقها المصقول و إخراجها المتميز.
***
“الأنوار” االتي صدر عددها الأول في 25 من أغسطس سنة 1959, بعد “صيف الدم” الذي هزَّ البلاد سنة 1958, و كاد أن يقوض البنية الإقتصادية و الإجتماعية.
و مثلما صدرت “الصياد” في ظروف عزّزت الاستقلال و الوحدة الوطنية, صدرت “الأنوار” لتتابع مسار الوحدة الوطنية, مع فارق أنها أكدت على الدور الناصري و تأثيره في السياسة اللبنانية.
و سرعان ما لملمت بيروت نفسها, و إلتأمت جراحها, لتسكن من جديد في وجدان كل عربي, عاصمة العرب بلا منازع, و موئل فكرهم, و مرتع ثقافتهم, و مصنع إشعاعهم و طلتّهم الحضارية على العالم.
و لأن الصحافة اللبنانية هي تعبير عن لبنان الليبرالي, ذي التركيبة المتنوعة الحساسة, و المستنيرة, و الأكثر تواصلاً و إنفتاحاً على العالم… فإنه من الطبيعي أن تنعكس على صفحات جرائده و مجلاته, رياح الأيديولوجيات, و السياسات, و المحاور, التي تهب و تعصف في المنطقة, و أن يتنافس الزعماء العرب على خطب ود تلك الصحف التي كانت تنقل معاركهم, و مساجلاتهم, و سياساتهم, و تروّج لأفكارهم, مهما كانت ملتوية, و هدّامة, و ضارة…
و أدرك الرئيس جمال عبد الناصر مدى أهمية بيروت, بموقعها الجغرافي, و مركزها, و إنفتاحها, و تنوعها, و حرية صحافتها… ففتح كيسه, و راح ينفق على الصحف اللبنانية, إلا من عصي عليه منها: “النهار”، “الحياة” و الجريدة” L’Orient , “الصفاء”…
كان أنور الجمل, الملحق الصحافي المصري في بيروت, هو ساعي البريد, و المحاسب, و حامل دفتر الشيكات… فكان ظاهرة لا تتكرر, لعب الدور المرسوم له بكل جدارة…
في أحد إجتماعات القمة للملوك و الرؤساء العرب, اشتكى أمين الحافظ من الحملات الناصرية التي يتعرض لها الحكم في دمشق, و قال له:
“يا ريس… حوش عنا جماعتك, و الحملات المسعورة ضدنا”.
ضحك عبد الناصر و ردّ عليه قائلاً:
” شايف دول إللي بيشتموك… دول بيشتموني إذا أنا لم أدفع لهم”!
و الناصرية علقت في شباك “دار الصياد”. و أصبحت “الأنوار”, ناصرية بامتياز. تقتات خبزها من معجن عبد الناصر و دولته, تضرب بسيفه, تروج لسياساته, تدافع عن قراراته, و تهاجم من يهاجمه, و تخاصم من يخاصمه… و لشدة تعلقه بجريدة صديقه سعيد فريحة, طلب أن تُنشر مقالة محمد حسنين هيكل “بصراحة” , الموحى بها , في الوقت نفسه في “الأهرام” و”الأنوار”.
و كان سعيد فريحة وثيق الصلة بالأخوين علي و مصطفى أمين, و لم ينكر أو يتنكر أن لمصطفى أمين الفضل في التعرف على عبد الناصر, قبل أن يغضب عليه الريس و يتهمه بالتخابر و التعامل مع “جهة” أجنبية و يرميه في غياهب السجن! و كان سعيد فريحة وفياً لصديقه مصطفى امين, فكتب في “الأنوار”, و بجرأة تحسب له, مطالباً عبدالناصر بالإفراج عن مصطفى أمين.
و في سنة, كنت ما أزال اتعاون مع “دار الصياد”، حاول الأستاذ سعيد أن يلقح الدار بشيء من مدرسة “الأمينين”, المختلفة تماماً عن المألوف في الصحافة اللبنانية. و في إحدى جلسات العمل, لاحظ علي أمين أن المحررين البارزين لم يكونوا على وفق مع طروحاته, و نظريته في العمل الصحافي… فسحب نفسه. ترك “الأنوار” و الدار و ما فيها, و عاد أدراجه الى لندن.
***
ما كان سعيد فريحة يكتب بيده. كان يُملي عفو الخاطر ما كان يريد كتابته. و كل مرة كان يختار محرراً, و إن كان في أغلب المرات يملي على جورج إبراهيم الخوري, رئيس تحرير مجلة “الشبكة”.
بين معاصريه, في الصحافة اللبنانية, كان لسعيد فريحة “طابع خاص”, ففي حين كان جورج نقاش صحافي القلم الأمض, و كامل مروة صحافي الخبر الأبدع, و رشدي المعلوف سيد “المختصر المفيد” البليغ… فهو كان رائد “الصحافة الشعبوية”, العفوية, و أسلوب “سليقة قلمية”, كما وصفها غسان تويني ذات يوم.
كان الأستاذ سعيد يضيق في “التعمق بالبحث”, يروي “الخبرية” بعفوية و بساطة, و يُملي الخبر كما هو, قليل العزم على التوثيق.
في لقاءاته مع رجال السياسة, كان سعيد يسحب الخبر منهم بلباقة ملفتة و مدهشة, و عندما كانوا يعودون الى بيوتهم و مكاتبهم, و يتذكرون كيف إنزلق لسانهم, و قالوا ما قالوا أمام الأستاذ سعيد, يندمون أشد الندم, و لكن بعد فوات الأوان, فالخبر نُشر في “الصياد” بصيغة, و في “الأنوار” بصيغة أخرى.
***
و تمضي بي الأيام, يوم ميت بآخر مولود…
و تهّب العاصفة على لبنان. تكسر كل شيء ؟!!
مودي حكيم
مجلة 24 ساعة